الرئيسية > ثقافة الخميس

لمحات

كتابة: غير.. وغير


سعد الحميدين

دائماً ما يكون المغاير للسائد مفتاً للنظر وجاذباً للآراء والأفكار التي تتكاثف عندما يبرز المغاير على الساحة.. لكون طبيعة الإنسان تواقة إلى التنقل من حال إلى حال دليلاً على حركة مؤدية إلى التطور ولو بشكل نسبي، ولكن فيه ما يدعو إلى تداول الآراء وتباينها.

- الأعمال الإبداعية هي أكثر قفزاً من غيرها على الحواجز وبخطوات بعيدة ميدانها الخيال ولو أنها مستمدة من جذر الواقع، فهي كثيراً ما تكون مستكنهة ومخترقة لآفاق بعيدة تحقق الكثير منها على بعد المسافة.. وتعبر عن ذلك الإنجازات الحياتية المكونة للتطور والمساندة له ليسير نحو أفق أرحب.

وقد تعددت أعمال المبدعين التي يقصد منتجوها المغايرة في طرحهم لما هو مطروح في الساحة وكان لهذه الأعمال الفكرية والإبداعية أصداؤها (= قبول/ رفض) ولكن بمرور الزمن أصبحت من المعالم البارزة في المحيط الفكري .. والأدلة كثيرة لا تحتاج إلى شرح، ولكن ذكر بعض الأسماء قد يدل عليها في الساحة العربية : الدكتور طه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس في القرن الماضي .. هذه الأسماء تؤكد مصداقية المغايرة ومدى تأثيرها في التحول نحو الاستلهام الحضاري المتنامي وقبول المتغير التصاعدي.

٭ غير.. وغير.. عنوان رواية لـ (هاجر المكي) تظهر مغايرتها للمطروح الروائي في الساحة المحلية/ العربية تكنيكاً وموضوعاً التقط من الهامش إلى المتن بإتقان فائق وذوق رفيع حساس يضع الكلمة.. أو الجملة في المكان المناسب حتى لو كانتا مستعارتين من الغير.. ومن الكتابة على الجدران.. والرسائل الهاتفية القصيرة.. وحروف لوحات السيارات.. وبعض مطالع الأغاني.. والمشاهدات العابرة..

- كل هذه المؤثرات كونت رواية شخصيتها المحورية محاضر في الجامعة.. فهو مع طلبته ومع زوجته.. وقريبه.. يتحمل أبعاد هذه الرواية.. الراوي ظاهر يفصِّل ويلبِّس الآخرين بمقاسات رائعة ودقيقة ، وتتناقل الأحداث بأسلوب ساخر جذاب يجسد الهزل الجاد.. والهزل الجاد هو ما يتوقعه صاحبه من الناس أن يصدقوه والتظاهر به على الأقل، فإن هذا لا يطاق إلا بعناد وجهد وقد قاد إلى الاهتمام بإحياء الأدب الشعبي لأن أحداثه تكون أقرب إلى المشاعية والتسيب والوصول إلى مساحات كبرى من المتلقين.

٭ رسالة قصيرة (مسج):

«كدا مو حلو

لا علينا تسألوا

ولا رسايل ترسلوا

طيب على الأقل رنه

وافصلوا.»

٭ كتابة على الجدار:

( الموداني مقلوب) كتابة بالدهان الأسود الغليظ تمتد بطول السور المقابل.

يجلس المعيد مراد الموداني (الشخصية الرئيسية في الرواية) في مكتبه ويشعر أنها موجهة له هو المعيد أستاذ النحو متأكد من أن الكتابة قد ظهرت مساء الأمس حين ختم آخر محاضراته في الخامسة مساء واجه الحائط رمادياً خاوياً لا يرغب في مواصلته بكلمة أو رأي خلافاً لنواياه الآن «تراقبني» توجه للحائظ بالاستخفاف.. هناك من يلاحقني ليحمسني في فكرة مشوشة، هذا ما يؤكده الحائط الآن.

هكذا بدأت الرواية. ومن بدايتها تبلور الشخصية المواجهة من وسواس، أو نتيجة تأجير علوي بفعل الرغبة الخاصة في الغياب عن الواقع. ففي حركاتها وتنقلاتها وتصرفاتها تبرز الأمثال والنكات. واسترجاع المشاهدات بتداخل عجيب.

قراءة عناوين الصحف.. لوحات المحلات.. الإعلانات (اشرب بيبسي كولا واربح مليون ريال) اشتر واحدة.. واربح أخرى مجاناً .. ويحضر المكان في عروس البحر متكرراً جدة.. غير.. بحر من البشر بحر من الماء من أمامكم وبحر البشر من خلفكم وليس لكم إلا الغرق..

- كما يحضر المطربون.. محمد عبده.. عبدالمجيد عبدالله.. طلال مداح.. فوزي محسون.. (زوجتي تطلب الطلاق) هذا المؤثر جعله يردد: «يا ملحوس جاك المنحوس الموسوس».

- واحد يمص رضاب مكحولة العين.

- وواحد يمص القطف ويحرق زقاره.

وكاريكاتور الهليل يحضر بين مساحات الأحداث كختم على تأكيد التأثير الملاصق: فتى العشة يقول:

- يا حبيبي مالك حق.. آخرتها يقلطني بالملحق

كلمات: اللستك ولحن فا.. كلور.. مسابح

- أغنية تنطلق: (هلا باللي لها الخافق يهللي) مستبشراً بعودة زوجته وهو في الطريق يراقب لوحات السيارات التي أمامه:

(ب ي ت)

(هـ ل ا)

(غ ل ا)

(أ ع ز)

ثم تنطلق الأغنية الثانية: (رضا والله راضيناك).

توظيف ولملمة المهمش جسدا عملاً مغايراً يحتاج إلى قراءات أخرى متأنية. وأخيراً: (غير.. وغير) رواية لـ (هاجر المكي) تحكي تأثير الهاتف النقال ودوره خاصة عبر الرسائل، وأيضاً دور الشعارات التي تملأ الحيطان في التعبير عن حياة مدينة. كما قال ناشر الرواية المركز الثقافي بيروت لبنان - الدار البيضاء المغرب (2005).

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة