
قليلون هم حقا..هؤلاء الذين يجتمع عليهم القول والرأي في هذا الزمان، هو واحد منهم، بل أنه يعتبر آخر سلالة عهد العباقرة، عهد الرجال الذين كرّسوا حياتهم من أجل البشرية، عهد عشاق الدين والبلاغة والأدب والتاريخ واللغة.. إنه الدكتور شوقي ضيف الذي يمكن أن نطلق عليه (آخر الرجال الموسوعيين)..
رحل ضيف عن عمر يناهز الخمسة وتسعين عاما، وعطاء مستمر لأضعاف أضعاف هذه السنوات، رحل طفل بحيرة المنزلة - إحدى قري دمياط - الذي تنسم رحيق الحياة في منازلها القديمة عام 1910، وحفظ القرآن كاملا في سن العاشرة رغم إصابة عينه التي كاد أن يفقدها بسبب خطأ طبيب بالقرية، لتبدأ ملامح العبقرية في الظهور على سلوكه والتحق بالمعهد الديني بدمياط لتبدأ رحلته مع اللغة والأدب من خلال أعمال عميد الأدب العربي طه حسين وأفكار عباس محمود العقاد وإبداعات محمد حسين هيكل، ليتخرج بعد ذلك من جامعة فؤاد الأول (القاهرة) عام 1935 بعد أن يكون قد تتلمذ على يد طه حسين وأصبح من أهم تلاميذه بل ويكمل مسيرته ليكون امتداده الطبيعي في مسيرة الأدب و اللغة.
د. شوقي ضيف ليس فقط مؤرخا موسوعيا إنما هو يتسم أهم صفات الإنسانية وهي الخلق العظيم وهذا ما أجمع عليه كل تلاميذه، ولعل الدكتور عبد المنعم تليمة الذي كان رفيق طريقه اليومي من المنزل إلي الجامعة أو العكس أكثر القادرين على الوصول إلي مفاتيح شخصية الدكتور الراحل شوقي ضيف، حيث يمتلك من الذكريات المشتركة الكثير، والمواقف الخاصة الأكثر.
وقد خص الدكتور عبد المنعم تليمة «الرياض» بنشر بعض من هذه المواقف حيث يقول: لدينا رواد وعباقرة ولدينا أيضا (مجتهدون) لكني أفتش منذ زمن عن كلمة (الشيخ) حتى وجدها مجسدة في شخصية الدكتور شوقي ضيف فهو بالفعل (الشيخ) بالمعنى الكلاسيكي حيث يجمع بين العلم والموروث ويجيد تربية تلاميذه.
ويتذكر الدكتور تليمة ابتسامة د. ضيف خلال رحلتهما اليومية من جامعة القاهرة إلي منطقة الروضة حيث يسكن أستاذه وحيث يبعد مسكنه هو مسافة ضئيلة وقتها ويقول: كان يضحك معي ويقول منذ أن عينت معيدا بقسم اللغة العربية بعد تخرجي عام 1935 لم أغب يوما عن المحاضرات إلا مرة واحدة ثم يضحك ويضيف خلال عبورنا كوبري الجامعة سيرا على الأقدام: عندما فوجئت بموجة رشح تجتاح أنفي، وسعال شديد وكابسة برد تقتحم جسدي، لتصدر زوجتي قرارا بعدم نزولي، ليكون هذا هو اليوم الوحيد الذي أغيب فيه عن محاضراتي.
ويستطرد د. تليمة في سرد الذكريات اليومية في هذا الطريق حيث يتوقف عند تفصيلة (كوب عصير القصب) بميدان الجيزة وهو الكوب الذي كان يحرص عليه د. ضيف يوميا وكان صاحب المحل يعرفه جيدا ويتحدث معه بالعربية الفصحى! كما كان يتحدث كثيرا عن علاقته بالدكتور طه حسين الذي تتلمذ على يديه ويتذكر يوما أن الأميرة شويكار عمة الملك فاروق أعلنت عن رغبتها في مساعدة الطلاب المتفوقين بالجامعة فرشح لها رسالة الدكتوراه التي أعدها شوقي ضيف وكانت في عنوان (الفن ومذاهبه في الشعر العربي) وطبعتها على نفقتها الخاصة.
يؤكد د. تليمة أن عطاء أستاذه من الصعب حصره في كلمات فقد تعددت عطاءاته بشكل مذهل: كتب تاريخ الأدب العربي في 10 أجزاء من العصر الجاهلي وحتى الآن، وحقق التراث الأندلسي والمصري، وكتب في النحو ثلاثة كتب تأسيسية تأصيلية أخرها (تجديد النحو العربي)..
وبين كل ذلك كتب في البلاغة والترجمة وأدب الرحلة والمقامة، هو الذي هدانا إلي أن البارودي رائد الشعر الحديث وأن شوقي شاعر العصر الحديث، وكتب كتابا منفردا عن العقاد وكتب عن الفكاهة في الأدب المصري، وأتذكر - على لسان د. تليمة - يوما عندما كنت أشغل منصب رئيس قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة ودخل على الشيخ الموسوعي د. ضيف حاملا بنفسه كتابه الضخم (الوجيز في تفسير القرآن الكريم) ويقول لي هذه النسخة إهداء للقسم..
رحم الله هذا العالم الجليل الذي حقق للغة والأدب والتاريخ ما يجعله حاضرا رغم غيبة الموت!