الرئيسية > ثقافة الخميس

العجوز



د. عبدالله محمد الغذامي

ترد صورة العجوز في الثقافة على حال من التشويه والتقبيح، ليس جسدياً فحسب بل عقلياِ ونفسياً أيضاً، والإحالات الشعرية والقصصية كلها تركز على صورة لكائن بشري مشوه خال من الصلاحية ومسلوب العقل والذوق، وفي مقابل ذلك نجد قصصاً عديدة تشير إلى أدوار كبرى للعجائز، وهي قصص تتجلى فيها الحكمة والرأي القاطع، وأولها قصة زرقاء اليمامة ذات البصر والبصيرة، وهي حكاية عن امرأة كانت تدير قومها وتقرر مصيرهم الوجودي بواسطة عينها ذات النظرة النافذة، وحينما عصاها قومها وكذبوها وقعت عليهم الواقعة، وصارت نهايتهم، وفي تلك القصة عبرة ثقافية عميقة تتضمن عقاباً ثقافياً لقوم لم يصدقوا عجوزهم، وكم هي معبرة حكاية عبدالله بن الزبيز مع أمه الجليلة أسماء بنت أبي بكر، حينما دفعته إلى رد الضيم ومواجهة الجائرين يوم حصار الحجاج وجنده لمكة المكرمة، حيث بدأت علامات الشك تنتاب الابن وتساءل عن جدوى الحرب في معركة فاشلة، ولكن أمه دفعته إلى مواجهة مصيره بشرف وعزيمة، وقالت قولتها الشهيرة وهل يضر الشاة سلخها بعد الذبح، جواباً على تخوفه من العبث بجسده بعد موته، لقد كانت أسماء وهي الصحابية الجليلة مثالاً لنموذج بشري يتفوق على الظرف وعلى الخوف وفي لحظة تكتشف الأم أن ممات ابنها أعلى قيمة من حياته، وتنصحه بموت شريف خير له من حياة ذليلة. وفي هذه المواجهة بين الأم وابنها يبرز دور المرأة ويتكشف عن تفوق معنوي وعقلي يسمو فوق الصور النمطية للعجوز كما تقدمها الثقافة.

والواقع العملي لحياة الناس البسيطة والعادية يكشف باستمرار أن في حياة كل منا عجوزاً من نوع ما تكون مصدر حكمة ومخزن خبرة ومعلمة في البصيرة والتبصر وكثيراً ما يغفل الرجل عن هذه الحكيمة في بيته إلى أن تحتلك عليه الظروف والمشاكل ليجد كلمة تأتيه من عجوزه التي ظل غافلاً عنها، وفي لحظة تأتيه لتكون سنداً معنوياً ونفسياً له، تحدد له الوجهة وترسم له طريق الخلاص، وكان هذا ما حدث لابن الزبير حيث خرج من الحياة نظيفاً ومرفوع القيمة بدلاً من هزيمة وإذلال مؤكد على يد طاغية معتد. وهو درس لم يتعلمه ابن الأحمر اخر ملوك غرناطة حيث ذل واستسلم وخرج من التاريخ مهزوماً ومشرداً، ولم يجد سوى البكاء بين يدي أمه التي نهرته وقالت قولتها المرة: ابك مثل النساء على ملك لم تحفظه حفظ الرجال.

تلعب الأم «العجوز» في هذه الوقائع أدواراً كبيرة ذات قيمة معنوية تاريخية وثقافية تظل الكتب ترويها وتعزز موقعها في الذاكرة، وهي تتوافق مع قصص واقعية تمر بكل رجل، ويندر أن تجد رجلاً ليس له عجوز من نوع ما تكون مرجعاً معنوياً له وضميراً مستتراً يختبئ في حضنها حينما تحاصره الحياة، وإن كان الرجال ينكرون ذلك ويتعالون على هذه الحقيقة الواقعية ويأخذون عادة بالصورة النمطية عن العجوز كما هي في النسق الثقافي المستهزئ عموماً بالتأنيث والمتعالي عليه لمصلحة الفحولة، ولكن، كم تكسرت الفحولة على يدي امرأة عجوز ظلت ثقافة الفحول تستهتر بها لتجد نفسها في لحظة تبكي بين يديها وتستمع منها لحكمة صارخة أو لموقف رحيم ينتشل الرجل من لحظة ضعفه ويضعه في المسار الصحيح مرة أخرى.

وفي المرويات من تاريخ البادية أن ثلاث قبائل من قبائل الشمال الكبيرة والمنيعة أحست يوماً بفداحة التناحر فيما بينها وأحست أن ثمن الفروسية المتبادلة فيما بينهم إنما ينعكس سلباً على معاشهم، ومن هنا توافقوا على عهد فيما بينهم اتفقوا فيه على تقاسم المرعى والماء والتشارك فيه من دون تناحر ولا تحارب، وجرى التعاهد بينهم على ذلك، وكان من شرط المعاهدة أن يتم تسليم أي رجل يعتدي أو يخالف ولا تحمي القبيلة أي معتد منها مهما كانت منزلته وتقوم بتسليمه لقبيلة المعتدى عليه، وسارت الأمور على خير ما يرام، إلى أن جاء يوم وحصلت مذبحة من رجل فر بعد فعلته ولجأ لخيمة والدة أحد أفراد قبيلته، ولما جاء وفد قبيلة المقتول لاستلام القاتل - كما هو الاتفاق - تمنع الرجل صاحب الخيمة، وأحس بالضاغط التقليدي عليه وكيف يسلم رجلاً احتمى بخيمة أمه وهو موقف تتواجه فيه الثقافة مع الواقع، وحدث الصراع النفسي المعتاد في مثل هذا الموقف بين ما تعاهدت عليه القبائل وهو اتفاق مصلحة واتفاق سياسة واتفاق تحالف معاشي عاقل، ولكن النسق الثقافي يأبى ذلك ومن شرف المرء ثقافياً أن يحمي الدخيل والمستجير به، وهذه لحظة من الممكن أن تفجر حرباً دموية قد يموت فيها المئات وليس ميتاً واحداً فحسب، كما انها لحظة امتحان ثقافي ستموت فيها ثقافة وتنشأ أخرى. ومن هنا تأزم الموقف بين القبيلتين، ولا سبيل لكسر الاتفاق، كما لا سبيل لتجاهل العرف الثقافي. وفي وسط هذا التأزم جاءت العجوز، جاءت لتحل المشكل وتحفظ الرجال من حرب تسيل مزيداً من الدماء أو عار لا يخلص منه ابنها وعشيرته.

جاءت لتقول لهم إن اتفاقهم حول تسليم المعتدي وعدم قبول الحماية للدخيل إنما قد تم حينما كانت هي في رحلة إلى مكة المكرمة للحج، وهذا يعني ان الاتفاق لا يشملها لغيابها وعدم مشاركتها الرأي فيه ومن هنا فإن خيمتها خارج الاتفاق، وحسمت الأمر بهذا، وحقنت دماء كانت ستسيل وفكت مواجهة كانت على قمة التأزم والتوتر. وجرت حماية الدخيل مثلما تم صرف وفد القبيلة المجاورة بطريقة تعتمد على مبادئ النسق الثقافي المأخوذ به في ثقافة القبائل كلها، ولولا تصرف العجوز وحسن مبادرتها ووقوفها إلى جانب النسق الفحولي في قيمه التقليدية لكان موقف الرجال «الفحول» في حال لا توصف من الحيرة والعجز التام عن التصرف بين خيارات كلها مر وباهظ الثمن.

للعجوز دور ثقافي كبير وهو دور واقعي وتاريخي، غير أن النسق الثقافي يعطي صوراً أخرى، تختلف عن الواقع وعن التاريخ وتستند إلى تصور مغروس في ذاكرة الثقافة وإن تناقضت مع ذاكرة الواقع، والملاحظ في الثقافة دائماً أن صورها غير واقعية وغير تطبيقية ولكنها مع ذلك أكثر مفعولاً من أي شيء واقعي بل إنها تتغلب على ما هو مصلحي وسياسي - كما رأينا في اتفاق البدو هنا وهو اتفاق صحيح كواقع وكسياسة، ولكنه مخالف لشروط النسق ولذا سقط مع أول امتحان له - والمرأة التي هي ضحية للنسق عموماً هي من حمى النسق هنا وحمت الرجال معه وحافظت على قيم الثقافة، وإن كانت الثقافة ذاتها هي التي تعتدي على صورتها وتشوه نموذجها وتصنع لها ذاكرة سلبية تعمي عن كل ما هو إيجابي فيها، وهذا هو مفعول «العمى الثقافي».

وفي مقالتين تاليتين سنقف على قصص تكشف عن دور العجوز في صيانة النسق الفحولي وخدمته على الرغم من موقف الثقافة السلبي منها.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة