الرئيسية > مقالات اليوم

على وجه التحديد

الدين.. والسياسة.. والحياة


د. عبدالواحد خالد الحميد

عندما سافرت في نهاية السبعينيات الميلادية إلى أمريكا للدراسة كان من ضمن الأشياء البارزة التي شدت انتباهي وجود عدد كبير من المحطات التلفزيونية الدينية التي تشرف عليها بعض الكنائس والوعاظ المسيحيين.. فقد كنت أعتقد أن أمريكا العلمانية لا تقيم وزناً لهذه الأمور، خصوصاً أن المنطقة العربية كلها - في ذلك الوقت - لا توجد فيها محطة تلفزيونية دينية واحدة رغم أننا أكثر تديناً من الأمريكيين!.

وعندما أصبح رونالد ريجان رئيساً لأمريكا كان من اللافت للاهتمام أن الرجل يردد عبارات دينية كثيرة في خطاباته، وكانت تربطه ببعض الوعاظ المشهورين، مثل بيلي جرام، صداقات وعلاقات متينة.. وكان جيمي كارتر الرئيس الريفي القادم من ولاية جورجيا، والذي سبق ريجان مباشرة إلى الرئاسة، هو الآخر رجلاً متديناً رغم أنه كان رئيس أمريكا العلمانية!.

واليوم يبرز جورج بوش الابن متحدثاً عن التطرف الديني في المنطقة العربية بينما هو، مثل ريجان وأكثر، لا يخفي تدينه في بلد يرفع لواء العلمانية.. بل إن حقبة بوش شهدت أكبر بزوغ لليمين المسيحي المتطرف الذي يخلط قضايا السياسة برؤى انجيلية ويستشهد بالتوراة والإنجيل لكي يبرز مواقفه من قضايا العالم.

يبدو أن الدين، رغم كل ما يقال عن علمانية الغرب، حاضر في أذهان الكثيرمن الساسة وصناع القرار الغربيين حتى وإن عابوا على الشرق تدينه.. ولا شك أن مبدأ فصل الدين عن الدولة لا يعني - من الناحية الفعلية - تغييب أو غياب الدين تماماً. ولعل من المدهش أن هناك عودة إلى أحضان الدين في أمريكا وأوروبا والدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفيتي السابق أو حلفاءه السابقين.

وعلى سبيل المثال، فقد شاهدنا من خلال شاشة التلفزيون الرئيس الأوكراني الجديد وهو يؤدي القسم أثناء تنصيبه رئيساً للبلاد بينما يضع يده على الدستور الأوكراني ونسخة من الكتاب المقدس!.

لقد ثبت أنه ليس من السهل إلغاء عنصر الدين من الحياة السياسية والاجتماعية حتى بعد مرور عدة قرون على عصر النهضة والتنوير في أوروبا.. ولهذا فإن التحدي الذي يواجه الشرق هو كيف يوجد التوازن بين الممارسات التي تنسب إلى الدين وبين الحياة العصرية.. أما إقصاء الدين عن الحياة فقد ثبت أنه غير ممكن.. وأكبر دليل على ذلك هو سطوة الأحزاب الدينية وقوتها في "إسرائيل" التي تصنف - هي الأخرى - بأنها دولة علمانية رغم أنها قامت على فكرة دينية أمام سمع وبصر العالم!.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة