الرئيسية > ثقافة الخميس

دراسة تحليلية في ديوان (قاب حرفين) للشاعر (عبدالله الوشمي)

(قاب حرفين) معادلة (الحياة/ الشعر)



لبابة أبوصالح

بامكانك أن تقرأ قصيدة في اليوم أو قصيدتين، ولكن أن تجد نفسك مسلوباً خلال ثلاثة وعشرين قصيدة، لا تقرأ فقط، وإنما تتأمل وتشاهد (صوراً) للحياة من خلال (قصائد شعرية)، فهذا هو النادر مهما كنت قارئاً نهماً.

(قاب حرفين) الديوان الثاني للشاعر الوشمي، الإثباتُ الثاني الذي تقدمه ذات الشاعر للحياة، بعد (البحر والمرأة العاصفة)، والخطوة (الأخرى) التي وثقت صلة تلك الذات بالشعر والحرف.. ليرسخ الشاعر حرفه في ذاكرة الشعر بعد أن حفرته (مقومات الشاعر الحقيقي) في وجه صخرتها، وبوأته مقعد فيلسوف شاعر يتأمل في الصور والحياة أمامه وحوله، ويغنيها حروفاً تعزف رؤيته لذاته وما هو أبعد منها مما تصل به وتشاهده وتعيشه وتحسه وتلمسه بحواسها الست (والسادسة هي رهافةُ الحس).

وهذا ما افتتح به الوشمي ديوانه في تناص ذكي مع حكمة طاغور (الشاعر الفيلسوف الهندي المتوفى عام 1951م).

«يكلمني العالم بالصور.. وأرد عليه بالأغاني..»

بل انه افتتح الديوان بمفتاح قلبه عبر لوحة الفنان التشكيلي السعودي (سامي البار) والتي تعمق الصلة بين الحرف واللون، إذ نلمح في اللوحة (أنثى) بيضاء تعبر في احتشامها عن الذات الأصيلة النقية توسطت اللوحة بين لونين رئيسين هما (الأصفر/ الأزرق) المعبرين عن (النهار/ الليل) ليس للدلالة على هذين الضدين المتعاقبين، وإنما لأن النهار دليل على الحياة المادية، والليل دليل على الحياة المعنوية، وهما الحياتان اللتان يعيش الشاعر بينهما صراعاً، والذي اتضح في ثنايا شعره من خلال تعبيره الدائم عن وطأة الحياة المادية وتجلياته الداخلية التي تتأثر بها، وتتجلى وطأة المادية على المعنوية من خلال احتلال اللون الأصفر الجزء (الأيمن) بالنسبة للأنثى، وأخذها - مقارنة مع الأزرق يسارها - مساحة أكبر، ويتمازج اللونان عند الثلث الثاني من جسد الأنثى (الذات) في منطقة (الوسط) أي الروح.. وغلبة الأصفر (وهو ما يعبر عن وطأة الحياة المادية) وهذا التمازج هو ما يعني الصراع الداخلي وكأنه اللوحة تؤكد حكمة طاغور، وتؤكد أن الشعر استجابة لمؤثر مادي في الحياة.. ثم نلمح في الزاوية اليسرى من الأعلى خطوطاً طفيفة لمدينة أو بيوت اقتحمت ألوانها بقع حمراء للدلالة على الهم الذي يعيشه (الناس/ المجتمع) والذي عبَّر عنه الشاعر أيضاً في شعره..

والشيء الأبرز في اللوحة هو انكسار تلك الأنثى من خلال اعوجاج الجسد من أسفله، دلالة على انكسار الذات الشاعرة الإيجابي، فها هي الذات قاب حرفين أو أدنى تعبر عن صور الحياة بالأغاني.. وتزيح تراكمات رؤيتها، لتخلدها شعراً نقرؤه فنتأمل ونقاسمها حالاتها.

٭٭٭

معادلة (الحياة/ الشعر)

ومن هنا تفتقت فلسفة عالية خلَّدها الشعر فخلدت إلى ذاكرتنا بكل تفاصيلها، وصرنا نقرأ الحياة من زوايا جديدة سكنها الشاعر قبلنا عبر ثلاثة و عشرين قصيدة، إذا ما قرأتها جميعاً لحظت وحدة قائمة بذاتها تعبر عن (ذات) الشاعر، ورؤيته للحياة.. ومن هنا قدَّم الوشمي معادلة متراجحة كانت الحياة فيها أكبر من الشعر أو تساويه!!

أولاً: ملامح الفنية:

(1) التعبير: فلو كان الشعر كافياً ليعبر عن صاحبه، لما تمايز الشعراء، بيد أن السؤال هو (كيف) فعل، وليس (هل) فعل؟!

وأكثر مما يثير اعجابك في ريشة الوشمي هو العناية الواضحة باللغة البعيدة عن المباشرة، حيث التكثيف واسقاط الفكرة على عناصر مادية تأخذك بسهولة إذا ما تمعنت قليلاً إلى المقاصد التي أرادها الشاعر، مستفيداً من الصور الحسية لتقريب المعنوية ومنح المقطع الشعري فكرة فلسفية جميلة تتركك في دهشة منها وتأمل، فما قدمته الكنايات المختلفة جعلت من أسلوب (الكناية) فناً حقيقياً يقدم لمساحة القصيدة في إيجاز شديد أكثر بكثير مما تتوقع.. ففي (أبجدية لشاعر لم يأت بعد) كنى عن (الشاعر) ب (الإصبع) قاصداً القلم، وجاعلاً إياه في ذات الوقت جزءاً منه يقول:

«سلام على إصبع هذَّب الذاكرة

له المجد أوغل في الجرح..» ص7

ثم أكسبه صفات الكائن الحي قبوله:

«رأيتُ جميع العصافير تخرجُ من فمه حين قال القصيدة» ص7.

ليصبح خلال القصيدة البطل الذي:

«أتى وحده الآن، والحرفُ بين يديه

يُفسِّر أحلامنا ومواويلنا..» ص8.

ومن الكنايات أيضاً ما جاء في قصيدة (مفردات من كتاب المطر):

«ما الذي يتكسر داخل غصن الخزامى؟

عندما تعزف القطرات

نشيد الرحيل..» ص11

كناية عن الحياة..

وقوله:

«والسماء التي سوف ترسل

أبناءها للتراب» ص11

فالسماء كناية عن الوطن أو الأم عندما تضحي بأبنائها لأجل أرضهم والتراب كناية عن الموت.. وغيرها من الكنايات الواشية التي تبث معانيها ضمنياً في صياغات ساحرة، بعيداً عن ركاكة المباشرة وبعيداً عن التقليد والتكرار.

(2) التعالق النصي (التناص): ومعلوم أن إجراء العلاقة بين نص الشاعر ونص آخر سابق له فيه شحن وتكثيف للعبارة، وقد تعالق شعرُ الوشمي في ديوانه مع أربعة شعراء في أكثر من موضع، ومع القرآن الكريم في تسمية الديوان (قاب حرفين)، وفي مفتاحها مع (حكمة طاغور).

أما التسمية فمن قوله تعالى: {فكان قاب قوسين أو أدنى} (النجم/ 9).

وأما الشعر: فقد جاء في قصيدته (الرائحة):

«على قدر أهل الموت تأتي المصائبُ

وتأتي على قدر الثمار المناجل» ص15

كان تناصاً مع المتنبي في قوله:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

وفي قصيدة (الدخول إلى جنة الرمل)، مع قول المتنبي:

تركت دخان الرمث في رمضائها

طلباً لقوم يوقدون العنبرا ص71

وفي قصيدته (فواصل لا تكتمل) يقول الوشمي:

فوحق نعليها، وما وطئ الثرى

شيء أحب إلي من نعليها ص 24

متعالقاً مع قول الشاعر السوري (ديك الجن الحمصي) المتوفى سنة (161 - 235ه):

فوحق نعليها، وما وطئ الحصى

شيء أعز عليَّ من نعليها

وفي قصيدته (أغنية النخيل) متعالقاً مع بيت أبي العلاء المعري الذي يقول فيه:

وردنا ماء دجلة خير ماء

وزرنا أشرف الشجر النخيلا

ص40

ومع الشاعر الأندلسي عبدالرحمن الداخل في بيته:

تبدت لنا وسط الرصافة نخلة

تناءت بأرض الغرب على بلد النخل

ص41

ولو تتبعنا الظروف التي أحاطت بالشعراء الأربعة لما قالوا شعرهم، لخرجنا بدلالة التعالق في النص الشعري.

(3) العناوين الصغيرة (الفرعية): ولعلك تلحظ هذه التقنية في (مفردات من كتاب المطر) و(بحور) و(ذاكرة لشوارع منسية) و(أقلام) مستفيداً الشاعر من العناوين في استقصاء الحالة التي أدت إلى ولادة القصيدة، ومتقاطعاً في ذات اللحظة مع مضمون المقاطع الصغيرة، لتكون العناوين كمفاتيح دالة على المخبوء في المقاطع، مثل:

«شارع الحوامل:

يبدأ الطفل تاريخه في الشوارع!!»

ص 39

(4) المساحات الفراغية.. وبرغم أن الوشمي لم يستخدمها كثيراً في ديوانه، إلا أن في استخدامه لها مسحة من معنىً مخبأ بين الثنايا، وفاضح أكثر من كونه ساكتاً، في مثل قصيدتيه (فواصل لا تكتمل) و(ذاكرة لشوارع منسية) إذ جاءت - في الأخيرة - إحدى العناوين الصغيرة فراغاً من أربع نقاط أفقية.

(5) الرمز.. وهو لسان الإفصاح الذكي الذي لن أبالغ حين أقول ان الشاعر لعب من خلاله - بمهارة - بحاسة القارئ التي حيرتها المخاطبة الغائبة، هل هي (أنثى/ مدينة/ أمنية/ قصيدة/ دمعة..) أم غيره مما وجدنا الشاعر يخاطبه في مثل قصيدة (النذر) و(خلود) و(الزيارة) و(تضاريس القلب) و(ثالثهما الحرف) و(المركب) و(الورقة الأخيرة من دفترها).. فهي تحتمل أكثر من مرموز له، وكم كان ماتعاً شاعرنا حينا أدخل القارئ في معمعة اللبس ودوامة التفكير للتفسير وفك جدائل الرمز الجميل.

انظر مثلاً إلى قوله:

«الشوارع

هل تحاول درس التفاصيل،

تقرأ كل الهموم على أرجل العابرين؟

وتدغدغ أحلامهم

ثم تتركهم للدموع» ص44

إذ يرمز إلى خيانات المؤملين الذين يشحنون نفوس الشباب بالأمل ثم يخلفون الوعود، ومنه ما يحدث في مكاتب الهجرة التي بعد أن تُستكمل إجراءاتها ومعاملاتها التي (ربما) استدان الشاب لأجلها وتحدث بين الناس بحلمه الذي ستحققه له، نجدها في نهاية المطاف تأتيه بالرفض بعد طول انتظار، وتتركه للإحباط!!

ثانياً: نقد الحياة المادية بأسلوب ضمني ساخر:

وقد استوفت لوحة (البار) - كما ذكرتُ - الحديث بالألوان عن هذا النفس الشعري في (قاب حرفين)، إنه وعي الإنسان الشاعر بالحياة والتعبير عنه فيها وعنها عنده لأنه جزء من كل لا ينبغي تجاهله، وعليه فإنه امتلك صوت (النقد/ التعرية) بشكل ناجح..

انظر إليه في قصيدته (فواصل لا تكتمل) يقول:

«قريتي،

وبقايا ملمح بيتي،

وابتهالات جدي،

وزيارات أمي لجاراتها.

والصغير يشاكسها في الطريق،

وعصاً تتوكأ فيها سنون الطفولة

..

خنقتها المدينة!» ص21

فها هو بعد انثيالات الذاكرة لحياة ماضية يجد أن الحياة المادية قد سطت على المعنوية سطواً كان مضي الزمن وتغير الحال ودوران الإنسان في دوامة الحياة، هو ثمنه القبوض سلفاً!!

وانظر في ذات القصيدة يقول:

«الرجولة

جاءت محنطة

في ثياب العرب!» ص23

إذ يعري الوضع العام سياسياً/ اجتماعياً/ نفسياً، ويستهلك بتعب دلالي معاني (محنطة) ثم يصمت بإشارة تعجب واحدة..!!

وأما قصيدته (سورة ياسين) فلعله استطاع فيها أن يسامرك في أمسية موغلة في الوجع لا الرثاء للشيخ أحمد ياسين، مفشياً كل تضاريس الوجع من خلال المعنى الفلسفي والحكمة المنثورة، انظر قوله:

«كان أحمد نجماً

تسلل نحو الصباح

على غرة من جنود الظلام

كان يكتب للعاشقين رسائلهم

ثم يبكي لهم

ولهم كان يولد في كل عام» ص30

وهذا ما صنعه كذلك في قصيدة (ما قالته الأرض/ شيء من كتاب العشق القديم)..!!

وتحتقن أنفاس التعبير عن وطأة الماديات في عروس الديوان (ذاكرة لشوارع منسية) حين يصوّر الوشمي الحياة المادية في هيئة (شوارع المدينة) التي تمثل عراء المدن. مستنفداً كل إيحاءاتها ودلالاتها من خلال (اللون الأسود. عدم التغير على مر الزمن/ التصاق الأرجل بها على اختلافها/ أسمائها/ ضيق بعضها (الأزقة)/ أشكالها..) وغيرها.

وتجيء قصيدة (امرأة لا حصر لها) تعليقاً على صورة ضمّت عجوزاً وابنها الفلسطيني وقد انحنى نحوها وهما قتيلان (كما ذكر الشاعر في مستهل قصيدته)؛ عازفاً على وتر الهم العام. وتعال الى قوله في (أقلام):

«قلم سوف يعلن بعد الوفاة الفضيحة

يفتح إيوانه للعزاء

سوف ينشر أن المثقف أن

الخطيب وأن أميرهم الشاعر المتحذلق

كانوا ينادون بالنصر فجراً

وعند المساء

يقولون: لا» ص60

إذ يعبر عن حالة التناقض منتقداً من يقولون ما لا يفعلون من بعض شرائح (الخطباء/ الشعراء المتحذلقين/ المثقفين).

أو حين يقول:

«قلم القاضي

قلم الشرطي

قلم الشاعر

أقلام تبكي إن صارت

تكتب للآخر» ص60

عازفاً على هم عام باختزال جميل جداً.

وحينما تجد شاعراً منشوري التعبير ينسج بيته الشعري من خيوط (الذات/ الآخر/ المجتمع) فإنك لاشك ستشهد له بالشعرية الحقيقية؛ إذ لم يكن نرجسياً، وإذ وجدت نفسك تقرأ حالك وحال صديقك وأبيك وجارك ومدينتك وأرضك وعربيتك عنده، وتطيل صمتاً!!

ثالثاً: دلالات (العاشق/ المطر):

لطالما ألهم المطر الشعراء على امتداد العصور وألهب إحساسهم فعبّروا من خلال دلالاته عن تجليات العاطفة التي ينتشون بها؛ حيث كان ماءً يسقي الذكريات لتفوح رائحتها ويتذكرون (الحب) بل يزدادون غياباً في (العشق)، وها هو شاعرٌ جديد يكتب مفردات برائحة المطر في قصيدته (مفردات من كتاب المطر)، يعبر من خلالها عن الإنسان فيه بعمق وكنايات ورموز مختلفة، ويثبت أصالة العاطفة (الحب) في كتاب الإنسان؛ إذ أنها جزء من معادلة حياته.

وقد تقاطع المطر مع العشاق في دلالات مختلفة ك (الخير/ التوجس/ السؤال/ الرجل/ الكائن الحالم/ المثالية/ العاطفة المنثالة/ الذات المختنقة بالرغبات/ البوح..) وغيرها. ولم يكن العاشق مقتصراً على عشق الأنثى لأنه دلل في كناياته على عشق الوطن والتضحية في سبيله وعشق الحياة ولزوم الانحناء لها/ عشق الأشياء/ الحبيبة/ الراحة.. وغيره.

رابعاً: تحقيق مبدأ نظرية (التطهير) لأرسطو:

فمن خلال نمط القصيدة والفكرة المطروحة عند الوشمي؛ تجد ترسيخاً لمفهوم (التطهير) في التخلص من أدران الهم العالقة بالذات، خصوصاً حين تكون الذات مستشعرة حجم المسؤولية المترتبة عليها مادامت تعيش.. ويكون التخلص (التطهير) من خلال: الكتابة كفعل أدائي، والشعر كنمط تعبيري؛ انظر إليه يقول:

«كيف تهمي القصيدة؟

شيء ينوس على القلب، جرح أعالجه بالقصائد..» ص80

فالقصيدة تمثل اجراءً علاجياً لجرح في ذاته، وهذا بالضبط ما تنطوي عليه نظرية أرسطو القديمة.

خامساً:إننا لو قرأنا الشاعر كونه شخصا واحدا يعيش في ثلاثة وعشرين قصيدة فإننا سنجمع صفات هذا (الكائن الحي/ الإنسان) بين الكلمات، دون أن نعثر على صفتين متناقضتين وهذا يؤكد صدق التجربة الشعورية لدى الشاعر حيث تبدّت لنا ثنائيات مشكلة لشخص (الشاعر) في تعاطيه للحياة: فهو:

1- (الشاعر/ العاشق):

«وحدنا والعذاب

نتقاسم طاولة العشق

مابيننا

هي ساحرة من شعاع السحاب

وصاحبها شاعر

من تراب» ص22

2- (الشاعر/ القلم):

«أتى وحده الآن، والحرف بين يديه

يفسر أحلامنا ومواويلنا..» ص8

3- (الشاعر/ الشعر): حيث تتداخل ذات الشاعر وذات الشعر بقصد توحيدهما:

«قال لي - وانحنى -:

أينا

يكتب الشعر

أنت على ملكوتك أم

جرحنا» ص23

إلى قوله:

«أيها الشعر، لا شيء بعد انكسارك إلا:

أنا!» ص23

4- (الشاعر/ الراحل): إذا وشى بهاجس يلح عليه وهو (هاجس الرحيل والانتهاء):

«من يربي الصغار الذين سأتركهم

- كاليتامى - على أرفف المكتبات،

وبين الدواوين مثل النوارس

من قبلاتي لكم

.

..

...

» ص25

5- (الشاعر/ الصامت):

«يدها - قال - أطلب

يا والداً أنفق السنوات يهذب

أحلامها

.

..

...

يدها، أم..

وبكت جنتي!» ص25

6- (الشاعر/ الغريب):

«غريب أنا مثل هذا النخيل

غريب قتيل

كم مضت في دمائي السنون

وأاحرقني في وقوف الصهيل

غريب ويكفي

أن صوتي حر» ص41

إذ تقاطع الغريب مع النخيل الذي يرمز إلى الأصالة وبيئة الشاعر المحلية، وحينما يكون جزء من المكان (النخيل) غريبا عن المكان فإن هذا قد يرمز إلى غربة الشاعر النفسية في وطنه وبين ناسه، وربما يرمز إلى غربة الإنسان عموماً في هذا الزمن والأسباب مختلفة.

7- (الشاعر/ الأب):

وعبّر عنه شاعرنا في قصيدته الجميلة (مارية) ممتلئاً بحنو الوالد وعاطفة الأبوة:

«قبليني ياحبة القلب إني

والد، هل رأيت مثل شجوني» ص55

8- (الشاعر/ القلب):

«في جيبي:

ليس سوى قلبي

يتحرك مضطرباً

بجوار الأقلام» ص63

سادساً: أصالة الذات الشاعرة:

وتتبدى من خلال (1) استلهام صورة البدوي القديمة الذي كان يتغنى ويلهج بالشعر خلف أغنامه وهو يرعاها، ولم تكن هذه الصورة بدعاً عند الوشمي في هذا الديوان؛ فقدد استفاد منها كثيراً في ديوانه (البحر والمرأة العاصفة) وكأنه يريد أن يعمّق انتماءه وارتباطه الوثيق بأصله وجدّه البدوي الأصيل.

انظر إلى قوله:

«هل تفهم الشعر أغنامنا

نوقنا

جن تلك الشعااب

وهل - سيدي البدوي - ، تحن الحروف إلى شفتيك

كما القطرات إلى رملنا في الصحارى

وكالنوق تكسر أشواقها نحو صوت الرعاة...» ص8

(2) قصيدته (الرائحة) في مناجاة أبيه الراحل الذي مضت على رحيله اثنتي عشرة سنة، وهو يكاد يسمعه، وانظر كيف وصف نفسه بالشجرة (رمز الأصالة):

«هذه

أرجلي!

أم جذوع الحنين إلى الأرض

حيث أبي ينتظر..!» ص16

(3) الانتماء إلى الأرض، كما في قصيدته (ختام الأرض):

«الأرض أرضك يادمي

فازرع عليه من الحروف قصيدة

ومن الدماء السلسبيل» ص87

أخيراً: تجزؤ الذات الشاعرة/ توحدها/ تقمصها الأشياء:

فقد عاش الشاعر في قصائده في حالات كثيرة جعل من ذاته أحياناً (أجزاء مجتمعة) يحنو بعضها على بعض كقوله:

«ثم أحنو كأمي

على جسدي

حين تخدشه

ذكريات الطفولة!» ص21

أو يصدّرها أجزاءً تؤلف ذاته وتتكامل معها: كالثلاثية التي أفدناها من قوله:

«يا أبي،

زرعتني الحياة على دربها

نجمة

أو حنيناً سرى للقصيدة

أو قارباً من بكاء» ص16

ف (النجمة/ الحنين/القارب) ثلاثية تؤلفه؛ النجمة تدل على الإنسان، والحنين هو حالة الذات المتأثرة بما حولها كجزء من مشاعر كثيرة ذُكر الجزء وأريد الكل، والقارب يدل على أصالة مفردة (الحزن) في قاموس الذات الشاعرة!!

وتراه في موضع آخر يستقل بذاته (عبر ضمير المتكلم) ويبوح بما تعيشه من عذاب وحزن:

«.. ودمي

حين أثقب ذاكرتي

يتساءل من - أولا -

سوف يخرج

بعض ابتساماتنا

أم عذابي» ص22

وانظر الى عمق الشاعر في جمع (ابتسامات) وإضافتها لضمير الفاعلين، وإضافة التركيب الى (بعض) قاصداً التقليل من أوقات الابتسام وتشتيتها بين جمع دون أن يعيشها بمفردة كاملة، بينما تجده يقفل تساؤله ب (عذابي) وقد حازه (كله) عبر ياء المتكلم، ليوحي بأنه إجابة السؤال كونه تأخر في مبنى العبارة، قاصداً تفقيم حالة الحزن وتأكيدها.

ونجده يتوحد مع ذات القصيدة في مثل:

«أتساءل: في أي ذاكرة

يختبئ ظلنا؟» ص25

فلو أنه قال (نختبئ) لوفى الصورة ايضاً، لكنه أراد أبعد من ذلك، حيث جعل لذاته الشاعرة، وذات القصيدة ظلاً واحداً ليؤكد توحد الذاتين (أي الظلين) اللذين من شدة التصاقهما وتداخلهما كأنهما ذوا ظل واحد، ثم يتساءل عقب صورته في أي ذاكرة سيختبئ هذا الظل؟

وبعد:

فإن هذا ليس كل شيء في عالم (قاب حرفين) وإنما هو نزر يسير من الضوء على بعض أرجائه، ربما يسرق إلى عوالم أخرى مازالت مختبئة في بطن الشعر والشاعر..

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة