الرئيسية > مقالات اليوم

الانتخابات: الورقة الاقتصادية تولَّت الحسم


يوسف أبا الخيل

انتهت الانتخابات البريطانية مؤخراً بفوز حزب العمال بزعامة رئيس الوزراء الحالي توني بليربفترة رئاسية ثالثة بحصوله على 353 مقعداً من أصل 624هي مجموع مقاعد مجلس العموم البريطاني، وبذلك فالحزب أصبح مدعواً وفقاً لهذه النسبة من المقاعد التي حصل عليها إلى تشكيل الحكومة البريطانية حسب قانون الانتخابات هناك.

الفوزالعمالي جاء ليتوج مسيرة الحزب في سياق الحياة البريطانية بفوزه بثلاث مرات متتالية بدأت عام 1997م وليكون بذلك توني بلير أول زعيم عمالي يقود حزب العمال لهذا الفوزالثلاثي المتتالي وليظل محتفظاً بحقه في التردد على عشرة داوننغ ستريت حيث مقر الحكومة البريطانية.

ولكن من ناحية أخرى فلم يخل هذا الفوزمن مرارة تذوقها أعضاء حزب العمال نسبة لخسارة الحزب لمائة مقعد من مقاعد مجلس العموم رغم فوزه بالأكثرية حيث حل أقرب منافسيه وهوحزب المحافظين بزعامة مايكل هاوارد بالمرتبة الثانية برصيد 197 مقعداً لم تؤهله لملاحقة حصان العمال الجامح، وجاءت خسارة حزب العمال لهذه المقاعد نتيجة لما شكله دخول بريطانيا الى جانب الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب على العراق من معارضة قوية لدى الناخبين البريطانيين والتي ولدت ضغطاً لا يستهان به على حزب العمال خلال مسيرة الانتخابات وما سبقها من فترات كان خصوم الحزب يعدون فيها العدة لاستخدام ورقة العراق كضاغط رئيسي لاسقاطه من عرش الحكومة البريطانية، بل بدا المحافظون وقتها أكثرثقة بقدرتهم على اسقاط العمال خاصة بعد ظهور بعض فضائح الجنود البريطانيين على خلفية قيامهم بممارسات لا إنسانية تجاه بعض المساجين العراقيين وما أحدثته من ضجة كبيرة على مستوى الشارع البريطاني، مع ذلك فالناخب البريطاني تحامل وتجاسر على نقمته على حزب العمال جراء اشتراك بلاده في الحرب على العراق على يديه بلا تفويض قانوني من الأمم المتحدة وانتخبه لفترة ثالثة، فما السر في هذه المعادلة؟ حزب مغضوب عليه في الجملة نتيجة لما يراه الناخبون تفريطاً من جانبه بحياة أبنائهم في حرب لا طائل من ورائها ومع ذلك فهاهو يفوزبأول انتخابات تلي تلك الحرب التي لا يحب البريطانيون ذكراها ويودون أن يروا أبناءهم وقد عادوا الى بلادهم من تلك المجاهل البعيدة بأسرع وقت، فهل هناك لغز أدى الى قلب الطاولة في وجه المحافظين رغم أنهم كانوا يرون حزبهم بات أقرب من أي وقت مضى من سدة رئاسة الحكومة؟

السر وراء ذلك هوالاقتصاد البريطاني الذي كانت له اليد الطولى والكلمة الأخيرة في حسم نتيجة تلك الانتخابات لمصلحة العمال، ذلك أن هذا الاقتصاد شهد ويشهد على يد العمال انتعاشاً قوياً لم يشهده ربما منذ وقت بعيد وبالتالي فقد أدت تلكم الدفعة من الانتعاش الاقتصادي الى رفع أسهم الحزب رغم معاناته من لعنة الحرب على العراق لتجلسه على منصة مجلس العموم بأكبرعدد من الأصوات قياساً على أقرب منافسيه، والفضل في هذا النجاح الاقتصادي البريطاني المجيرلحزب العمال يعود من دون شك للنجاح الكبيرالذي أرساه وزير المالية جوردون براون المنافس القوي لبلير على زعامة الحزب الذي يعتبر بحق مهندس المعجزة الاقتصادية البريطانية التي تتحقق هناك منذ سنوات وبناءً عليها فقد تغلبت الورقة الاقتصادية - وهي ورقة كبيرة ومؤثرة بلا شك - على الورقة السياسية وألقت بمن يلعبون بها وحدها - خاصة أقرب منافسي العمال وهو حزب المحافظين - بعيداً حتى عن المنافسة الحقيقية له بتخلفه عنه بما يعادل 156صوتاً حسمت المعركة الشرسة نحوالسباق الى أكثرية مجلس العموم لصالح العمال.

هذا الحسم الذي لعبته الورقة الاقتصادية البريطانية تعطي مؤشراً للمتابع بأن الشعوب الأوروبية عموماً تعول على النجاح الاقتصادي عند التصويت على الثقة بها أكثر مما تعول على الأوراق الأخرى وعلى رأسها الورقة السياسية، هذا المؤشر أو النتيجة التي سيخرج بها المتابع للانتخابات البريطانية لها شاهد داعم وقريب من الانتخابات الأمريكية التي جرت عام 1992م، وقتها كان الرئيس بوش الأب في قمة نجاحه السياسي بعد أن استطاع حشد قوات التحالف بقيادة بلاده لتحريرالكويت من العراق واستطاع فعلاً تحقيق ذلك وبتفوق كبيرمما جعل المراقبين السياسيين آنذاك لا يشكون لحظة بفوزه في الانتخابات، الا أن رياح الاقتصاد الأمريكي المتردي وقتها حملته وحزبه الجمهوري بعيداً عن البيت الأبيض وأتت بالديمقراطيين بزعامة بيل كيلينتون الذي استطاع التربع على عرش البيت الأبيض لمرتين متتاليتين أيضاً بفضل الانتعاش الاقتصادي القوي آنذاك الذي جعل الناخب الأمريكي ينسى تماماً انجازات الجمهوريين السياسية والعسكرية بزعامة بوش الأب ويبحث عن من يوفر له فرص العمل ويحسن من دخله وهو ما بات يحفز الناخب الأوروبي والأمريكي عموماً للترجيح بين المتنافسين لحظة وصول السباق الى قرب مراحله الأخيرة، وهو ما تحقق فعلاً في بريطانيا رغم أن استطلاعات الرأي قبيل تلك الانتخابات كانت ترى أن اللعنة العراقية ستقول كلمتها وتقصي العمال وتحمل المحافظين الى مجلس العموم الذين ظلوا بعيدين عنه منذ عام 1997م ولكن ها هو الرغيف العمالي المتوفربكثرة يقود معركة الحسم في الوقت الحاسم ليضطر رئيس حزب المحافظين مايكل هاوارد الى التنحي عن زعامة حزبه أمام أضواء فلاشات الاقتصاد العمالي القوية.

abalkheiL@alriyadh.com

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة