بلا أدنى تحفظ نعتبر إنجازات حج هذا العام فاقت التصورات، وهذا يعني أن الدراسات والخطط المنفذة على الأرض، والاستعداد الذاتي، والمتطور لفرق العمل، من أمنية وطبية، ومعيشية وطرق، وغيرها من هذه الجهود المتضافرة أعطت نتائجها بحيث تم التغلب على الكثير من المصاعب، وهي مهمة ليست سهلة لأن حشد ثلاثة ملايين حاج في وقت قصير، والتعامل مع وعي متفاوت لهذه الجموع القادمة من مختلف الجنسيات والثقافات، جعل المملكة تبدأ مهمات استعدادها لفترة لا تقل عن ستة اشهر، وهو جهد يفوق إمكانات أي دولة تستقبل هذه الأعداد الكبيرة، وفي أماكن جغرافية صعبة، تم تكييفها حتى تضمن المملكة سلامة، وانسياب الحجيج، وطرق، ومطارات تحتاج إلى التغلب على المستحيل في تنظيم هذه المسيرات الكبيرة..
الذين لا يعرفون مصاعب الحج هم الذين لا يدركون حجم المهمة والتعامل معها بروح المسؤولية، ونحن هنا لا نريد التفاخر بأعمالنا ولكن لفهم مواسم أصبحت الأعداد تتكاثر فيها والمطالب المادية، والصحية تتضاعف، والمجهود يحتاج إلى دقة في التنفيذ، واستراتيجية طويلة المدى في التكيف والتطوير مع حالات كهذه، وبدورنا نعتبر هذا العمل جزءاً من مسؤوليتنا، رغم أعبائه الكبيرة..
ومثلما شهد العالم بنجاح المملكة في حج هذا العام، فإن الخطط الطويلة المدى لا تزال مدرجة في مراكز البحث على كل المستويات في أجهزة الدولة، والتي غالباً ما تكون في حالة استنفار دائم، حتى إن مضاعفة ميزانية هذه الأجهزة تفوق إمكانات دول أخرى، لأن تأمين مياه ووجبات غذائية يومية لثلاثة ملايين حاج، غير سكان مكة المكرمة، والعاملين في خدمة الحج، والتناوب على حراساتهم وتوعيتهم، هي بذاتها عملية تتعدى حدود التصور العام، ومع ذلك استطاعت الأجهزة الأمنية، التي تحملت العبء الأكبر أن تصل إلى حالات التكامل القصوى بحيث يتم تطوير هذا الأداء مع السنوات القادمة، حين تقوّم التجربة، وتطرح نسب السلبيات للإيجابيات في كل العملية..
لقد واجهنا في السنوات الماضية تجاوزات حاولت وضع الحج في مسلسل الحركات السياسية، وتغلغل بعض الإرهابيين في محاولات ضرب الحجيج، وآخرين جاءوا متسللين لاكتساب جنسية المملكة، أو التحايل باسم الحاج القادم من بلد ما، ومع ذلك استطاعت الوسائل المتطورة للرصد، والمتابعة، والعطاء غير المحدود لرجال الأمن أن تغلق الكثير من هذه المنافذ..
لقد كسبنا أن أصبح الحج ناجحاً، لأن من رتبوا، وقاموا بالعمل في الميدان أو من يراقبون العملية بكاملها، صار لديهم أساس هام في إدارة عمل كبير كهذا، وهذا بحساباتنا نجاح للعالم الإسلامي الذي عاش هذا الموسم آمنا، وجعل الأمم الأخرى تدرك معنى هذه المشاعر وعظمتها..