الرئيسية > مقالات اليوم

الطائفية هدف أمريكي - إسرائيلي


بقلم: د. فوزي الأسمر

بعد أن فشل المخطط الصهيوني الذي أعدته هذه المنظمة في نهاية الثلاثينيات، بهدف إقامة تحالف سموه «تحالف الأقليات في الشرق الأوسط»، بدأ التفكير في مخطط جديد يدعو إلى محاولة إيصال حكومات على أساس طائفي إلى سُدة الحكم في الدول العربية.

وفكرة «تحالف الأقليات» جاءت في حينه، كجزء من الاستراتيجية الصهيونية بالنسبة للمنطقة، أي إقامة تحالف بين الأقليات الدينية والإثنية والقومية، لمواجهة ما سموه بـ «الأغلبية السنية المسيطرة على منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي» بهدف دحر هذه الأغلبية، والسيطرة على السلطة.

ولكن هذه الفكرة فشلت بعد حرب 1982 في لبنان، عندما تأكد مناحيم بيغن، رئيس وزراء إسرائيل في حينه، أنه سيكون من الصعب تحقيق هذا الحلم الصهيوني، كون أن لكل أقلية طموحاتها الخاصة.

والواقع أن الهدف الأساسي من وراء هذا التفكير كان محاربة أية فكرة تدعو إلى انتعاش فكرة القومية العربية، وأية محاولة لتوحيد الأمة على أساس قومي.. بمعنى أن يحل الشعور الطائفي محل الشعور القومي مما يسهل على الصهيونية السيطرة على المنطقة.. وفشل هذا المخطط.

كما فشلت إسرائيل في تمييع الحس القومي لدى عرب 1948م، بل العكس كان صحيحاً، حيث كلما تمادت إسرائيل في «تحقير»، ومحاولة فتفتة عناصر القومية العربية، زاد العرب تحت حكمها، تمسكاً بالقومية، فظهر الشعراء والكتاب والسياسيون والحركات القومية العربية، وفي مقدمتها حركة «الأرض»، والتي انبثق عنها، بعد إخراجها خارج القانون، بناء على قرار من محكمة العدل العليا الإسرائيلية، عدد من الحركات و المنظمات التي تبنت الخط القومي العربي، واستمرت في النضال.

وكانت فكرة إقامة وحدة للأقليات فكرة ذكية، إلى حد ما، من جانب الصهاينة، فقد استطاعوا إقامة كيان ديني، ومزج الدين بالقومية، بمعنى ان اليهودية هي دين وقومية، وطائفة أيضاً، الشيء الذي ستجد فيه الطوائف الأخرى صعوبة في تنفيذه.. فمثلاً كان من الصعب إقامة قومية قبطية أو شيعية أو علوية وغيرها، وفشلت إسرائيل في إقامة قومية درزية عند الدروز الموجودين في إسرائيل رغم المحاولات والممارسات المستمرة.

وعادت فكرة الأقليات إلى حيز الوجود، عندما استطاعت إسرائيل والصهيونية دمج هذه الفكرة في فكرة إقامة «الشرق الأوسط الكبير» التي اقترحتها الولايات المتحدة، بهدف إعادة تشكيل خارطة المنطقة لتخدم مصالحها ومصالح إسرائيل.. وكان واضحاً أن تطبيق هذا العمل لن ينجح بدون اختزال، أو إضعاف البُعد القومي العربي من المعادلة.

وقد برهنت التجارب الاستعمارية، خصوصاً في القرن العشرين، في الوطن العربي، أن هدفها الأول كان نصب العداء للقومية العربية، وبالتالي للانتماء القومي، وهذا معناه، كي تنجح هذه الفكرة، محاولة القضاء على مقومات وجود وعناصر القومية العربية، معتقدين أن ذلك سيؤدي إلى انقسامات عرقية تؤدي إلى تكريس التبعية كما يحدث الآن في العراق.

وكان واضحاً أيضاً، انه لن يكون من السهل على الأقليات غير القومية، والأقليات القومية لن تقبل التنازل عن قوميتها مقابل انتماء ديني أو مذهبي.. ومن هنا جاءت فكرة الانتماء الطائفي بدون التنازل عن الانتماء القومي.. بمعنى تقسيم الشعب الواحد إلى طوائف، كما هي الحال في لبنان والعراق اليوم، وتغذية هذا التقسيم لدرجة خوض غمار انتخابات على هذا الأساس.

ففي العراق على سبيل المثال، ركزت وسائل الإعلام الأمريكية والصهيونية، على أن معظم أفراد الطائفة الشيعية شاركوا في الانتخابات التي فرضتها قوات الاحتلال، وامتنع معظم أفراد الطائفة السنية عن التصويت، ومن ثم صوت معظم الأكراد ومعظمهم سنيون، ولم يعد للبعد القومي أي وجود في هذه المعمعة، وكل من نادى بالخط القومي، اعتبرته قوات الاحتلال، وبعض أبناء الطوائف الأخرى، وطبعاً الصهيونية، عنصراً هداماً.

ولكل طائفة مصالحها الخاصة، فهي تريد أن تتبوأ الحكم والسيطرة على مجريات الأحداث.. وقد كان هذا هو السبب الحقيقي وراء الصعوبات التي واجهتها العناصر التي فازت فيما يسمى بالانتخابات في العراق، في تعيين رئيس للبلاد، ورئيس للحكومة وتعبئة بقايا المناصب الحساسة في الدولة.

والواقع ان محاولة إقامة حكومات، في منطقة الشرق الأوسط، على أساس طائفي، ستزيد الأمر تعقيداً، وعدم الاستقرار الذي عاشه، وما زال، لبنان يؤكد ذلك.. فوحدة لبنان لن تتم إلا على أساس قومي عربي، بصفة لبنان دولة عربية.. ونفس المصير يواجه اليوم العراق أيضاً، وكل من يعتقد أنه يستطيع التنازل عن قوميته سيواجه صعوبات انتماء.

وقد بدأت تظهر بعض ردود الفعل لدى الإنسان العربي لهذا التمحور الاستعماري - الصهيوني.. ففي «المؤتمر القومي العربي» الذيي انعقد في الجزائر (من 6 - 9 نيسان/ ابريل 2005م) أثير موضوع الأقليات أكثر من مرة.. وكان من بين الحاضرين رجل دين مسيحي لبناني، والذي رفض كلياً اعتباره أقلية: «إنني عربي وأنتمي إلى القومية العربية والشعب العربي، وأرفض أن أكون أقلية».

وهذا الكلام مهم .. الانتماء العربي هو الذي يوحد أبناء الأمة الواحدة.. فتقسيم الشعب الواحد إلى أقليات دينية ومذهبية، هو عنصر أساسي في الفكر الاستعماري والصهيوني.

فالعربي المسيحي والعربي اليهودي والعربي المسلم والعربي الدرزي، كلهم ينتمون إلى العروبة فإن حضارتهم ولغتهم وتقاليدهم وثقافتهم وآدابهم وتاريخهم، وجميع المقومات الأخرى التي تتكون منها العروبة هي واحدة.. ومع ذلك فإننا نرى نجاحاً للخطأ الاستعماري/ الصهيوني الشائع، وهو استعمال كلمة أقلية لشرائح من أبناء الشعب والأمة الواحدة، عند بعض المفكرين والكتاب من أبناء هذه الأمة.

إن نجاح الاستعمار، خصوصاً الأمريكي، في تكريس هذه التناقضات لدى أبناء الشعب الواحد، قد يؤدي إلى كارثة قومية، وإنسانية وحضارية.. والمطلوب الآن محاربتها بكل الوسائل، والعمل على تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسياسية، لتكون الأساس الذي تسند عليه الأمة في الدفاع عن قضايا مصيرية.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة