تمرّ على أحدنا مواقف تبقى حبيسة الذاكرة لكننا نسترجعها في زمن حدده ذلك الموقف.. العيد هو نزيف للذاكرة يعيدك إلى سجل الطفولة حين كنت طفلاً لا تقوى على مصارعة الحياة والآخرين.. كما أنه يفتح جرح الأهلين ممن غادروا هذه الحياة ويعيد لك صورة الأقرباء والأصدقاء ممن توفاهم الله..
قبل فترة ليست بعيدة لا أذكر السنة بالضبط في صلاة العيد والناس أخذت زينتها كباراً وشباباً وأطفالاً وفي جامع الخليفة ابي بكر الصديق رضي الله عنه بالرياض وإمام الجامع الشيخ الفاضل مازن التويجري يلقي خطبة صلاة العيد ويذكّر بصلة الأقارب وبر الوالدين والدعوة والترحم على الوالدين المتوفَّيين والدعاء لهما، وبرهما والعطف عليهما إذا كانا من الأحياء فإذا بالجوار رجل أشيب طاعن بالسن في أواخر السبعينات يبكي بجوارنا بكاءً مراً واستمر بكاؤه من بداية الخطبة حتى نهايتها ويزيد في نحيبه بشكل راعف جعلنا معه في حاله نحيب وبكاء داخلي.. لا أحد منا يعرف مرارة هذا الرجل الذي انهار فجأة بكاءً غامراً وهو جالس متكوم حول نفسه.. لا أحد يعلم ما هي الأسرار لكننا ربطنا بكاءه مع التداعيات الحميمية والموعظة والحنين والعطف الذي كان يتدفق من الشيخ مازن في التذكير بالأهل والحياة والدعاء وكثرة الاستغفار والتقرب من الله ربطناها بهذا الأب والجد والشيخ الكبير الذي انهار بالبكاء لمبرر يعرفه هو وحده..
أدركت أنا ومن معي في ذلك الرواق من المسجد القريبين منه ان العيد هو واحد من أيام التذكير للذين أشغلتهم الدنيا بزخرفها وجماليتها، أنستنا حتى اشياء حاضرة تمس الآخرين الأقارب والأصدقاء والوالدين، وحقوق من حولنا من أطفالنا وأهالينا واصدقائنا ممن يحتاجوننا ونحتاج اليهم، نسينا احد الواجبات التي تتطلب منا في ابسط صورها السلام والسؤال وتفقد أحوالهم النفسية والاجتماعية والمالية والتواصل معهم ليس في المناسبات العامة والخاصة فحسب، وانما إبقاء حرارة الروابط مستمرة دون فتور..
لا أدري ما هي المشاعر التي اختلطت في ذلك اليوم من أيام الزينة وانا أسترجع صورة ذلك الجد والأب الباكي وكأن المدن تداخلت معي وأصبحت في رحلة بعيدة لقرى وأرياف شهدت طفولتنا وأناس كانوا ممن شهدوا طفولتنا وكانوا حاضرين في الذاكرة هم وبيوتهم وملابسهم وأشياؤهم الخاصة ورائحة أشجارهم ومذاق مأكلهم.. ذاكرة عامرة بأناس كانوا بيننا غيّب بعضهم الموت والآخرون غاصوا في دفاتر الأيام والنسيان في هزيع من الزمن وزوايا كونية غارقين في همومهم ومشاغلهم..
تداعيت، وتداعت أوراق كثيرة كقول الشاعر الذي عاش في زمن بني أمية أو بني العباس شاعر سافرت في داخله صحراء وقرى وأرياف الرياض واليمامة ونجد بكل تسلسلاتها التاريخية الشاعر (العباس بن الأحنف) الذي بكى الناس والديار، وقصيدته النجدية التي سافرت عبر أزمنة العالم المنسي والعالم الحر حتى وصلت عولمة المكان وسننقلها نحن لأجيال لا ندري أي نوع من العولمة سيعيشون.
يقول العباس بن الأحنف ممن توجد على الديار:
الا يا صبا نجد متى هجتِ من نجد
فقد زادني مسراكِ وجداً على وجد
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى
على فنن غض النبات من الرند
أما ما أبكاني تضامناً وعطفاً مع شيخنا الأشيب الذي سالت مدامعه ومحاجره في لحظة توحيدية مع الخالق سبحانه وتعالى ونهر من ذكريات الأمس أرجعني الى العباس بن الأحنف وزمن بني العباس وبني أمية يوم كنا امبراطورية والإسلام يحكم العالم وأبناء جزيرة العرب كانوا من الفاتحين الأوائل وقادة لعالم إسلامي جاوز حدود البحر واليابسة ووصل الى جبال باردة وأرض مثلجة، غاصوا في خرآئط العالم وأطالس العالم القديم.. تذكرت الأحنف وهو يبكي ويتوجد مثل أشيب الرياض:
بكيتَ كما يبكي الحزين صبابة
وذبت من الشوق المبرّح والصد
بكيتَ كما يبكي الوليد ولم تكن
جزوعاً وابديت الذي لم تكن تبدي
ألم أقل لكم إنها تداعيات العيد التي ترسلك مسافراً في الزمن القريب والزمن التاريخي وكما قال الوراق الذي سجل حادثة العباس بن الأحنف عندما انشد بيته الأخير الذي توجد فيه على صبا نجد فقال:
ولكن قرب الدار ليس بنافع
إذا كان من تهواه ليس بذي ود
قال المؤلف ان الاحنف قال: انطح العمود برأسي من حسن هذا البيت فرد عليه (الراوي الأول للحادثة) لا أرفق بنفسك.. وأنا في الرياض التي حواها صبا نجد عجزت ان أسرب أو أهرب من ذاكرتي ذلك الرجل السبعيني الذي أبكانا يوم العيد في جامع الخليفة ابي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه..
رحم الله امواتنا وأموات المسلمين وأسكننا وإياهم فسيح جناته.. آمين..
1
السلام عليكم أخي الكريم
قرأت ولا أعلم أين ان هذه القصيدة قيلت عند وفاة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وقد قالها شخص ان لم تخني الذاكرة أسمه الإمام الصنعاني __ قالها وهو في صنعاء _ بعد أن علم بنبأ وفاة الشيخ __ هل من تعليق على ذلك.
عنوان المجد - زائر
01:04 مساءً 2003/02/05