الرئيسية > مقالات اليوم

شموس الأزمنة

مؤتمر لاستقرار الإنسانية..!؟


راشد فهد الراشد

إذا ما كانت الأنواء تنذر بقدوم العاصفة، والمناخات توحي بتواطئ عناصر الطبيعة على فعل اجتياح عنيف، فيجب أن يكون لديك شجرة كبيرة راسخة عملاقة تمسك بجذعها، وتحتمي به من شرور العاصفة، وتصمد من خلال تجذرها في الأرض حتى تكون في مأمن.

والأشجار العظيمة التي تصمد بقوة، وتتحدى كل هوج العواصف، تنبت عادة بين الصخور، في الجبال، وتمتد جذورها إلى عمق الأرض، تسافر بشجاعة في بحث عن المياه مهما كانت مصادرها بعيدة، وعميقة، وهذا النضال في البحث يكسبها قوة، ويعطيها حصانة تواجه بها كل المتغيرات المناخية، وكل عواصف الشتاء، ورعوده وبروقه، وقساوته.

وشجرتنا هي الوطن.

حمايتنا في عواصف هذا الزمن الموبوء والمريض هو كيان قام على الصعوبات، وفي الصعوبات، وامتدت فضاءاته الجميلة من الماء إلى الماء، وتشكل كأروع وحدة وتوحد واتحاد في موال شجي يرفعه صوت مبحوح على قارب صيد مبحر في شواطئ الخليج العربي، ليناجيه صوت آخر في جبال السروات، وسهول تهامة.

شجرتنا هي الوطن.

والوطن ليس ذكريات صبا، ومقاعد دراسة، وملاعب طفولة، وحياة قرية، وتفاصيل حب مراهق، وشوارع، وأزقة، وساحات تحمل ساعات لهونا، وشقاواتنا، ونزواتنا وظلالاتنا.

والوطن ليس شهادة ميلاد، ولا زياً يشير الينا، ويشي بجغرافية انتسابنا، وليس - في المطلق - عنواناً لنا في هذا الكون الواسع، ولا يمكن أن يكون مجرد جواز سفر نحمله في المطارات، والموانئ، وأمام حرس الحدود في أي بقعة من هذا العالم، وليس هو قدراً لنا، تماماً كما أقدارنا في أسمائنا، وملامحنا، وخيباتنا، ونجاحاتنا. وأمراضنا الوراثية، وغير الوراثية التي أصابتنا بفعل التربية والتعليم، والثقافة الخاطئة، وتكريس منهل واحد لمصادر وعينا المعرفي والتعاملي والانساني، حتى اختلطت الأمور بشكل عبثي بين الانتماء العروبي كهوية، وبين الاسلام كمعتقد ديني.

والوطن ليس وليمة عرس باذخ وفاحش نتناول فيه أصناف طعام شهية، ونتبادل في مساحته المجاملات الغبية المصطنعة، والابتسامات البليدة الخالية من كل معاني الحب الانساني، ونعرض من خلاله مواقعنا الاجتماعية، وتمايزاتنا المادية والوجاهية، ثم هو ليس وظيفة تدر علينا دخولاً، وليس دخلاً واحداً تسوق لنا البطر، والنرجسية، والتعالي، ويكون فهمنا وتعاملنا ينطلق من انتظارنا للزمن الذي يحال الإنسان فيه إلى التقاعد الوظيفي.

أو نزيد، أو نستزيد..!؟

لا.. لا، يكفي..!؟

الوطن هو قيمة، وهوية، وانتماء، وشجرة عملاقة نحتمي بها في الأزمنة الصعبة. حتى لو عدنا كما كان أجدادنا يأكلون أوراق الشجر ليكونوا قادرين على مواصلة الحياة.

إذن:

بعد غد يعقد المؤتمر العالمي لمكافحة الارهاب.

والوطن عانى من ممارسات الجهلة والقتلة والموتورين.

ولا نريد أن نتناول المؤتمر بوصفه عملاً وإنجازاً يضع العالم أمام مسؤولياته في مواجهة هذا السلوك المدمر.

لكن:

نضع المواطن أمام مسؤولياته في حماية مكتسباته، وإرثه، وأمنه، واستقراره، وأن يستشعر الدمار، والخراب الذي تحمله عقول الارهابيين، وأن يعرف أن العار والخزي الذي يقوم به هؤلاء يستهدف إلغاء الوطن.

المواطن هو من يقف في الصفوف الأولى في محاربة الارهاب.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة