عندما كنت اقضي عاماً ونصف العام في معهد الطب النفسي بلندن، وكان معهد الطب النفسي في لندن ملتقى لجميع الاطباء والاختصاصين النفسيين وجميع العاملين في حقل الطب النفسي من جميع انحاء العالم، وكانت الحوارات دائماً تدور عن كل بلد، خاصة في المناقشات العامة التي تدور في كافتيريا المعهد او في منزل احد الزملاء من دول عديدة، لقد كانت المجموعة التي اعمل معها تضم اطباء من اليابان، الولايات المتحدة الامريكية، سويسرا، الدانمارك، اسبانيا، الارجنتين، اسرائيل، فنلندا.
وكانت معظم الدول التي ينتمي لها هؤلاء لا تقر عقوبة الاعدام بما في ذلك طبعاً المملكة المتحدة (بريطانيا). وكانت الاحاديث كثيراً ما تدور حول حقوق الانسان، ويأتي دور عقوبة الاعدام، وكان دائماً يوجه لي السؤال لماذا حكومتكم تعدم المذنبين؟ فكان جوابي دائماً بأن القضية ليست بهذه البساطة، وأن حقوق الانسان لا تعني رفع عقوبة الاعدام، فلكل دولة، ولكل مجتمع خصوصياته التي تفرض القوانين التي تتناسب مع هذا المجتمع.. اما بالنسبة لحكم الاعدام فهذا شيء شرعي، ورد في دستوربلدي الذي هو القرآن الكريم، وحسب علمي ايضاً فإنه ورد في الانجيل والتوراة بأن القاتل يقتل. المشكلة ان الزميل الامريكي من مؤيدي الغاء عقوبة الاعدام في الولايات المتحدة، وانه ينتقد قيام الولايات المتحدة بإعدام المذنبين الذين يحكم عليهم بالاعدام، وانه يطالب مع مجموعات يعملون بشكل منظم لمحاولة جعل عقوبة الاعدام تخرج من القانون الامريكي، ويصبح نصاً فيدرالياً لابطال عقوبة الاعدام، لأنه حسب قوله، لا يمكن لبشر ان يحكم بالقتل على بشر مثله بأخذ روحه، لأن الذي وهب الحياة هو الله، ويجب ان لا يكون هذا الحق الا لله..!!.
هذا الموضوع كان دائماً يدور في اروقة المعهد حينما نجتمع، ودائماً كان يشار الي لتبرير هذه العقوبة، ويطلبون رأيي كطبيب نفسي في هذا العمل الذي هو - حسب رأيهم - يتعارض مع حقوق الانسان. كنت اشرح وأعيد دوماً بأن هذا امر غير قابل للنقاش، فهو نص قرآني، ومن صلب الحدود الاسلامية التي لا يمكن ان تلغى، فتساءلوا هل مازلتم تقطعون يدي السارق وترجمون الزاني؟ فكنت اقول بأني لست عالماً بالشريعة ولكن حسب علمي بأن الحدود تطبق كما هو منصوص عليها في القرآن والسنة..!! كان هناك صعوبة بالغة في ايصال المعلومات الخاصة بهذا الشأن.. ليس لأن هناك عدم فهم منهم، ولكنهم لديهم افكار مسبقة عن هذه العقوبات، وكذلك احكام مسبقة عن هذه العقوبات، فهم يناقشون ولكنهم في داخل نفوسهم الحكم مضمر والمبررات موجودة، بأن هذا العمل لا انساني وانه يتنافى مع حقوق الانسان..!!.
حاولت شرح الظروف التاريخية للجزيرة العربية، وقضية الثأر التي تكاد احياناً ان تفني عائلات، لو لم يطبق هذا الحد وهو الاعدام، بل انه في بعض الدول، وفي مناطق معينة من تلك الدول، مثل صعيد مصر، يرفض اهل المقتول الشكوى للحكومة للتبليغ عن مقتل احد ابنائها، وانما لابد ان تقتص بنفسها الثأر من العائلة الأخرى، وان ذلك ليس بالضرورة ان يكون قتل القاتل بل ربما تم اختيار شخص آخر من عائلة قبيلة القاتل، ربما يكون افضل شخص في تلك القبيلة او العائلة، فبدلاً من قتل القاتل، تقوم القبيلة او العائلة بقتل شخص ليس له اي ذنب سوى انه ينتمي للعائلة التي قتل منها فرد، قد يكون مريضاً نفسياً او مدمن مخدرات او شخص مجرم، ولكن الانتقام يكون من شخص ذي قيمة، وبالتالي تتوالى عمليات الرد بين القبيلتين او العائلتين.. ويصبح قانون الغابة هو السائد، فأي شخص من القبيلتين هو مهدور الدم بالنسبة للقبيلة الأخرى. بينما لو كان هناك قانون يفرض الاعدام فقط للقاتل فإن هذا سوف يحل كثيراً من المشاكل التي تقوم بين العائلات او القبائل.
رغم كل هذا الشرح ومحاولة توصيل كيف ان قانون الاعدام ليس امراً سهلاً، وان تنفيذ حكم الاعدام يمر بمراحل صعبة حتى يتم ضمان صحة القانون وتطبيقه، وانه لابد من مصادقة اعلى سلطة في الحكم وهذا يتطلب وقتاً ومراجعة من لجان متعددة حتى يتم التأكد من صحة الاجراءات القانونية، واذا كان ثمة حل دون تنفيذ حكم الاعدام، فإن المسؤولين لن يدخرون جهداً لحل هذه الامر دون اللجؤ الى حكم الاعدام.
ان حكم الاعدام حق قاسٍ، ولكن هل هو عملية بسيطة ان يعدم شخص؟؟ الواقع ان من يتم اعدامهم في كل دول العالم اشخاص يستحقون الاعدام للجرائم التي ارتكبوها..!!.
ولا اعلم لماذا المملكة مستهدفة في هذا الموضوع؟ ففي كل تقرير لحقوق الانسان يتم طرح هذا الموضوع وعدد المجرمين الذين تم اعدامهم، ومطالبة المملكة بالغاء حكم الاعدام لأنه لا يتفق مع حقوق الانسان..؟؟.
يجب ان يعرف الجميع بأن الاعدام عقوبة يجب ان تستمر ما دام هناك من يرتكب جرائم يستحق عليها الاعدام، وفي كثير من دول العالم يطبق الاعدام ولكن لا اعلم لماذا التركيز على المملكة في هذا الموضوع.. وللأسف هناك من يؤيد هذه التقارير لمنظمة حقوق الانسان في هذه النقطة بالذات من الاخوة المسلمين في بلدان عربية واسلامية.. اننا لا يهمنا رضا منظمة حقوق الانسان اذا كان هذا لا يرضيهم، ولكن هذا الحكم هو حكم الهي يجب ان يستمر لمصلحة المجتمع وتطبيق شرع الله وليرضى من يرضى ويغضب من يغضب..!.