يدل قرار مجلس الأمن 1593، الصادر ضد السودان، على تأكيد تسلط الولايات المتحدة الأمريكية، على منظمة الأمم المتحدة، لتخضع تحت مظلتها الأمم والشعوب في كل مكان بالأرض، لإرادة واشنطن الظالمة، بشرعية دولية زائفة، بعد أن تعلمت الدرس السياسي بخروجها إلى الحرب بالعراق بدون شرعية دولية، أوقعتها تحت مغبة انتقاد الرأي العام العالمي، الذي وصف مسلك أمريكا العسكري فوق المسرح الدولي، بالعدوان على الغير، وهو التعريف للإرهاب الوارد في نصوص اتفاقية فينا عام 1815م، مما حول محاربتها للإرهاب الذي أعلنته من بعد العدوان عليها في يوم 11 سبتمبر من عام 2001م، إلى ممارستها للإرهاب بمعايير أحكام القانون الدولي العام، وفقاً لما جاء على لسان فقهاء هذا القانون في مختلف الدول بما فيها الولايات المتحدة.
اللعبة التي لجأت إليها واشنطن في داخل مجلس الأمن لاصدار القرار 1593 بدأت بجعل هذا القرار يأتي من مشروع تقدمت به فرنسا، لتكفر عن وقوفها ضد أمريكا، الذي زلزل مصالحها الاقتصادية في السوق الأمريكية، وكلفها ذلك خسائر فادحة تصل إلى آلاف الملايين من الدولارات، وصاحب ذلك هجوم أمريكي على كل منتجات فرنسا، التي سارعت إلى التراجع عن مواقفها العدائية لأمريكا لترفع عن نفسها الخسائر الكبيرة التي لم تطق احتمالها، وأصبحت باريس من التابعين لواشنطن دون أن تعبأ بموجات السخط الشعبي الفرنسي على قصر الاليزيه الذي فضل مصالح فرنسا الاقتصادية على أدوارها السياسية المستقلة، فقدمت فرنسا مشروع القرار إلى مجلس الأمن نيابة عن أمريكا، بعد أن أصبح قصر الاليزيه في باريس يدور في فلك البيت الأبيض في واشنطن، بكل ما يترتب على ذلك من تبعة فرنسا للنفوذ الأمريكي فوق المسرح الدولي اكتمال قواعد اللعبة السياسية في داخل مجلس الأمن جعل أمريكا تلجأ إلى الامتناع عن التصويت على القرار 1593، الذي أعدته أمريكا، وطبخه «الشيف» الفرنسي، لتظهر واشنطن أمام الرأي العام العالمي بالحياد المصطنع ليتخذ قرار مجلس الأمن 1593 مساراً دولياً يخضع السودان وحده إلى المثول أمام العدالة الدولية في لاهاي ليحاكم على جرائم الحرب التي لفقت عليه في دارفور.
شاركت أمريكا في الامتناع عن التصويت على قرار مجلس الأمن 1593، الصين التي وعدت السودان باستخدام حق الاعتراض «الفيتو» في داخل مجلس الأمن على كل مشروع قرار يدين السودان بجريمة الحرب في دارفور، ولكنها نكثت بوعدها بسبب مطالبتها بضم الصين الوطنية «تايوان» إلى الصين الشعبية، فلجأت إلى مساومة أمريكا عن طريق مقايضة عقوبة السودان على جريمة الحرب في دارفور مقابل تأييد أمريكا لضم تايوان إلى الصين الشعبية، واستخدمت بكين الامتناع عن التصويت على القرار لتحفظ ماء وجهها أمام السودان بمعارضة القرار عن طريق الامتناع عن التصويت عليه، دون أن تستخدم حق الفيتو الذي يلغي مشروع القرار الذي تقدمت به فرنسا إلى مجلس الأمن، وهذا الموقف الصيني فيه استهجان بالعقل السوداني، بل بعقل الرأي العام العالمي وقوبل ذلك باستهزاء أهل الأرض، بموقف الصين في داخل مجلس الأمن.
تصويت روسيا مع قرار مجلس الأمن 1593، جاء متناقضاَ مع اعلان موسكو عدة مرات منذ نشوء قضية دارفور باستخدام الفيتو ضد كل مشروع قرار مقدم إلى مجلس الأمن يدين السودان بجريمة الحرب في دارفور، ويرجع هذا التناقض في الموقف الروسي بين ما أعلنت وبين ما سلكت في داخل مجلس الأمن مستنداً إلى اتفاق موسكو مع واشنطن على أن تحصل روسيا مقابل تصويتها مع مشروع القرار الفرنسي، على اخفاء جرائم الحرب التي ترتكبها موسكو في الشيشان وأكد هذا الاتفاق الأمريكي الروسي، تراجع واشنطن عن المطالبة بمثول موسكو أمام محكمة الجزاءات الدولية تحت مظلة محكمة العدل الدولية في لاهاي، وضاعت بذلك معالم جريمة الحرب، التي ارتكبها ويواصلون ارتكابها عسكر روسيا في الشيشان.
تصويت بريطانيا مع مشروع القرار الفرنسي في مجلس الأمن يؤكد بأن الحكومة في لندن ذنباً لواشنطن، وهذه الحقيقة عبّر عنها الشعب البريطاني بتسمية رئيس الوزارة توني بلير، بالسفير فوق العادة لأمريكا في بلاط صاحبة الجلالة الملكة اليزابيث الثانية لتفانيه في خدمة المصالح الأمريكية أكثر من مراعاة المصالح البريطانية.
امتناع البرازيل عن التصويت على مشروع القرار الفرنسي المقدم إلى مجلس الأمن حكمه التحرك الدولي صوب انعقاد قمة تجمع بين الدول العربية وبين دول أمريكا اللاتينية فوق أرض البرازيل، المقرر انعقادها في شهر مايو القادم من عامنا الحالي 2005م، مما يجعل امتناع البرازيل عن التصويت يستهدف انعقاد القمة في موعدها، وفوق الأرض المختارة البرازيل، التي تهتم اهتماماً بالغاً باستضافة أول قمة عربية لاتينية في أراضيها.
امتناع الجزائر عن التصويت بدلاِ من معارضة مشروع القرار الفرنسي في داخل مجلس الأمن الموجه ضد السودان، يضر بالروابط المصلحية بين أمريكا والجزائر، التي أرادت أن تمسك «العصا من النصف» بالامتناع عن التصويت لارضاء أمريكا حفاظاً على مصالحها معها، ولا تغضب السودان بالموافقة على معاقبته، ولكنها لم ترض أمريكا بالامتناع عن التصويت وأغضبت السودان بعدم معارضة مشروع القرار الفرنسي في داخل مجلس الأمن الذي يطالب بإنزال العقوبة على دولة عربية وعلق الشعب السوداني على موقف الجزائر «السكوت علامة الرضا».
صدور قرار مجلس الأمن 1593، أثار زوابع شعبية في كل أرجاء الدنيا، التي أخذت تعلن بأن الأمم المتحدة، تحولت من منظمة لحفظ السلام العالمي، إلى أداة قمع في يد أمريكا ترعب بها دول العالم، وأصبح سكرتيرها العام كوفي عنان بوقاً أمريكياً يزعج الدنيا بترديد آراء واشنطن الفاسدة، وما يرتبط بها من إرادة باطلة تريد فرضها على أهل الأرض رغم أنفهم، تعاقب من تشاء على جريمة حرب ملفقة، وتدافع عن من تشاء من مرتكبي جرائم الحرب الثابتة عليهم، وتضع نفسها فوق القانون بمنع محاكمة الأمريكيين على جرائم الحرب التي ارتكبوها في كل مكان بالأرض، فانطبق على قرار مجلس الأمن 1593، المثل الشعبي العربي الشائع «الدبرة في الحصان جيبوا الحمار نكويه» أثارت إدانة مجلس الأمن بقراره رجالاً من السودان بجريمة الحرب في دارفور بدون دليل، غضب الشعب السوداني الذي عبّر عنه بالمظاهرات التي اجتاحت الخرطوم وغيرها من المدن السودانية بكل ألوان الطيف السياسي، في الشمال والجنوب، وفي الشرق والغرب، وشارك في هذه المظاهرات رجال ونساء من اقليم دارفور الذين أعلنوا بأن العدوان عليهم جاء بتحريض من أمريكا، ومساهمة من إسرائيل التي قدمت السلاح والدعم بالمال لرجال جاءوا من خارج بر السودان للعدوان على اقليم دارفور، لتحقيق هدفين أولهما سرقة أمريكا اليورانيوم الوفير في دارفور، وثانيهما تقسيم السودان ليكون بداية الطريق في تقزيم الدول العربية، لخدمة إسرائيل التي تعمل أمريكا على عملقتها تمهيداً لدورها في اقليم الشرق الأوسط الكبير.
إذا كانت هناك جريمة حرب في اقليم دارفور، فإن مجرمي الحرب التي ارتكبوها رجال من أمريكا ورجال من إسرائيل، وهذا يستدعي تقديمهم إلى محكمة الجزاءات الدولية التابعة لمحكمة العدل الدولية في لاهاي، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 1593 المطالب بمحاكمة مجرمي الحرب في دارفور، وإنزال العقوبة عليهم، وإدراك أمريكا لتورطها بجريمة الحرب في دارفور بالتخطيط لها جعلها توجه قرار مجلس الأمن 1593 لينص على محاكمة السودانيين فقط على جريمة حرب ملفقة ضدهم ولم يقوموا بها، واقسم الرئيس السوداني عمر البشير أمام الشعب الغاضب بعدم تقديم مواطن سوداني إلى محكمة الجزاءات الدولية في لاهاي المبنية على قرار مجلس الأمن 1593 الباطل الذي لفق جريمة الحرب في دارفور على مواطنين سودانيين بالباطل، والمنطق القانوني يؤكد على ان ما بني على الباطل فهو باطل.
النظرة المتأنية والموضوعية إلى قرار مجلس الأمن 1593 الذي يدين السودانيين بجريمة الحرب في دارفور ولا يدين أمريكا بها مما يجعل من النص بعدم تقديم أمريكا إلى محكمة الجزاءات الدولية يتضمن اعترافها بارتكاب جرائم حرب أخرى في كثير من المواقع في الأراض وتريد التهرب منها بعدم المحاكمة عليها بحجة ان واشنطن لم توقع في ايطاليا على قيام محكمة الجزاءات الدولية ونست أو تناست بأن الخرطوم هي الأخرى لم توقع في ايطاليا على قيام محكمة الجزاءات الدولية.
ان واشنطن بقرار مجلس الأمن 1593 تتهرب من جرائم الحرب الثابتة عليها بالأدلة القاطعة في سجن أبوغريب بالعراق وفي معتقل جواتينامو بكوبا وما خفي كان أعظم في سجونها المختلفة التي ارتكبت بها التعدي الجنسي على الرجال واغتصاب النساء والتعذيب الجسدي اللاإنساني والضرب المبرح المفضي إلى الموت الذي أنزل على الجنسين الذكر والأنثى ووصلت جريمة الحرب الأمريكية إلى ذروتها بصناعة الكوارث الطبيعية من خلال التجارب النووية التي فضحها التقرير الوثيقة للخبير العسكري الأمريكي جوفايلز وعدم معاقبة أمريكا على هذه الجرائم بقرار مجلس الأمن 1593 يجعل إنزال العقوبة على السودان البرئ جريمة وعدم معاقبة أمريكا المدانة جريمة أكبر ويحول الأمم المتحدة من منظمة سلام إلى منظمة عدوان.
1
و هكذا يكون الكتَاب (و لا فض فوك) و شكراً لك لأننا نتعلم من مقالاتكم و نتوَر بخبراتكم .
ابراهيم الغامدي - زائر
11:48 صباحاً 2005/04/14