الرئيسية > الرأي

من سننصبه درعاً حصيناً أمام الفساد الإنساني؟


سهام عوض الطويري

على أنقاض الأديان دوما تحيا الغرائز البهيمية ومن فوق أطلال الوصايا السماوية المندثرة تتهاوى بقايا الأخلاقيات والذائقة الإنسانية الراقية وتذوب القيم الشريفة في معمعة إشباع الرغبات المنحطة ويلبس أولئك الناس الأرض رغما عنها ثوب الرذيلة والمهانة أمام كواكب المجرة الشمسية، ومن خلال التراث البشري المصنوع من تلك الأسس البالية تتداول أخبار حضارات فاحشة في الدنو عبر صفحات الزمن، والجمع مرق على آذانه ذكر منها ثم رأت الأبصار نصيبا منها قد عاود الظهور بنفس الأساس في هذا الزمن وان كان ذا صبغ عصري متعددة الألوان الرمادية.

فالشارع العام الأوروبي يدور فيه احتجاجات مجهضة وتزدان ممراته بالشعارات وترفع أيدي أناسه اللافتات وتعلو حناجرهم بالهتافات المفعلة من قبل الكنائس والمتدينين وأصحاب السمو الأخلاقي للاحتجاجات ضد قوانين مثليي الجنس التي ترى أن المثليين بشر من حقهم ممارسة ما يرونه غريزة فطرية كيفما تصوروا بدون قيود أصولها من طور الموروث الثقافي والعقدي المتخلف وهي تحظر التمييز ضد المثليين جنسيا فيما يتعلق بتقديم الخدمات والمعاملات حتى لا تعتبر المثلية الجنسية خطيئة ينظر إليها بازدراء يرسخ في عقول الأجيال القادمة! وتلك السجايا الأخلاقية فاحت لما حرك الأعلام سيرة الطفلة "اشلي"،حيث بات التعامل مع الإنسان كفئران التجارب المخبرية أمرا لا يستوجب الشجب إنما يفرض التشجيع والاقتداء به مستقبلا. الخطيئة الخلقية هي أن "أشلي" تعاني من ثبات دماغي، وهو حالة عقلية نادرة غير قابلة للتحسن، وبالتالي فقرار الوالدين هو حقنها بالهرمونات واستئصال الرحم حتى يتسنى لهم صحة فرضية ان تبقى ملاك الوسادة، وبعد ذلك يؤكد الوالدان حبهما لإنسان التجارب بالقول "إن كان القلق يتعلق بانتهاك كرامة الفتاة، فنحن نحتج بتقديم من خلال المجادلة بأن الفتاة تفتقر أصلا إلى القدرة الذهنية التي تمكنها من أن تشعر بأي إحساس بعدم الكرامة" هكذا هي السجايا الغريزية الحيوانية، والحضارة البشرية التي يصنعها البشر في ظل غياب التحكيم السماوي.

أسباب تلك الفوضى الأخلاقية الوبائية يتجلى ويتوثق وينحصر في علة رئيسة تتعلق باختفاء التعبئة الروحية الدينية وتقديسها وهو ما يتضح من الاستفتاء الذي طرحت نتيجته مجلة عالم الديانات الفرنسية حول انحسار الديانة الكاثوليكية في فرنسا وحدها الى نسبة51%.

هناك عراك آخر يدور بشوارعنا الخلفية وتحت أسقف بعض المنازل يجسد أنموذجاً فوضوياً مقلقاً تم استيراده من تلك الذوائق الأخلاقية الفاسدة وفي نفس الوقت يتعلق بأسباب عديدة جدا كانحسار النشاطات الفعالة لخطب المنابر والمحاضرات التوعوية الدينية في المدارس والجامعات وأماكن تواجد طلاب العلوم المتنوعة من جيل الشباب والمراهقين من كلا الجنسين وعدم توافق لغة الإلقاء مع عقلية ونوعية المتلقي.

وبما أن الحديث ذا أصول وفروع متشعبة لا يتسنى إدراجها جميعا فقد آثرت الحديث حول تحجيم الدور الفعلي المؤثر لبعض النخب المؤسساتية الدينية أو حتى على النطاق الشخصي.

فالشواذ وذويقة الخمر وطهاته وأوكار الدعارة ومخلوقات الجنس الثالث وخاطفي المارة من الشوارع والمدارس ،من كلا الجنسين أولاد وبنات من الفئات العمرية المختلفة، وآباء الجيل الجديد ممن تخلوا عن أبوتهم وصبغت أياديهم بلون دم أطفالهم المشع بالبراءة وظهور جرائم السرقة ووجود المخدرات وازدياد نسبة الانحلال الأخلاقي وغير ذلك مما لا يسع ذكره، كل ذلك ليس إلا شيء مما تثير غباره مانشيتات الصحافة المحلية وان كان الذي يستتر خلف كم الرماد والغبار أكثر،ثم يأتي السؤال الذي يحتاج لأجابة: لماذا ترتفع نسبة الفساد والانحطاط الذوقي في بلد يوجد به التحكيم ودستوره يحارب المنكر؟ وبصورة أخرى فقد سألتني إحدى المقيمات من جنسية عربية بقولها : تقولون وطنكم لا يوجد به فساد وأنا رأيت وسمعت، فما كان منى إلا جواب: إن عصر صدر الإسلام شهد الزنا والخمر والسرقة والقتل ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم داوى كل داء بما يطببه ويزيل علته فلا يشرق زمن أو توطأ أرض إلا ويفتح بها سجلات فساد تغلق إما بالقضاء على ذلك الفساد أو أن ذلك الفساد هو من يقضي على الأرض والزمان.

سلك هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البلد هو الدرع الحصين الأقوى الذي يزج في وجه الفساد الأخلاقي من منظور وتوصية سماوية صريحة بأن اصطفاء هذه الأمة ماكان إلا لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، ولكن ما يحدث من تشويه متعمد وارتقاب لتسليط الضوء على عثرات هذا السلك المهم أدى الى تشويه فعلي لصورته الإجمالية في أذهان الناس كما أن عدم الاستفادة من النقد البناء وإبراز دوره الايجابي ساهم في تعالي صوت الخطاب الليبرالي "لحاجة في نفس يعقوب".

هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن النكر ليست سوى مؤسسة مثل باقي المؤسسات واللجان الحكومية كالبلديات ولجنة مكافحة الغش وغيرها، ولكن إدراجها دوما تحت المجهر يجعل إعادة النظر فيها مسألة تحتاج للتفكير حول كيفية الأخذ بيد هذه المؤسسة المهمة نحو الأفضل بدلا من الحد من الصلاحية أو إدراج مقترح لتحويلها الى شرطة الآداب كما في مصر ثم "ليتك يابو زيد ما غزيت".

وبالتأمل مليا في انتشار الفساد وانحسار دور تلك المؤسسة يتضح أن الأخذ بيدها يدعو الى وقفة فعليه لإعادة هيكله تلك المؤسسة بما يتناسب مع أهمية دورها في صيانة المجتمع، فلم اسمع ان مجلس الشورى قد وضع الهيئة ضمن اهتماماته القلبية للارتقاء بها ودعمها وتفعيل دورها وتنظيمها، كما أن الإعلام مقصر في توضيح ما تقوم به من أمر بالمعروف كإغلاق المحلات وقت الصلاة وتعاونهم المتبادل مع الشرطة وعمد الأحياء والإمارات قبل أن تنهى عن المنكر الذي قد لا يحصى عدده لتجدده في كل لحظة زمنية، فالفساد الإنساني مخلوق مع البشر ولا تخلو أرض لم تشهد فساد من وطئها من الأقوام ولكن الدرع العلاجي لا بد من تحديثه وتقويمه للنهوض نحو الأفضل.

@ باحثة طبية - مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث - الرياض

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة