ولكن ورغم كل مواقف البابا الراحل فإن البابا الجديد مهما كانت توجهاته وقدراته فإن الظروف الراهنة لن توفر له دوراً كبيراً ولن يتكرر دور البابا الراحل لأن الظروف لن تتكرر.
لم يشكل انتخاب بابا جديد للكنيسة الكاثوليكية حادثاً مبهراً مثل غياب البابا الراحل الذي كان لطوفان الإعلام الفضائي دور كبير في إعطاء صورة مبهرة للبابا يوحنا بولس الثاني يوم وفاته ويوم تشييعه لأن الصحيح أيضاً أن قداسة البابا كان شخصية بارزة ومهمة ومن رجالات هذا العصر لأنه أسهم في أحداث الكثير من التحولات السياسية، ويمكن اعتباره الرجل الأول في تاريخ الكنيسة الذي تمكن من لعب أدوار سياسية بارزة، وهي أدوار مثيرة للجدل، وخاصة دوره في تبرئة اليهود من دم المسيح، وما قام به من تواصل مع الدولة العبرية وتبرير ذلك بأنه في إطار تواصله مع الجميع وكما يقول المفكر العربي السيد ولد أباه حقق نجاحات واسعة على المستوى الدولي إلا أنه لم ينجح في مشروعه لإصلاح المؤسسة الكاثوليكية وتحقيق مصالحتها مع المجتمع خصوصاً في أوروبا الغربية التي انخفضت فيها بتزايد نسبة الممارسة الشعائرية في الوقت الذي يتزايد نفوذ وتأثير الكنائس البروستانتية خصوصاً الكنيسة الإنجيلية، ولا ندري إذا كان البابا قد قصد إفساح المجال أمام الكنيسة الإنجيلية لتحقيق نجاحات اسثنائية، ولكن يمكن الإشارة إلى أن نجاحاتها في عهده كانت نجاحات لليمين المحافظ سياسياً في أمريكا والذي خلق تياراً متصهيناً نافذاً أصبح يمتلك الكلمة العليا في توجيه وتحريك السياسة الأمريكية.. وحسب «ولد أباه» فكان البابا أظهر انفتاحاً غير مسبوق في اتجاه الديانات والثقافات غير المسيحية إلا أنه لم يتمكن من قيادة حوار مسيحي - مسيحي ناجح فبقيت علاقته بالكنيسة الأرثوذكسية ضعيفة كما عارض كل الأصوات المجددة داخل اللاهوت المسيحي، وذهب إلى حد وصف الكنائس غير الكاثوليكية بكونها «مجموعات ضالة». وعلى الرغم من مواقفه السياسية التي بدت ثورية، إلا أن مواقفه الاجتماعية وسمت بالرجعية والماضوية من الحركات النسوية والشبابية الأوروبية، مثل تمسكه بقداسة الأسرة التقليدية، ورفضه الإجهاض والحد من النسل...
وبالرجوع إلى رسائله اللاهوتية العديدة التي تنم عن إطلاع واسع على الفلسفة الغربية قديمها وحديثها، يبدو من الجلي أن البابا الراحل وإن كان شاهداً قوياً على عصره، إلا أنه ظل في العمق وفياً للتقليد الكاثوليكي الوسيط رافضاً بشدة قيم التنوير الغربية الحديثة، والعلمانية اللادينية، ومنظومة حقوق الإنسان المتجردة من المرجعية الروحية، والليبرالية التعددية المنفلتة من الضوابط والقيود الأخلاقية.
ولا شك أن التحدي الأبرز الذي يواجه الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بعد رحيل يوحنا بولس الثاني، يتمثل في مدى القدرة على التجاوب مع التحول الفكري - المجتمعي العميق الذي شهدته المجتمعات الأوروبية في العقود الأخيرة، ويتعلق الأمر بتحد عصي، إذا ما استحضرنا انتقال المركز الكاثوليكي لأسباب ديمغرافية إلى الفضاء غير الأوروبي (أمريكا الجنوبية والفلبين)، وبداية انتقال المركز المسيحي نفسه إلى الكنيسة البروتستانتية في صيغتها الإنجيلية الصاعدة.
ولكن بغض النظر عن أوضاع الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا الراحل إلا أنه شخصياً ومن خلال الكنيسة لعب دوراً سياسياً في مرحلة مهمة، ولذلك يمكن القول ان العالم فقد رجلاً قوياً ومؤثراً ترك بصمته على مجريات الأحداث منذ توليه مقاليد البابوية في العام 1978م، وبوفاة البابا يوحنا بولس الثاني تنطوي صفحة مهمة في التاريخ الحديث حيث كان لغبطته بعض الأدوار والمتغيرات الكثيرة التي شهدها هذا العصر كما أشرنا.
وكما هو معروف فإنه مع وصوله إلى كرسي الباباوية طرأت تحولات سياسية عميقة ودراماتيكية حيث يبرز التوجه الأمريكي لتوظيف الدين بالسياسة عبر صيغ تلائم كل حالة، وذلك بحثاً عن عقيدة دينية تقف في وجه العقيدة الشيوعية من خلال تفجير عواطف باسم الإنسانية وحقوق الإنسان والديمقراطية والحريات العامة.
وابتداءً من العام 1978م بدأ توظيف الدين في السياسة بشكل مؤثر فكانت التعبئة في إيران ضد نظام الشاه الصديق لأمريكا ولكنه ضعيف ومكشوف ويفتقر للقاعدة الشعبية ولم يكن هنالك بد من سد إسلامي عقائدي لمواجهة التمدد الشيوعي، لكن الصورة في أفغانستان كانت أوضح فقد تبنت الولايات المتحدة الأمريكية بشكل صريح ومعلن الحركات والتنظيمات الإسلامية المتطرفة وحشدتها في أفغانستان لمواجهة السوفييت في هذا البلد الذي كان الاتحاد السوفييتي يعتبره خاصرته ومداه الحيوي.. ولم يعد سراً أن أمريكا دعمت كل حركات التطرف الإسلامي وأن العواصم الغربية فتحت أبوابها لكل قيادات المعارضة الإسلامية في نفس الوقت الذي كانت تدعم فيه الإسلام المعتدل عبر منظمة العالم الإسلامي.
وقد قصدنا الإشارة إلى تسييس النموذج الإسلامي لنذكر أيضاً بأن البابا يوحنا بولس الثاني قد أعطى للكنيسة الكاثوليكية منذ توليه الباباوية في العام 1978م دوراً سياسياً مؤثراً، فهو بحكم كونه بولندياً كانت له كلمة باسم الدين واحترام الكنيسة في الشارع البولندي، ولذلك قد يكون صحيحاً ما يستنتجه البعض من أن الكنيسة الكاثوليكية كان لها دور بارز في التغيير الذي أدى إلى انهيار المعسكر الاشتراكي، وقد تنبه السوفييت لذلك مبكراً فحاولوا اغتياله في بدايات عهده ولكن المحاولة فشلت وقصدوا أن تكون على يد مسلم تركي لاخفاء جريمتهم..
والبابا يوحنا بولس الثاني الذي زار أكثر من مائة بلد حول العالم بما فيها بلدان منطقتنا كان يبشر دوماً بخطاب سياسي في إطار إنساني وديني وكان لذلك تأثير في كل مكان، لكن المصلحة التاريخية مع اليهود وتبرئتهم من دم المسيح وزيارة القدس في ظل الاحتلال كانت أبرز انجازاته في الإطار السياسي قبل الإطار الديني بالرغم من أن زيارته للقدس تعتبر نقضاً للعهدة العمرية التي كتبت استجابة للبطريرك «صفرونيوس» بأن لا يكون لليهود مكان في القدس.
ومن المفيد التذكير بالتاريخ حيث قام اليهود بصلب المسيح والانتقام من انتصاره على قاعدة انكسار المسيحية واعتبار محاربته من صلب العقيدة اليهودية، وبالإضافة إلى ذلك فقد اغتنم اليهود فرصة الغزو الفارسي لبلاد الشام فهاجموا النصارى واثخنوا فيهم وكانوا يشترون من الفرس الأسرى النصارى ليذبحوهم فزاد العداء بينهم وبين النصارى فاشترط هؤلاء على الخليفة عمر بن الخطاب عدم سكن اليهود معهم كما ورد في تاريخ موجات الجنس العربي في بلاد الشام ص244 و325، أما نص العهدة العمرية فهو ما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
«هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل ايلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسيقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم، ولا يسكن بايلياء معهم أحد من اليهود.
وعلى أهل ايلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا الروم واللصوت (اللصوص)، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل ايلياء من الجزية. ومن أحب من أهل ايلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصُلُبهم حتى يبلغوا مأمنهم. ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل ايلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم.
وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.
شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبدالرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وكتبه سنة 15 هجري».
وكما هو واضح أن البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، كان وراء نقض الموقف المسيحي من جرائم اليهود ابتداء بصلب المسيح والجرائم التاريخية الأخرى ومنها انتقامهم البشع من المسيحيين في مناسبات كثيرة وعصور متوالية ومنها انتقامهم الذي دفع البطريرك «صفرونيوس» إلى اشتراط ترحيلهم من القدس وبناء موقف إسلامي مسيحي موحد لإبعادهم عن المدينة المقدسة..
ولكن ورغم كل مواقف البابا الراحل فإن البابا الجديد مهما كانت توجهاته وقدراته فإن الظروف الراهنة لن توفر له دوراً كبيراً ولن يتكرر دور البابا الراحل لأن الظروف لن تتكرر.