
أعادت الندوة الموسّعة التي شهدها أخيراً اتحاد كتّاب مصر قراءة أعمال الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ، وذلك على مدار يومين متتاليين في مقر اتحاد الكتاب وفي مقر المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، وقد انعقدت فعاليات الندوة بالتزامن مع انعقاد المؤتمر العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب بالقاهرة. وقد ركزت جلسات ندوة نجيب محفوظ على مناقشة علاقته كمبدع بالتاريخ، والسياسة، والسينما، والمجتمع، والدين، وشهدت العديد من الدراسات والأبحاث الجادة، منها:
"نجيب محفوظ وأدبه الفلسفي" للدكتور عاطف العراقي، "الروائي العالمي" للدكتور حامد أبو أحمد، "أسطورة مصر في القرن العشرين" للدكتور محمد عبد المطلب، "ملامح أدب المقاومة في روايات نجيب محفوظ" للدكتور السيد نجم، "بين التاريخ والدين.. أولاد حارتنا والرموز المثلية" لمحمد قطب، "ميرامار.. البنسيون والرواية" لشوقي بدر يوسف، "الأنثروبولوجي في أدب نجيب محفوظ" لعماد الدين عيسى، "يقظة الأديب وغيبوبة الوطن" للدكتور أبو الحسن سلام، "التحليل الإبداعي للنص الأدبي" للدكتور مصري حنورة، "دلالة المكان في أدب نجيب محفوظ" لجمال عمر، "ماذا فعلت السينما بأدب نجيب محفوظ" لرجب سعيد السيد، "غواية الستر في أحلام فترة النقاهة" لأحمد سعيد.
في دراسته "دلالة المكان في أدب نجيب محفوظ"، يشير الباحث جمال عمر إلى أن الصبغة التأثيرية التي سيطرت على أعمال محفوظ الإبداعية لم تأت ممن سبقوه من الكتاب العالميين، فهو لم يتأثر بإبداع فرد ما ولا بإنتاج مبدع ما، لكن المكان - الحارة هو الذي كان يشغل فكر ووجدان نجيب محفوظ، وهنا تظهر أهمية الخطاب الروائي الأيديولوجي حينما تنبعث رائحة الجمالية وعبق حي الحسين وخان الخليلي وزقاق المدق والثلاثية التي شكلت مساحة مهمة جداً في واقعية أدب نجيب محفوظ؛ والتي تمثل فترة تاريخية أو حقبة مهمة جداً في تاريخ مصر، من بداية ثورة 1919حتى الحرب العالمية الثانية، وبداية الأربعينيات.
ويرى الناقد الدكتور محمد عبد المطلب في دراسته "أسطورة مصر في القرن العشرين" أن نجيب محفوظ هو أسطورة مصر، وأسطورة مدت أبعادها وتأثيراتها إلى العالم العربي والعالم الإنساني، وقد تحققت أسطورية محفوظ من عمره الإبداعي الذي كاد يستغرق عمره الزمني، ذلك أن الأساطير لا تقاس بمساحتها الزمنية، وإنما تقاس بمساحتها التأثيرية، وبقدر اتساع هذه المساحة؛ تزداد قامتها شموخاً يوازي شموخ الآثار الخالدة.
ويقول د.محمد عبد المطلب: إن نمط الحياة، ومكونات الثقافة، كان لهما أثر بالغ في مسيرة نجيب محفوظ، ولا شك في أنهما قد ساعدا على إكساب هذه المسيرة طابعها الأسطوري الذي افترضناه بداية، ذلك أن الأسطورة تكتسب إنسانيتها وعمقها من الواقع الذي تلتحم به أولاً، ثم ترتفع بهذا الواقع إلى منطقة التخيل ثانياً، وسواء ظلت الأسطورة ملتحمة بالواقع أو حلقت به إلى منطقة التخيل، فإنها تحتفظ لأسطوريتها بقدر هائل من الانتظام، أي أن الأسطورة تستحيل إلى بنية نظامية لا تعرف العشوائية، ويستوعب هذا النظام الذات في مسلكها الخاص والعام، ويستوعب مجموع الأحداث التي تعايشها أو تحولها إلى بناء حكائي، كما يستوعب مجموع الشخوص وما يغلفها من أبعاد مكانية وزمانية، والذات المتكلمة تأتي في مقدمة الشخوص المنضوية في بنية النظام. وقد كان نجيب محفوظ (بنية نظامية) في أساسياته وهوامشه، وربما كانت الهوامش أوغل في الدلالة على هذه البنية من المتون.
وبعنوان "الروائي العالمي" قدم الدكتور حامد أبو أحمد دراسة يوضح فيها أن نجيب محفوظ لو كان قد ظهر في بلد غير مصر وظروف مختلفة عن الظروف التي شهدها لبلغت شهرته الآفاق خلال هذه المرحلة الواقعية الأولى، ويقول الدكتور حامد أبو أحمد: إذا قارنا بين محفوظ وبين كتاب الواقعية الأجانب الذين قرأهم وتأثر بهم، فسوف نجد مجموعة كبيرة من النقاط تجمع بينه وبينهم، ومجموعة أخرى كبيرة من النقاط تدل على أن التيارات الحديثة في فن القص قد بدأت تظهر في أعماله منذ أول رواية واقعية، وهي رواية (القاهرة الجديدة)، ثم أخذت هذه التيارات تزداد كثافة ونمواً، حتى بلغت درجة كبيرة في الثلاثية.
وبعنوان "ماذا فعلت السينما بأدب نجيب محفوظ" كتب الباحث رجب سعيد السيد دراسة يشير فيها إلى أنه من العلامات المهمة، والمثيرة للدهشة، في علاقة نجيب محفوظ بالسينما المصرية، سلوكه الفريد مع السينمائيين الذين تعاملوا معه، والذي سن به سنة غريبة؛ حين أعلن أنه غير مسؤول عن العمل السينمائي المأخوذ عن رواياته وأعماله القصصية، فما تصنعه السينما جنس فني مختلف عن الروايات والقصص التي سطرها قلمه، وقد فتح بذلك الباب على مصراعيه لكتاب السيناريو الذين يعطون أنفسهم الحق في تجاوز كل الحدود، وتغيير ملامح الأعمال الأدبية، وأحياناً مسخها، فقد أعطاهم كبير كتاب مصر الرخصة ! ويقول رجب سعيد: لقد قُتلت بحثاً؛ على أي حال؛ قضية العلاقة بين الشريط السينمائي والعمل الأدبي المعتمد عليه، وهي قضية تتداخل في تحديدها عوامل متعددة، منها: قيمة كاتب السيناريو وثقافته وقدراته الفنية، وزمن كتابة السيناريو، ومدى تطابقه أو ابتعاده عن زمن أحداث العمل الأدبي الأصلي.