الرئيسية > مقالات اليوم

حديثٌ مدعاة لحديث


د. عبدالله بن إبراهيم العسكر

لصديقي الدكتور جريجوري جاس الثالث Gregory Gause III أستاذ العلوم السياسية في جامعة فيرمونت Vermont عادة ما انفك يوليها اهتمامه، وهي أنه يزور المملكة في السنة مرة أو مرتين قاصداً لها، أو في طريقه لبعض دول المشرق العربي، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، وهو يحتفظ بعلاقات واسعة مع الأكاديميين والشخصيات الفاعلة في كل مكان.. وأنا أسعد بزياراته لأنني أجد لديه جديداً، وأجد لديه تحليلاً متأنياً وواقعياً.

وفي هذه الزيارة رتب له الأخ الصديق الدكتور منصور المنصور من المعهد الدبلوماسي حلقة نقاش، حضرها لفيف من المختصين من المعهد ومن جامعة الملك سعود.. وكان عنوان الحلقة: (النقاش المتواصل حول العلاقة السعودية الأمريكية: وجهات نظر أمريكية) وبسبب ظرف طارئ لم أتمكن من حضور حلقة النقاش، لكن صديقي الدكتور جريجوري وأنا عقدنا حلقة خاصة في بهو فندق الخزامى ضحى يوم الجمعة الماضي.. وكان حديثه مدعاة لهذا الحديث.

لم أشك يوماً أن الإدارة الأمريكية بصدد تغيير سياستها تجاه المملكة.. وكنت كتبت عن هذا اليقين مرات.. وسبب التغيير ينبع من أمرين: الأول أن إدارة الرئيس بوش الثانية اكتسبت من الخبرات ما جعلها تؤمن بأن حربها على الإرهاب لن تكون ذات فائدة بدون السعودية.. والثاني ما ورد في تقرير لجنة التحقيق المنبثقة عن الكونغرس بخصوص أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد ورد ما يلجم كل صاحب هوى ويبرئ ساحة المملكة من الأحداث المؤلمة التي وقعت في أمريكا.

وبالتالي فقد جد على الخطاب الإعلامي والفكري الأمريكي ما يشير إلى تحسن صورة المملكة في دوائر صنع القرار السياسي.. وينبهني الدكتور جريجوري إلى أن العلاقة بين المملكة وأمريكا لن تعود إلى ما كانت عليه قبل أحداث .9/11.كانت في الماضي علاقة الصفوة، أما الآن فقد أصبحت العلاقات السعودية الأمريكية من الشأن العام، لذا فلن تكون سهلة ميسورة، ولكنها لن تسيء، ولن يصطدم الطرفان.

ويضيف جريجوري معلومة في غاية الأهمية، وهو يقول ان الأوضاع الداخلية السعودية ستصبح دوماً في جدول أعمال أي لقاء أمريكي سعودي.. وهذا أمر لم يكن في الماضي.. وهو يعني أن الإدارة الأمريكية معنية بالسياسة الداخلية السعودية أكثر من ذي قبل.. وعند سؤالي عن سبب هذا التطور.. أجاب بأن لدى بيوت الخبرة الأمريكية ولدى السياسيين الأمريكيين قناعة من أن الأوضاع الداخلية ونظم الحكم وأساليبه في البلاد الإسلامية، ومنها المملكة، هي جذور من جذور الإرهاب.

طبعاً هو لا يقدم دليلاً مقنعاً لهذا القول اللهم إلا كون جماعات الضغط اليهودية تدفع في هذا الاتجاه، خاصة أن السعودية أضحت المنافس القوي لتلك الجماعات في الساحة السياسية للإدارة الأمريكية.. لكن المشكلة ليست فقط مع جماعات الضغط اليهودية.. فهناك جماعات كثيرة تقف مواقف متشددة من المملكة، وكل واحدة تنطلق من منطلقات مختلفة.. من ذلك مثلاً: الجماعات المؤيدة لإسرائيل، والمسيحيون اليمينيون، والليبراليون، وجماعات نشر الديمقراطية.. والقائمة تطول..

ويقول الدكتور جريجوري لم يبق في الساحة السياسية الأمريكية من يؤيد السعودية ولا ينتقدها النقد الصارم إلا جماعتان: الأولى جماعة صناعة النفط والطاقة، وجماعة الفكر السياسي الواقعي.. لكن دعني أقل لك يا سيد جريجوري إن أثر هاتين الجماعتين يُعادل مرات أثر الجماعات السابقة، وخاصة في مجلسي الكونغرس والنواب.. لهذا يصح القول ان المملكة بخير في سوق واشنطن السياسي.. وعندما سألته عن أهم القضايا السعودية (المحلية) التي تشغل بال المتعاملين في سوق واشنطن السياسي؟ أجاب: هما اثنتان..

الأولى: حيث يتساءل الناس هناك عن مدى استقرار السعودية مع موجات الإرهاب.. فقلت له: الإرهاب مدحور في البلاد، والحكومة والشعب ضده.. والأمن مستقر ولله الحمد.. أما هذا السؤال فمرده فيما أظن إلى طبيعة الفكر الأمريكي التقليدي الذي يعتقد بضعف الأنظمة الملكية في عمومها.. وهو اعتقاد أكل عليه الدهر وشرب.. وإن فسر بعض أحوال الملكيات أيام الغليان الوطني في القرن الماضي، فإنه ساقط في هذا القرن.

والثانية: حيث يتساءل الناس عما يجب أن تكون عليه العلاقات السعودية الأمريكية.. وهو تساؤل واسع ومتشعب لدرجة أن بعض بيوت الخبرة عقدت حلقات وندوات محورها السؤال التالي: ما أهمية المملكة في السياسة والقرار الأمريكي، وما مدى إمكانية ركون أمريكا على المملكة بلداً ونظاماً وشعباً.. ويطول الحديث حول هذا السؤال الكبير.. وقلت لمحدثي العبرة ليست في كثرة الطروحات والشروحات، بل العبرة بالواقع المعاش.. فقال: صدقت، ذلك أن أمريكا بعد تطور الأحداث في العراق، وبعد قفزات متسارعة لأسعار النفط، وجدت أمريكا أنها محتاجة إلى علاقات متميزة وقوية مع السعودية.

إدارة بوش لا تخفي تفهمها للسياسة السعودية، ولكنها مع هذا تبدي من حين لآخر نقداً علنياً لبعض الممارسات السعودية.. لهذا يصح أن نقول إن أجندة بوش تجاه السعودية في إدارته السابقة تختلف عنها في إدارته الحالية.. ويضيف الدكتور جريجوري قائلاً: القضايا الكبيرة باقية لم تتغيّر في الأجندتين: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، النفط، الإرهاب، الأمن، ووجود القوات الأمريكية.. وأما في الأجندة الجديدة فيضاف إلى ذلك ما يلي: القضايا المحلية، الإصلاح السياسي، إصلاح التعليم، الجمعيات الخيرية، الخطاب الديني.. حسناً.. لكن كسعوديين لا يهمنا كثرة فقرات الأجندة الجديدة، أو اختلافها عن الأجندة القديمة.. ما يهمنا هو السؤال التالي: ما مدى إيمان إدارة بوش بهذه الأجندة الجديدة؟

هو لم يجبني، والذي أدريه من خلال استقراء الأوضاع، وقياس المتشابهات، وضم الإلمامات مع بعضها أقول: إن أي إدارة أمريكية لا تستطيع أن تحقق ما تريد في كل مكان، وفي كل زمان.. وإن استطاعت بقوة السلاح، فهي استطاعة مؤقتة.. ولا يوجد في الأرض دولة مهما كانت ضعيفة تقبل أجندة أجنبية تُفرض عليها.. وفي المقابل يبدو في الأفق واقعية سياسية تفرض نفسها على صنّاع القرار في واشنطن.. تجعل من الممكن التعامل بسهولة مع الأجندة الجديدة.. ومع هذا يمكننا أن نقول لا ضير أن تزداد فقرات الأجندة الأمريكية، مادام أنها على الورق.. ففقرة الصراع العربي الإسرائيلي على أجندة أمريكا منذ خمسينات القرن الفارط.. وكلا الطرفين: العرب وإسرائيل لم ينفكا في صراع، ولم تستطع أمريكا أن تفرض حلاً نهائياً، وتجلب السلام للمنطقة.. لهذا يصح القول إن العبرة بقناعة الطرف الآخر بما في أجندة أمريكا، وليس العبرة بالأجندة أصلاً.. والله أعلم..

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة