هل جاءت العولمة لتقدم عملاً جديداً ينبني عليه فكر متطور بالعلاقات الدولية، لتصنف الحرب كأسوأ اختراع للبشرية، وأن الإنسان الذي ظل بدائياً متوحشاً، روّضته الحضارة، وانقلب إلى عقل متكامل بالسلوك، والوعي، وتحقيق ذاته بعمل مخالف، أي صناعة السلام، وتجاوز كل عقد الجغرافيا، والاثنيات، والأصول المتفوقة والدنيا؟.
هذا النمط من التفكير بدأ بأوروبا صالة الحضارة الحديثة، لكنه تعمّم على شعوب وقارات، بدأت ترسخ مفهوم العلاقات على نمط مختلف، أي أن محور القوة، إذا كان حكراً على الغرب، فإنه الهدية الكبرى للشرق للقرون القادمة، وربما ما بعدها..
في الأيام الماضية، وقياساً على منطق التاريخ، وإعادته إلى مساره الطبيعي شهدت روسيا، وألمانيا توقيع اتفاقات تقنية، واستراتيجية، بمفهوم خطط المستقبل البعيد، ودون ابتعاد عن محيطهما الجغرافي، أي ألمانيا الأوروبية والقائدة، وروسيا الخارجة من مستنقع الأزمات، والماضي السوفياتي، وهو ما أدى إلى قناعة بأن البلدين لديهما من التقارب بالمصالح ما يتعدى منطق الماضي، إلى تأسيس تكامل اقتصادي يطرح أبعاد المستقبل، كأحد أهم الانتقالات البشرية، من العداوات إلى الوحدة الموضوعية في تشكيل مبنى جديد، لقوتين متكاملتين، بدلاً من عنوانين لافتراق تاريخي منقطع..
كذلك الأمر بين قوتي آسيا العظميين، الهند، والصين، ولأن الأولى أكبر تجمع ديموقراطي في العالم، وفق نسق خاص، وتجربة فريدة، فإن التطلع إلى بناء عالم جديد يسد الفراغ القديم بتكريس القوة بيد الغرب، الذي فجر نزاعات الأمم والشعوب من أجل سيادته على العالم، أعطى للبلدين الآسيويين الكبيرين قناعة بأن الحروب اختراع الأذكياء على الأغبياء، وبذلك جاء الاتفاق المفتوح بين البلدين من ترسيم الحدود التي ظلت مركز التوتر، إلى التعاون التقني، والاقتصادي، بما يوحي أن نمواً كبيراً بالوعي، وبالبحث عن مركز متقدم في النادي العالمي، وضع التعاون الصيني الهندي مركز القوة القادمة، وربما يقلب مفردة التاريخ إلى حدث جديد بعالم مختلف..
مربّع القوة بين ألمانيا، وروسيا، والهند، والصين سيخلق نمطاً لاتجاهات السياسة العالمية، أي أن مواقع القوى سوف تتغير، وأن ما لم تحققه الحروب وسباق التسلح، واعتبار العالم (سوبر ماركت) أمريكياً سيُخضع العلاقات الدولية إلى عولمة بمواصفات تختلف عن مخططيها، وراسمي استراتيجيتها، وهو انقلاب ربما يكون لصالح كل الشعوب، أو أنه تدويل آخر لصراع قد لا تخفيه دبلوماسية الابتسامة الصفراء..