قال الخطيب شيشرون يوماً وبعد تأمل شديد إن مصلحة الناس أسمى قانون. تلك حقيقة دامغة فمصلحة الناس بالفعل أسمى قانون وإلا لماذا تُسنّ القوانين أليس بسبب تنظيم حياة البشر..؟ ونحن البشر مع الاسف الشديد أوّل من يُضيّق على غيرنا من بني جنسنا في سنّ قوانين ليست في مصلحتهم على الاطلاق، اذاً ماالحكاية ولماذا ننحى سلوكاً كهذا مع أن في دواخلنا رفضاً لكل تقييد غير سويّ لحريّة البشر؟ أصدقكم القول بأن الحيرة قد تلبّستني وأنا أُشاهد البعض من زملائي إبّان عملي في جهاز خدمي وهم يُحاولون الميل كُل الميل نحو التضييق على الناس أثناء اقتراح مواد أنظمة أو لوائح أو حتى تعليمات وقتيّة تحمي توجّهات الجهاز الرسمي في أدائه التنفيذي لضبط الخارجين على القانون دون الأخذ بالاعتبار واقع الحياة والناس حاضرهم وقادم أيامهم فيجهدون أفكارهم في اقتراح كل ماهو عسير على الناس سهل على أجهزتهم وكأنهم بذلك يسعون لرضا المسؤول على حساب المواطن البسيط، الغريب أن هؤلاء لم يُفكّروا باليوم الذي سيكونون فيه أنفسهم موضع مساءلة نفس القانون الذي تشددوا في نسج موادّه حين يُصبحون في عِداد عامّة الناس بدون مراتبهم ورُتبهم الزائلة وقت ترك الخدمة بالاختيار أو بقوّة النظام! نعم مصلحة الناس أسمى قانون بشرط أن لاتكون مصلحة نفعية تُحقق طموحات فريق على حساب فريق آخر ولا على أكثريّة لا تنظر للأقليات ولا على مناطقية بغيظة أو تجاهل فئات ليس لها صوت مسموع، أو عرق أو لون، مصلحة الناس تعني كل الناس بكل فئاتهم وطبقاتهم ومذاهبهم ومناطقهم وقربهم أو بعدهم عن مواقع وأماكن صُنّاع القرار، القانون يصنعه البشر ويعدّله البشر ويلغيه في نفس الوقت البشر، ويصبح القانون عديم الجدوى حين يُجيره البعض من البشر لصالحهم وصالح مواقفهم، ويؤلمني جداً حين يجتمع صُنّاع القانون لكي يُعدّلوا في موادّه لصالح توجهاتهم أومصالحهم أو بإيحاء من غيرهم.
لنسمع إذاً حِكمة أُخرى قالها رئيس وزراء بريطاني سابق لا أذكر اسمه قال (حين ينتهي القانون يبدأ الطغيان)!! لكن كيف ينتهي القانون..؟؟ هل بتجاوز الزمن نصوص بنوده أم حين يتجاوز البشر أنفسهم موادّه أو ينتهي حين يغيب العدل في تطبيقه..؟؟ إن كان في عدم العدل بتطبيق مواد القانون فكثّر منها حيث تُفرّق مواد (بعض) الأنظمة (قوانين وان اختلفت التسميات) مابين الناس حيث يُستثنى(اجتهاداً) من تنفيذ بعض مواد القانون أصحاب المناصب والجاه وحتى المعارف والأصدقاء، وهناك كما يعرف الجميع من يسحق القانون تحت أقدامه وهناك من يستهتر بالنظام لمعرفته بأن هناك من سيفزع له فيما لو وقع تحت طائلة المساءلة. قال لي طبيب في مشفى شهير لماذا لاتكتب عن سلبيات الواسطة قلت له وهل تجدي كتابة مقالة في تفتيت إرث متراكم أصبح في حكم العُرف والعُرف مصدر من مصادر القانون في المجتمعات النامية أو النائمة لافرق..؟؟
أسهل قرار شفهي قول (لا) وأسهل قانون كلمة (ممنوع) ولكن هل فكر ملياً صاحب القرار بنتاج تلك المفردات سهلة القول صعبة التنفيذ..؟؟ وهل من الحِكمة أن نُضيّق على الناس بالحجز والمنع..؟؟