الرئيسية > مقالات

التكنولوجيا وأدوات كشف الأمراض


وائل أحمد كابلي

إن لنا سننا عجيبة في بلادنا تجاه الجديد وبالذات مواضيع التكنولوجيا. فكم اشغل من كان قبلنا أحكام الراديو (المذياع) ومن ثم التلفاز مرورا بالانترنت حتى الوصول إلى هواتف الجوال. وهكذا حتى أمسيت أضع يدي على قلبي كلما جاءنا جديد.

لكني أنظر إلى هذه التكنولوجيا كأدوات تفسر لنا ظواهر اجتماعية متفرقة.

وبالعكس تماما فإن ما يعتقده بعض الناس من أن لهذه التكنولوجيا سلبيات على العادات والدين وأنها سبب بلائنا ومشاكلنا. فكلما جد مرض اجتماعي علقوه على «شماعات» الانترنت والجوال والفضائيات.

وما حالنا معها - أي التكنولوجيا- إلا كالذي ذهب مع صديق له عند الطبيب، فإذا بالطبيب يكشف على الصحيح ويخبره أنه مصاب بمرض دفين لم تظهر أعراضه. ومن ثم قام الرجل يسب الطبيب وينتقصه بدلا من أن يحمد الله على أنه اكتشف المرض قبل أن يستفحل. هذا نحن! نعيب الأدوات والعيب فينا.

ولكي أوضح أكثر، لنفكر سوية في المفارقة التي وقع فيها جيل الشباب الذين عاصروا الأقمار الصناعية والأطباق اللاقطة (الدش). فهؤلاء عاشوا فترات مختلفة أولها انجراف الجميع إلى هذه التكنولوجيا ومن ثم ظهور الدفعة الاجتماعية التي ضغطت على بعض الفقهاء وقاموا بتحريمها واقتنائها بل وبيعا وكسبها. وبعد هذا جاءت الفترة الغريبة وهي فترة السوق السوداء حيث انها ممنوعة ولكنها تباع علنا بأسعار خيالية وفي النهاية انتشرت عند الجميع. وبعد ذلك يجد الشباب هؤلاء الذين حرموا عليهم القنوات يطلون على الناس من الشاشات التي حرموها. هذا الجيل الذي عايش منع بيع هذه الأجهزة ومع ذلك فهو يراها في السوق تباع علناً. أليست هذه مفارقات تعيش في بلد واحد.

وقد يدعي البعض - وقد ناقشت عددا كافيا منهم - فيقول «إن شبابنا الله يهديهم يستخدمون التكنولوجيا في غير موضعها». أهذا سبب كاف مقنع ليتم منعها؟ فما رأيك في شخصين، أحدهما استخدم هذه التكنولوجيا بشكل خاطئ لبعض الوقت وتوقف عن هذه الممارسة لسبب ما (إما لملل أو نصيحة أو اقتناع). أما الآخر فتم منعه حفاظا على أخلاقه ولكنه تواق إليها ولن يتوانى عن كسر هذا الحظر، فلما وجدنا أنه أصبح يمارسها بشكل دائم - وهو مخالف- أفرجنا عن هذه التكنولوجيا وسمحنا له باستخدامها.

فأي الشابين أفضل؟ بهذه الطريقة لقد أوقعنا الشاب الأول في مشكلة واحدة وهي احتمالية ضياع أخلاقه وهي مشكلة كبيرة بحد ذاتها. أما الشاب الثاني وقع في مشاكل متعددة أولها أن هذا الشاب استخدم هذه التكنولوجيا في وقت متأخر فأصبحت قديمة، وبذلك زدنا من درجة جهله. وثانيها أن الشاب فقد الثقة بهذا الذي منعه لأنه منعه في البداية ومن ثم سمح بها، فهذا يعني أن الثوابت التي منع من اجلها خفيفة وليست ثابتة. وأما المشكلة الرئيسية فهي واقعة لا محالة وهي احتمالية ضياع الأخلاق، لأنه سمح له في النهاية باستخدام التكنولوجيا.وهكذا لاحظنا أن طرق تعاملنا مع الجديد يولد ويكشف أمراض اجتماعية قد تتطور وتصبح خطيرة.

المرض الآخر الذي تكشفه لنا التكنولوجيا التربية ومدى صلابتها. فكم من والد يتكلم عن شرف ابنه وعن دينه وتقواه فإذا هو يكتشف أن ابنه مدمن للبرامج الإباحية في التلفاز. فهذا يعني أن في تربية هذا الأب مشكلة ولم يحلها ولكنه اعتقد أن تربيته كاملة لابنه ولم يعلم أنها باءت بالفشل.

إن المتصفح للمنتديات من خلال الانترنت يجد أمراضا كثيرة داخل مجمعاتنا. فهناك من يكتب قصصا وهمية جنسية عن أهله والعياذ بالله. فماذا نقول لهذه المجموعة من الشباب؟ أمن المناسب أن نمنع هذا الموقع؟ ولكننا بهذا العمل قد أضفنا إلى المشكلة طبقة جديدة ولم نحلها. بل سيذهب هذا الشاب ويحاول الاختراق بشتى الوسائل لكي يكمل ما كان يعمله. فهو الآن يضيف إلى نفسه مشكلة مخالفة الأنظمة بالإضافة إلى المشكلة النفسية التي يعاني منها.

إن عيب الأمراض الاجتماعية أن بعضها يظهر بدون أعراض فلا نستطيع أن نعرفها منذ بدايتها. والعيب الآخر هو أن المرض الاجتماعي يستمر فترة طويلة. وبعضه يصعب تشخيصه لأنه يتكون من طبقات كثيرة تحجب المرض الرئيسي، فيصعب حله واستئصاله.

وفي النهاية قبل أن أختم أحب أن أبين شيء مهم وهو أنه يجب علينا أن نرى بنور البصيرة التي أعطانا الله عز وجل. ونحكم على الأشياء بحكمة. وأن نضع في الحسبان ثلاثة أو أربعة أجيال قادمة وليس لوقتنا الحالي فقط. وقد قال لي أحدهم لقد ربيت ابني على ما تربيت عليه. ولكن تربية ابنه فشلت. فقلت له اسمح لي ولكن هل اختبرت تربيتك؟ وهل أنت متأكد أن كل ما أخبرت به صحيح؟....سكت صديقي. وقلت له «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها».

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة