الرئيسية > مقالات اليوم

الشعوب وقادتها وحكم التاريخ


د. فوزي الأسمر

تحتفل فيتنام هذه الأيام بمرور ثلاثين عاماً على انتصارها العسكري ضد الولايات المتحدة. وقد لفت انتباهي مقارنة بين احتفالات فيتنام، وبين احتفالات الولايات المتحدة بهذه المناسبة.

ففي الوقت الذي قدمت فيه فيتنام أكثر من ثلاثة ملايين قتيل، وملايين الجرحى والمعاقين، وحُرقت أراضيها الزراعية بواسطة القنابل الأمريكية الحارقة، نرى أن الشعب الفيتنامي يخرج بملايينه للاحتفال بذكرى هذا الانتصار الكبير، والذي أصبح عبرة في تاريخ الإنسانية المعاصر.

ويستحق الملايين الذين قتلوا دفاعاً عن وطنهم وعن ذويهم كل التكريم والإجلال. ويستطيع المعاقون الفيتناميون الذين يسيروا على كراسيهم المتحركة، أو العكازات، أو بواسطة كلاب النظر، أن يسيروا وهم مرفوعو الهامة والرأس، لأنهم قدموا لبلادهم وعائلاتهم والأجيال القادمة، الحرية والكرامة.

ولكن ذكرى هذه المناسبة في الولايات المتحدة، كانت الذهاب إلى النصب التذكاري لحرب فيتنام، والذي يحمل 58 ألف اسم عليه، وهو عدد الذين قتلوا في تلك الحرب. وتقدم الزائرون جحافل الجرحى والمعاقين على كراسيهم المتحركة، وارتفعت أصوات نحيب العائلات التي فقدت أحباءها. ولا بُدّ أن الكثيرين منهم تساءلوا عن الأسباب التي زجت الولايات المتحدة نفسها بمثل هذه الحرب، وهل كانت الحكومة الأمريكية حكيمة في الدخول بحرب لم يقتنع بضرورتها أغلبية الشعب الأمريكي، والذي لا زال يتساءل عن الذي جنته أمريكا من هذه الحرب بالإضافة إلى حصاد أرواح عشرات الآلاف، وجرح مئات الآلاف، ودفع الآلاف إلى الإدمان على المخدرات والخمور، وقيام المئات من الذين خدموا في تلك الحرب بالانتحار، كل ذلك بدون أن تشكل فيتنام خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة. لقد كانت هذه الذكرى: بكاءً وعويلاً في أمريكا، وفرحا وسرورا في فيتنام.

وهذا الأمر يعيد إلى الأذهان تاريخ قادة الشعوب، وكيف حكم التاريخ عليهم. فكل قائد قاد شعبه إلى الحرية والتخلص من الاستعباد والاستعمار، سجله التاريخ في صفحة بيضاء. جورج واشنطن على سبيل المثال، قاد شعبه في حرب ضارية وحصل على استقلال بلاده من البريطانيين. وجمال عبدالناصر خاض غمار حرب ضارية في السويس، وخرج منها الشعب المصري وخرج منها الشعب المصري منتصراً وطرد الانجليز والفرنسيين من مصر. وطبعاً هناك هوشي منه وقائد الجيش الفيتنامي نغوين جياب، واللذان قادا شعب فيتنام إلى الانتصار الكبير ضد الولايات المتحدة.

هؤلاء القادة، وغيرهم من القادة الكبار في التاريخ، عملوا على ترسيخ حرية شعوبهم، ومحاولة تقديم الرفاهية والتقدم لهم، ليس على حساب شعوب أخرى. ولا أعتقد أي فرد شارك في حرب تحرير الولايات المتحدة، ومسيرة الحرية الهندية، وتحرير مصر وفيتنام، شعر بأنه يقاتل بدون هدف، أو لأغراض توسعية أو سرقة خيرات الشعوب الأخرى. بمعنى آخر فإن حكمة القادة هي التي توضع في الميزان، وهي التي تقود الشعوب إلى الانتصار الدائم. ولهذا دخل مثل هؤلاء القادة التاريخ من بابه الواسع.

ويتساءل الإنسان: هل انتهى عصر الصراخ والحماقة في أمريكا وفي بريطانيا وغيرها من الدول التي تطمع في السيطرة على الشعوب الأخرى؟ لا أعتقد ذلك.

عندما شنت الولايات المتحدة، مع عدد كبير من الدول حرباً في عام 1991 على العراق، وجد الرأي العام العالمي مبرراً لتلك الحرب، معتبراً أن دولة قامت باحتلال دولة عضوة في الأمم المتحدة، وضمتها إليها، وجعلتها ولاية من ولاياتها، ولهذا كان لا بُدّ لها من التحرك.

أما العدوان الذي قامت به أمريكا وبريطانيا ضد العراق في عام 2003، فقد عارضه العالم كله، ولكن ذلك لم يثن قادة أمريكا وبريطانيا عن السير قدماً في مخططاتهم، واحتلال العراق، والقيام بمجازر سيكشف عنها التاريخ فيما بعد، وستظهر أنها واحدة من أفظع المجازر التي وقعت في تاريخ الإنسانية.

هنا تظهر بوضوح تحركات القيادة غير الحكيمة، والتي قادت شعوبها إلى خارج التاريخ الإنساني. وعندما يتساءل الأمريكي لماذا دخلنا هذه الحرب أو لماذا قمنا بهذا العدوان، سيأتي الجواب أنه جاء لمصلحة الإنسان الأمريكي، عن طريق السيطرة على مقدرات بلد غني بالنفط، الشيء الذي اعتقد قادة العدوان، أنه سيمنحهم القوة والسيطرة على العالم بأجمعه.

فماذا سيحكم التاريخ على جورج بوش وتوني بلير؟ هل سيقفان في مصاف جورج واشنطن أو مهاتما غاندي أو جمال عبدالناصر أو هوشي منه؟ لا أعتقد ذلك.

جورج بوش وتوني بلير، أو من سيخلفهما، سيقيمان نصباً تذكارياً لقتلى حرب العراق، وحرب أفغانستان. وسيسمعان نواح الأرامل، وبكاء اليتامى، وصراخ المعاقين والمشوهين، ويشاهدان الذين أدمنوا على المخدرات والخمور، دون أن يأتيا بجواب مقنع: لماذا دخلنا هذه الحرب؟

لقد برهنت الأحداث أن كل المبررات التي أتى بها بوش وتبعه بها بلير، لم تكن صحيحة، وفي مقدمة ذلك وجود «أسلحة القتل الجماعي والدمار الشامل» بأيدي نظام صدام حسين في العراق، كما تبين أنهما كذبا على شعبيهما لكي يحققا حلماً راودهما.

إلا أن الأمور لم تسر حسب ما خططا له. فالمقاومة العراقية والأفغانية، أبقت جورج بوش وتوني بلير خارج عتبة التاريخ الإنساني الإيجابي. وكما هو معروف فإن التاريخ لا يرحم.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    ويتساءل الإنسان: هل انتهى عصر الصراخ والحماقة في أمريكا وفي بريطانيا وغيرها من الدول التي تطمع في السيطرة على الشعوب الأخرى؟ لا أعتقد ذلك

    محمد البياني - زائر

    07:26 صباحاً 2005/05/08



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة