الرئيسية > ثقافة الخميس

حسن داوود في «مكياج خفيف لهذه الليلة»

المروي والمرئي في حكاية امرأة


فاطمة المحسن

حسن داوود في روايته «ماكياج خفيف لهذه الليلة» دار رياض الريس، يقترب من ممكنات صياغة فكرة فنية تبدو وكأنها تشغله في الرواية عموما كما تدل أعماله السابقة، وتدور حول الكيفية التي يوظف العلاقة البصرية في تفاعلها بين حركة الشخصيات المرصودة ولغة السارد نفسه. ومن خلال متابعته هذه الحركة في تبدلاتها البطيئة، تتشكل بنية السرد وتنمو الشخصية في رواية ترويها الصورة، اللقطات المتراكمة التي تقترب من تلافيف الافعال بما يشبه صنعة الكاميرا.

في هذه الرواية يمضي الى تأكيد فكرته بإدخال عناصر الفن البصري ذاته: الرسم والسينما كي يتوفر على آلية تضاعف لديه قوة البصيرة، أو تعدد مرايا التخييل.

لا تبدو روايات حسن داوود للمهتمين بالاعلام الأدبي على الأهمية التي تبدو فيها روايات المشاهير، ومع كونه صحافيا ومحررا لصفحة ثقافية،غير ان تسويق رواياته ليست في موضع اهتماماته، ذلك لأنه يشتغل على كواليس السرد العربي وليس على واجهاته ومسارحه المرئية. وهذا لا يعني ان الكاتب يلغي العلاقة بينه وبين القارئ العادي، او هو يستمد مواضيعه مما تريده النخبة، بل هو يهتم بما يمكن تسميته الكيفية التي تنتظم فيها الوقائع في وقائع أخرى، تستبدل العواطف والمشاعر والصور بصور ومشاعر مشغولة بنمنماتها. فهو أقرب الى خطاط ونسّاج بدائي،يطرز مادته غرزة غرزة، مهموما بالتفصيل والمساحة الصغيرة التي ينكّب عليها كي تكتمل صورتها في ذهنه وفي ذهن من يقرأ. ربما هو يدري أن الرواية بهذا المعنى تحدد طريقة جديدة للعيش والمشاعر، او هي تصبح في النهاية،محاولة لاستبدال الازمنة القديمة بأزمنة جديدة يفرضها الواقع ويعيد تخييلها الكاتب.

وفي الظن أن حسن داوود في كتاباته الروائية، يقترب من شغل الصحافة الجديدة اللبنانية، وهي صحافة ليست بمجملها متشابه، ولكنها في حيز ربما يبدو صغيرا ولكنه ملحوظ، تحاول استعادة دورها في حياة العرب إبان الفترة المسيحية المزهرة نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين.أي انها تحاول التخلص من الزاوئد اللغوية والفخامة والنبر الخطابي، ولعل ابرز نماذجها كتابات عباس بيضون محرر السفير الثقافي.

في رواية حسن داوود «مكياج خفيف» بمقدور القارئ الانتباه الى فاعلية العين المراقبة، العدسة التي تلاحق الفعل البشري، واللحظات الفالتة لتبطئهما وتجزئهما كي تكشف المستويات المخفية لدرجات الاقتراب تلك، اقتراب عين محايدة تستعيض عن السارد العارف، بالسارد المتورط في فورية اكتشافه. من الصعب ان نقر بأن شخصيات هذه الرواية وأحداثها عاجزة عن إنتاج خطابها العام، أي إمكانية إحالتها الى رموز أو أمثلة أنتجتها المراحل. فبمقدورنا القول ان الشخصيات تبدو وكأنها بقايا الجروح الفاغرة التي خلفّتها الحرب اللبنانية،ولكن التعويل على إدراجها ضمن روايات مابعد الحرب وما قبلها، مجرد ابتسار لمزاجها العام وحساسيتها التي تحدد قيمتها.

على هذا تبدو بطلة الرواية المستيقظة من تفجير أودى بزوجها (قائد التنظيم) وأختها وتسبب في غيبوبة اضطرتها المكوث سنة في المستشفى، تبدو هذه البطلة وكأنها تسدد حسابات التطهر من الحرب.ولكن المؤلف يأخذ بيدها الى ما هو أبعد من إمكانية تحميلها هذا العبء الثقيل، فهي في الاصل دخلت أماكن الحرب ضيفة متورطة بفضول كاميرتها وهي تصور القتل،ثم دفعها تيارها الى ان تنتهي بغيبوبة تساعدها على التنكر او حذف ما علق بها من زوائدها الاجتماعية. هذا التاريخ لايعني الحرب بميلودراميتها الفاقعة، بل يعني علاقتها بمجموع من انتمت اليهم: العائلة والاطفال والزوج والعشيق والأهل والاصدقاء.

الجرح الذي يشق رقبتها وصدرها، والعوق الذي يحمله جسدها،والذاكرة المشوشة،كل تلك الخسائر الفادحة، تجعلها تتحرك ضمن المنطقة الرمادية بين الحياة والموت، وهي مساحة حرة، تمتح منها الزهد بالعادات والاخلاق الاطلاقية. طريقة العرض ترصد حركتها تلك ضمن مرايا متعددة، فعلاقتها القديمة مع صديقة المدرسة تُستعاد بفكرة الفيلم الذي تريد الصديقة تحقيقه عن قصة حياتها. المخرجة ترسم شخصيتها وفق الصورة التي تراها هي، او تشخص في ذاكرتها عنها، ولكن البطلة تتلمس خلال هذه اللعبة سطوة الكاميرا ومصادرة المخرجة لها، وهنا يحدث التصادم أو سوء الفهم بينها وبين الصورة المنظورة لوجودها أو تلك التي يعاود الفن تظهيرها.

رغبة البطلة المستعادة مع الرسام، تصبح المرآة الثانية التي يسلطها الآخر على جسدها، وعندما ينتهي الرسام من رسم عوقها، تصبح اللوحة هي الوجود المتحقق الوحيد من تلك العلاقة.وهكذا نجد في تضاعيف التخييل، القدرة على ان يتشكل التوتر بين الصورة والاصل، الحقيقة والزيف، الذات والموضوع. على هذا تصبح الحكاية قادرة على توليد ديناميكية متعددة الأوجه للسرد.

بيد ان اللعبة القصصية التي يدخلها الرسم والسينما، لا تؤدي الى كشف الاحتمالات المتخالفة للمشاعر، قدر ما تفضي الى محو فكرة الاحساس بالاكتشاف المثير، فالحياد هو ما تتطلبه اللحظة الانسانية التي يشكلها انقطاع المرأة الى ذاتها، الى صورتها الساكنة الميتة التي لا تخاف منها.

تحقق بنية السرد في تضاعيفها، المزيد من التوازن بين الإدراك العقلي والفعالية البصرية، فهذا الاقتراب او الالتصاق بالشخصية، توفره لغة السارد التي تستنطق البطلة، ولكنها تزيحها بسطوة دقتها وتسجيليتها وقدرتها على الاستعاضة عن الحقيقة بإعادة تمثيلها امام الكاميرا : (أنا،بحسب ما تريده جيهان، ينبغي ان أكون في خارج الفيلم كما في داخله.هي صورة واحدة لي حتى إذا ما التفّ الفريق العامل حولي وبدأ بتصويري لن يكون عليّ أن أغيّر شيئا فيّ. ليست إلا خطوة أخطوها من خلف الكاميرا لأصير أمام عدساتها.من بينهم جميعا، هم الذين أتت بهم جيهان ليمثلوا، لن يكون عليّ أن أتغيّر أو أغيّر فيّ شيئا. لا ينبغي لي أن أكبر أو اصغر. «لا تمثلي»، كانت تقول لي جيهان، «فقط قولي الأشياء كما تقولينها لي ولا تغيّري صوتك أبدا »).

لعبة السينما هي اكتشاف الذات واختراعها في آن، وهي لعبة الفن عموما، فهناك مساحة للحقيقة واخرى للوهم، وتبتعد تلك المساحة وتقترب من لحظة الصدق في مراوحة لبلوغ ذروتها (الخط الذي يفصل ما كنت فيه وبين ما أنا عليه الآن، أكاد أراه بعيني،عميقا وعريضا وفيه، في وسطه، هوة . أراني الآن على الجهة الأخرى من الخط، ولكن مازلت قريبة منه حتى لا أكاد أكون على حافته)..

يمحو التوهم في هذه الحالة الوجود، بل القدرة على تخيل الوجود ذاته. فالحياة تجري خارج توقعات أزمنة الصحو والغيبوبة، في حركة أبدية نحو تلاشي الوعي بها. ومهما كانت قوة الادراك حدسيا كان أم عقليا، فالفن يبقى يعتاش مثل طفيلي على تثبيت وهم الحياة.

هل قالت الرواية هذا او توهم القارئ ماتقول؟. ربما تصح الحالان، لأن اللغة هنا هي المقصد، اللغة من حيث هي نظام لصياغة الصور الذهنية، فهي مكتفية بذاتها ولا تحتاج الى تعريف خارجها، لأنها فاقدة رغبتها في عكس الوقائع كما هي، ولكنها ايضا لا تدعي انها خارج سياق التجريب واستجلاب وسائل أو استنساخ فنون اخرى غير فن الكلام.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة