تترك معرفة بعض الكتاب شغفا خاصا بأدبهم ، تمر علينا كتب كثيرة، وأدباء كثر، ولكن قلة من كل ذلك تستأثر بالاهتمام والعناية، فرصيد القارئ من الكُتّاب والكتب كبير، لكنه لايتذكر إلا أقل القليل، وحينما يريد رسم مسار لرصيده تتوارى المعلومات والانطباعات،، ولكنها، بالنسبة للقلة الاستثنائية، تكون حاضرة وقابلة لأن تتجدد وتتطور. تعرفت على الطاهر بن جلون كقارئ منذ مطلع الثمانينيات، حينما قرأت روايته «حرودة» ثم روايته «محا المجنون.. محا الحكيم» ثم اطلعت على «ليلة القدر» ولما غادرت العراق في مطلع التسعينيات حملت معي روايته «صلاة الغائب» وآخر ماقرأت له منذ عامين روايته «تلك العتمة الباهرة» وفي كل أعماله ارتسمت صورة خاصة له في مخيلتي، صورة الروائي الشائك الذي يستبطن القضايا الحساسة، ويحفر في المناطق المجهولة، ويثير الأسئلة الصعبة، وهذا ماجعله كاتبا مرموقا؛ فالكاتب يشق مساره الخاص كلما تميز بموضوعاته وأسلوبه ورؤيته وقدرته على ابتكار المواقف والأحداث والشخصيات. ومن المتوقع أن توجه له تهم كثيرة لأنه كاتب مختلف عن النمط المعروف من الكتاب، وفي مقدمة التهم الموجهة إليه تهمة «الفرانكفونية». وبوصفي متخصصا في الدراسات السردية، فقد كنت على معرفة بطريقته الأدبية منذ نحو عشرين سنة، وأعرف أنه انغمر في إشكاليات عصره، وكتب كتابا مثيرا للجدل بعنوان «العنصرية كما فسرتها لابنتي» وهو مهتم بفكرة الحداثة القائمة على تفكيك العلاقات التقليدية.
استأثرت روايات الطاهر بن جلون باهتمام عالمي كبير، وترجمت إلى معظم اللغات الحية، وحظيت روايته «تلك العتمة الباهرة» بالاهتمام، وحازت على جائزة إيمباك «الأدبية الدولية في العام الماضي، وأشادت لجنة تحكيم الجائزة بالرواية بوصفها «تحفة فنية جددت الغرض الحقيقي من الأدب وهو مالا يفعله إلا كتاب يصدر من وقت لآخر، ورائعة أدبية مكتوبة ببساطة ملتهبة، وأناقة أسلوبية مجردة من الزخارف». «وكان نال جائزة غونكور «عام 1987 عن روايته» ليلة القدرة».
وقد تميز عالمه الروائي بأنه نبش عميق في العلاقات الاجتماعية الشائكة في المجتمع المغربي ففي رواية «صلاة الغائب» يروي ابن جلون جزءاً من سيرته الذاتية وهي أشبه بيوميات خاصة يبحث فيها عن هويته ويريد أن يعطي لجذوره معنى، فكل شخص يقدمه الكاتب يكافح في مجاله ويقول عن ظروف كتابة هذه الرواية «كتبت هذا الكتاب إبان اضطراب في مشاعري عشته يوماً بعد يوم من الضياع، وطاردت أبطالي وسافرت بنفسي معهم وعندما حانت لحظة فراقهم طاردوني في أحلامي ونومي، وحياني، لقد تسلطوا عليّ وكانت تلزمني بضعة أشهر كي اخلص نفسي منهم».
وفي ثنائية «طفل الرمل» و«ليلة القدر» تتبوأ الأسرة دور البطل، فنحن أمام ابن جلون بشكل آخر، ذلك الصبي الذي وجد نفسه في أسرة أنجبت عدداً كبيراً من الإناث ولم تنجب من الذكور سواه فاستحق كل الرعاية والاهتمام باعتباره الذكر الوحيد في المنزل، وقد قام الكاتب بتغيير هويته ليتخيل أحمد الطفل الذي جاء في أسرة لم تنجب سوى الإناث وأحمد هذا ليس سوى بنت لكن رب الأسرة أقسم على امرأته ذات يوم أن تلد ولداً، حتى لوكان بنتاً فسوف يكون ولداً، لذا فعندما ولدت الأم أنثى كان على الأب أن يعلن على الملأ أنه رزق بمولود ذكر بعد أن أعطاه الله سبع بنات، وتدور أحداث هذه الثنائية الروائية على لسان هذه الأنثى الذكر أو الأنثى التي عليها أن تتصرف كأنها ولد.. فهي عندما كبرت كرجل يحمل في جسده امرأة بدأت تدرك الحقيقة وراحت الكوابيس تنهشها ولم يكن أمامها سوى أن تسجل معاناتها يوماً بيوم.
أما روايته «تلك العتمة الباهرة» فتعالج بتقنية أدبية إحدى الصفحات الحالكة لواقع حقوق الإنسان في المغرب والمتمثلة في ظروف سجن ضباط مغاربة متهمين بالتورط في عملية انقلابية ضد العاهل الراحل الملك الحسن الثاني عام 1971م، وقد قضى هؤلاء الضباط زهاء 20 عاماً في سجن «تزمامارت» جنوبي شرقي المغرب في ظروف لا إنسانية ولم يتم الإفراج عنهم إلاتحت ضغوط دولية في حين كانت السلطات المغربية تنفي طيلة تلك المدة وجود معتقل بهذا الاسم فوق أراضيها. ويرى بعض الكتاب أن الرواية قوبلت بنوع من الفتور في المغرب خاصة من طرف الأوساط المهتمة بحقوق الإنسان التي أخذت على ابن جلون صمته لفترة طويلة على معاناة معتقلي تزمامارت رغم وزنه الدولي على الصعيدين الأدبي والإعلامي.
abdullah_ibrahem@yahoo.com