حينما كنّا صغاراً كنّا نردد "يا إلهي" كلما مرّ بنا موقف مدهش.. غريب أو حتى ضائقة؛ نحاكي بذلك ما نشاهده في الأفلام الأجنبية حين يصورون البطل وهو يصرخ قائلاً: (أوو ماي قاد)!.. كبرنا.. وكبرت المواقف من حولنا ومازالت الدهشة سيدة الانفعالات، لاسيما في الشأن المعرفي. لكن لنتأمل.. كم مرة أخذت تقلب كتاباً بين يديك وأنت تردد "يالله"!. متى استوقفتك عبارة شعرت أمامها بالدهشة تعلوك وتحيلك لعلامة تعجب كبيرة! بل دعنا نقلب التساؤل ليكون: كم عدد المؤلفات العربية التي تقلب كيانك حال قراءتها وتضيف لك ولحياتك وفكرك شيئاً حقيقياً ملموساً؟.
إذا كان أرسطو يقول بأن "الدهشة بداية الفلسفة" فهي أيضاً بداية المعرفة بشكل أوسع؛ فالمؤلفات التي لا تستفز الذهن ولا تحفزه؛ لا تضيف للعقل شيئاً ولا للوعي الشخصي أي حصيلة. وحينما لا يشعر الإنسان بالدهشة فهو حتماً لا يشعر بجهله لما يقرأ، مما يعني بالتالي أنه لن يقرأ من شاكلة ما قرأه مرة ثانية!.
ما الذي يجعل بعض المؤلفات العربية تفقد قيمتها المعنوية وتتسبب بأن يفقد القارئ الشعور بالمتعة وبالتالي الدهشة لما قرأ! بل ما الذي يضطر بعض الكتّاب لإصدار عدد كبير من القصص والروايات في أوقات متقاربة وكأنما هو سباق مع الزمن أو تحدي "من ينشر أكثر" دون التأمل في جودة هذا المنشور ومدى تحقيقه للذة الأدبية؟ هل هي نوع من البلادة المعرفية؟ أم هي الغزارة الإنتاجية دون تأمل لقيمة النص أم العيش في عزلة عن المناخ الثقافي العام؟ من المتسبب بفقد الكثير من النتاج الأدبي للمتعة الحقيقية للأدب، دور النشر أم المؤلفون أم القراء الذي اعتادوا أن يسلبوا الدهشة دون أدنى مقاومة!.
1
الأستاذة/ آلاء البراهيم
إن الدهشة هي التي دفعت بالمفكرين الأول كما هو الأمر اليوم، إلى النظر الفلسفي. في البداية انصبت دهشتهم على الصعوبات التي مثلت، الأولى، في الذهن. ثم إنهم بتقدمهم على هذا النحو شيئا فشيئا، سحبوا استطلاعهم على مشكلات أهم مثل الظواهر المتصلة بالقمر وبالشمس وبالنجوم، وصولا إلى نشأة الكون. غير أن المرء الذي يتبين صعوبة و يندهش لها إنما يعترف بجهله الخاص ( لذلك حتى حب الأساطير كان من جهة ما، حبا للحكمة، فالأسطورة نسيج من العجائب ). وهكذا فلما كان هدف الفلاسفة الأول من تعاطي الفلسفة هو التخلص من الجهل، فبديهي أن سعيهم إلى العلم كان لغاية المعرفة وحدها وليس لغاية نفعية. وما حدث في الحقيقة بقيم الحجة على ذلك. فلقد كانت جميع ضرورات الحياة قد تحققت بعد أو كادت وتيسر ما اتصل بها من رفاه ومباهج لما انطلق السعي وراء هذا النوع من المباحث. واضح إذن أننا لا نروم من بحثنا أية مصلحة خارجية. ولكن مثلما يعتبر حرا من يكون غاية ذاته ولا يوجد من أجل غيره، كذلك فإن هذا العلم هو الوحيد، من بين جميع العلوم، الذي يمثل مبحثا حرّا لأنه الوحيد الذي يكون غاية ذاته. mshmsh56@hotmail.com
سعيد الزهراني - زائر
08:25 مساءً 2007/01/08