الرئيسية > مقالات اليوم

نبض الكلمة

كيف تسرق وطنا


شريفة الشملان

من الأحاديث المعروفة للناس جميعاً عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).. وغيره الكثير من الأحاديث الشريفة.. كذا ما يعرف من أمثلة شعبية تؤيد مقولة رسولنا الكريم (الجار لو جار) و(الله وصانا على سابع جار).. حقوق الجار كثيرة ومتداخلة وكلما تطور الزمان ازدادت كثرة وتداخلا وتشعبا، هذا على الصعيد البسيط الفردي بين الأسر والعوائل بالحارة الواحدة، صحيح مع تغير الزمان وكبر البيوت تغيرت متغيرات كثيرة فأصبح الجار لا يكاد يجد وقتاً لتحية جاره.. لكن تبقى العلاقات بحدودها القليلة المجاملة بالمناسبات سعيدها وحزينها.

لست في هذا الظرف ألقي موعظة عن حقوق الجار وما له من حقوق وما عليه من واجبات لكن لأبين أهمية تلك العلاقة للدول كأهميتها لأبناء الحارة الواحدة.. ولعلنا ندرس جيداً قصة فيتنام والصين كجارتين وحرب فيتنام مع فرنسا أولاً ثم أمريكا لاحقاً، الصين التي كانت تمثل عمقاً كبيراً لفيتنام، تساعدها وتمدها بالغذاء والخبرة، كما لا ننسى دقة الفيتناميين وذكاءهم وليس ذلك إقلالاً بالعراق الذي هو مربط فرسنا منذ سنين، ومربط فرسنا هذا الآن بلا عمق، وهذه سياسة تمت دراستها وطبخها على نار هادئة، فكل العاقلين عرفوا ذلك من قبل وكتب كثيرون عن ذلك، منذ دخول العراق حرباً مع ايران، ايران التي تغطي الحدود الشرقية للعراق كاملة، وبذا خرجت ايران من المعادلة مبكراً وأغلقت حدود طويلة ممتدة بتضاريس مختلفة من شط العرب جنوباً وامتداد السهول بعده إلى ارتفاع تدريجي ينتهي بجبال الشمال حيث معقل الأكراد الممتدين على حدود أربع دول سوريا، تركيا، العراق وإيران، وحتى هؤلاء الأكراد كانت ورقة تتداولها الدول حتى استقرت في يد أمريكا كما استقرت كثير من الدول وليس مشروع دولة.. وبما أننا بالشمال فتركيا تتأرجح بين مصالحها مع العراق، نفطه والتجارة معه وخوفاً من أن تتجذر شوكة الأكراد فيقتطعون بدولة جزءاً من جنوبها، وعندما نعرج لسوريا التي قد تمثل منفساً وحيداً للعراق نجد انها هي الأخرى بين مطرقة أمريكا التي لا تألو جهداً لضمها لدائرة الإرهاب (اضطرت خوفاً للموافقة على القرار الظالم 1441) تمهيداً لضربها بعد العراق، وبين حسها القومي وواجبها بالدفاع عن العراق قبل أن يأتي دورها، كذا لا ننسى الخلافات بين قطبي حزب البعث،فهنا سوريا تضطر لتكون حدودها مواربة مع العراق، وعندما ننزل قليلاً للأردن نرى الصورة بدأت تصير قاتمة بين البلدين، بينما كان موقف الأردن المعلن على الأقل في حرب الخليج الثانية أفضل منه الآن بل كان مفتوحاً للتجارة مع العراق، وإمداده بالأغذية السعودية الجارة التي تمتد غرب وجنوب العراق ساندتها في حرب الخليج الأولى وكانت بوابة لها ومدخلاً للبضائع وعمقاً لها، فما كان من مشكلة الكويت والعراق إلا ان جاءت بحمولتها لتتضرر البلدان، وكانت الحدود مواربة قبل الحرب الحالية تتدفق منها البضائع للعراق حسب برنامج النفط مقابل الغذاء فأوقف البرنامج.. بقي الكويت فالكويت أمرها والعراق معروف فمنذ استقلال العراق وهو يطالب بها، وكل حكومة تكرر المطالبة حتى كانت الحرب ووصل العرب لما وصلنا إليه.

لعبت لعبة عزل العراق ببساطة لا تحتاج لذكاء ولا عبقرية، وكان الأمر واضحاً تماماً والطبخة تطبخ على نار هادئ والعراق كان في القدر، لكنه لم يكن يحس بالنار، كان فرحاً بالدفء ويمني نفسه بانتصار على ايران ما دامت أمريكا تسنده، وأمريكا لم تكن الا تعبث به وتنتظر الطبق كي يجهز.. فكان التجويع والحصار وكان الضرب اليومي وكانت مناطق حظر الطيران.. حسبت حسبتها أمريكا جيداً، بقي هناك حسابات قد لا يصل لها البشر، حسابات أعلى من التفكير وأعمق من كل تدبير، فالحرب قائمة بين ضدين بكل شيء.

استوت أفغانستان حرباً وجوعاً وعداوة مع الجيران فكانت النموذج للغزو الأمريكي فها هي العراق تحترق، هذه البصرة محاصرة، البصرة حيث النخيل شط العرب ذلك الشط الهادر العميق والعريض يعجز عن اسقاء البصرة وضرب بالصواريخ ليل نهار والنخل يموت، والجيران مغلولو الأيدي، إما من حقد على العراق وكره لحكومته أو خوفاً من أمريكا وقد يموت شعب العراق جوعاً.

نعم نبتهج ببطولة الشعب العراقي وصموده ونحييه، ولكن ليكن عبرة جيدة لضرورة حسن الجوار لكل الدول مع جيرانها.. ليحصلوا ليس أولها تبادل تجاري ولا آخرها عمق عند الحاجة.

على كل هناك لابد من تحية كبرى للشعب العراقي الذي صمد ولم يخرج من أرضه، لقد أعدوا له مخيمات وأصبحت كلمة المهجرين تتكرر وكأنما هناك اصرار على اخراج العراقيين من وطنهم ولا نستبعد أن تعمل مذبحة كمذبحة دير ياسين كي يخرج العراقيون، وكأنما لا يكفينا لاجئين فلسطينيين فنريد الحاق العراقيين بهم.

لكن لعل الله يغير من حال لحال فتكون المخيمات لفلول الجيوش المهزومة مندحرة لعل وعسى.. (فالأيام حبلى).. وتبقى طريقة سرقة الأوطان بعزل الدولة عن الجيران.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة