من منا يفكر في محاسبة نفسه يومياً، وقبل أن ينام؟
من منا يقوم بعملية جرد يومية عندما يضع رأسه على المخدة استعداداً للنوم؟
من منا يعتقد أنه على خطأ؟
وكم من البشر يعتقدون أنهم لا يخطئون؟
وهل نحتاج إلى عملية إفاقة طويلة نستطيع بعدها أن نحاسب أنفسنا؟
المشكلة أن عملية الإفاقة هذه، تحتاج إلى صدمة قوية، وضربة تسقط الشخص بعنف، حتى يتمكن من اتخاذ مثل ذلك قرار.
خريطة الحياة اليومية لا يبدو أن بها موقعاً للمحاسبة، أو نقطة للاستكانة، فالخريطة شكلت كل مواقعها ومدنها من الركض، واللهاث خلف الحياة، والبحث عن الأفضل، وتحسن الأحوال، ومطاردة الآخرين، والحوار معهم، بحثاً عن الذات وليس بحثاً عنهم، من منطلق أن هذه الذات هي كل شيء، الذات التي لا تخطئ، والذات التي تفرز الأشياء، وتعيد تركيبها، وتحتوي على كل الأمور، ولا تتجاوز أي خط أحمر، وتنظر لكل من حولها النظرة الاستخفافية له، على اعتبار أن هذا الإنسان هو اللاعب الأساس في الملعب، وكل من حوله لا يمثلون سوى مستلزمات الملعب المساعدة للاعب من أجل أن يعطي، ويبدع.
يوم طويل يمر من خلاله الإنسان، ويعبر إلى نهايته إما ركضاً، أو متأنياً، أو متباطئاً، يعجز في كثير من الأحيان أن يلتقط أي إشارة تأتيه بسرعة، أو كوميض منبه، يعجز في التقاط أي صورة بكاميرا ذاكرته متعمداً أحياناً، ومعتمداً على قدرته هو في تحليل الصور التي يلمحها، ولا يتمكن من التقاطها، على اعتبار أن بالوقت متسعاً لذلك مستقبلاً.
قد لا يقف أمام لفتة بسيطة، من إنسان أكثر بساطة، ولا تأسره كلمة جميلة، وطيبة محكومة بالود، من شخص يعتقد، ويتصور أنه لا يضاهيه مركزاً، أو كينونة اجتماعية.
وقد لا يتوقف أمام سلوك غير حضاري ارتكبه أثناء يومه، من استفزاز للآخر، أو تدليس لآخر هو في أمس الحاجة إليه، أو مماطلة لفلان متعمداً اذلاله، وإعادته إليه، وامتهان لكرامة شخص يعتقد أنه لا يستحق أكثر من هذه المعاملة بصفته يعمل عنده مثلاً، أو عاملاً بهذه البلاد، ويستلم راتباً، ويستولي على ما لا يستحقه، على اعتبار أن هذا الشخص الذي يستلم هذا الفتات المادي إن لم يأت إلى هذه البلاد لظل جائعاً، باحثاً عن الطعام.
لغة واحدة يتحدث بها بعض الأشخاص، تظل معهم لسنوات طويلة وإن تغيرت فقد تتغير إلى الأسوأ، لغة التعالي، والمن، وامتهان الآخرين وعدم قبولهم، واغتيال مفردات الحياة الإنسانية السهلة والمتكافئة، التي تمنح كل إنسان حقه في الحياة من الاحترام بالشكل الذي يستحقه.
لغة واحدة تبدو لديهم صائبة، وغير قابلة للتعديل، لغة صحيحة لا تحتمل الخطأ، أو الخروج عنها رغم عنفها المبطن أحياناً، وبلادتها، وعدم إنسانيتها، لغة لا تصلح للكتابة على الورق، أو تعبر عن صورة جميلة، أو ترسم ملامح حزن حقيقي، أو تلون صورة مليئة بالقلق.
لغة تاريخية مصادرها مألوفة وسائدة لدى هؤلاء، تظل تلاحق الآخرين كسحابة كئيبة إن لم تمطر رماداً، فستظل تنشر ظلامها وسيطرتها وحضورها.
لغة لن تندثر، أو تتبدد بل ستظل حافلة بالحضور، لغة معلنة وليست سرية مطبوعة دون مطبوعات.
واضحة للمتحدث بها والمستقبل لها، ولا يمكن تغييرها في ظل غياب المحاسبة للنفس مهما كان الإيمان بها شديداً، والاقتناع بضرورة تواجدها متكاملاً. ومهما كان الإحساس بصحتها، وبأن التعامل بها هو الأصل، والتفكير أو محاسبة النفس للخروج من شرنقتها هو الخطأ، سنظل في مواقفنا، نبحث عن الخروج من المأزق الحالي، هذا إذا لم تنغلق الدائرة علينا، وهو ما سنكون مرشحين له مستقبلاً.