تطرح الروائيّة دانيال ستيل في روايتها «خمسة أيام في باريس» موضوعاً في منتهى الخطورة حيث تصوّر المليونير الأمريكي العجوز فرانك دونوفان مالك شركة ويلسون - دونوفان لصناعة الأدوية وهو يحاول خداع دائرة الأغذية والعقاقير بتمرير منتج دوائي باسم «فيكوتيك» لعلاج السرطان لازال تحت الاختبار ورغم أن نتائج الاختبارات قد أثبتت أن أحد مكونات الدواء له أضرار قاتلة ولابد من البحث مجدداً عن بديل لهذا العنصر وهو ماسيؤدي الى تأخير انتاج الدواء سنوات أخرى يرفضها الرجل الذي يصرّ على تقديم الابحاث للدوائر الرسمية من أجل الحصول على الترخيص بسرعة وفي المقابل هناك الرجل النزيه «بيتر» مدير الشركة الذي يحاول اقناع العجوز بالتريّث لمزيد من الأبحاث حتى يمكن انتاج دواء آمن وفي نفس الوقت رخيص الثمن حتى يمكن توفيره للفقراء من المصابين بهذا الداء الشرس ولكن هيهات فالرجل الرأسمالي العنيد يرفض كل حديث حول التأجيل . هذه الحكاية مستقاة من سرد روائي ناتج عن خيال الكاتبة إلاّ انها تصور واقعاً يحدث في بعض المجتمعات ومنها المجتمع الامريكي الذي يصوره البعض لنا بأنه مجتمع المثاليات النزيه من العيوب، من هنا تبرز أسئلة كثيرة وشكوك حول اخلاقيات الباحثين والعلماء ومصنّعي الأدوية الذين قد وثق الناس بضمائرهم وما تمليه عليهم ألامانة العلمية والمسؤولية الانسانية تلك التي يفترض بمن يعمل في تلك المجالات أن يسمو بضميره عن الاطماع والمخادعة أو الاكاذيب ابيضها قبل أسودها، لقد اصبت بالذهول وأنا أتذكّر الصراع الدائر بين العجوز الطماع مالك الشركة والرجل النزيه المدير الشجاع الذي يحاول قدر امكانه استنهاض ضمير رئيسه وتأجيل تقديم طلب ترخيص الدواء القاتل ولم تطل دهشتي إذ أكّد تقرير جديد «واقعي هذه المرّة» نشرته جريدتنا يوم السبت 9يوليو الحالي 2005م في صفحة محطات متحرّكة تحت عنوان «على ذمّة دراسة حديثة» أن ثلث العلماء الأمريكيين الذين سُئلوا قالوا إنهم خلال السنوات الثلاث الماضية قاموا بتصرّف واحد على الأقل من شأنه أن يعرّضهم للمشاكل من ذلك القفز فوق بعض النواحي الصغيرة لأنظمة إجراء ابحاث على الناس و«غض النظر» عن استعمال زملاء لهم معطيات مشوبة بالأخطاء أو تفسيرهم المشكوك فيه للمعطيات ، المُحزن في الأمر أن هؤلاء العلماء متخصصون في مجالات البيولوجيا والطب أو العلوم الاجتماعية الى جانب آخرين في مجالات أخرى مختلفة، ومن الممارسات العشر التي وصفتها الدراسة بأنها الأكثر خطورة اعتراف حوالي اثنين في المائة من العلماء بتزوير المعطيات والانتحال واغفال النواحي الرئيسة لأنظمة إجراء الدراسات على البشر وهذا هو الأمر المُحزن..!!
حسناً ..هل يجوز لنا افتراض حسن النيّة في ذمم وضمائر هؤلاء العلماء والاعتقاد بتعرّضهم لضغوط هائلة من المؤسسات السياسيّة التي أصبحت تتدخل في كل تفاصيل الحياة لتجييرها لحساب المصالح التي يؤمن بها الساسة قبل أيّ شيء آخر ..؟؟ بمعنى هل تمت المقايضة بين نتائج علميّة مُحرّفة والبقاء على قيد الحياة ، أم أن الهوى والميول وحتى الصدامات العقائدية تُجيز الكذب والتلاعب بالحقائق حتى من العلماء ..؟؟