يتزامن عرض فيلمي (بورات) و(بابل) الآن في دور السينما بأوروبا ويلاقيان إقبالاً جماهيرياً ملحوظاً، ويلخص الفيلمان فكرة المفاهيم المسبقة التي يحملها الأنا عن الآخر، والتي تستفحل مؤخراً مع رعب الإرهاب، وتضخم هويات مقابل تهميش أخرى بل وتجريمها. ولن أتعرض لبورات فهو من نوع الكوميديا الجارحة والتي تفضح بمبالغاتها تصورَنا المسبق عن الآخر القادر في نظرنا على كل غباء، وأركز هنا على الصدمة الجمالية التي أحدثها فيلم بابل وبالذات المشاهد المأخوذة في الجبال المغربية، وتداخل اللغات الأربع: العربية (باللهجةالمغربية الدارجة) واليابانية والمكسيكية والإنجليزية.
تُلَخِّص الزوبعةُ التي يُثيرها اقلاعُ طائرة الهيليوكابتر وهي تغادر بالمواطن الامريكي الأغلى في العالم قصة فيلم بابل للمخرج / المكسيكي (Alejandro Conzales Inarritu). تُغءلَقُ المَشَاهِدُ حيث بدأت الاحداث في الصحراء المغربية، بحر من الوجوه الكالحة في الأسفل لأطفال وشيوخ ونسوة وبيوت طينية متماهية بالرمال، الطائرة تقترب من ذاك البحر مثيرة زوبعة تعصف بالوجوه في الأسفل، القفاطين، أوشحة النساء الملونة، ولحى الشيوخ وشعور الصغار المتربة، مئذنة المسجد الصغير، طوفان غبار يذرو الوجوه الكالحة، ويبهت البدو الذين ينحنون لتلك العاصفة، وينحنون مرة أخرى عند إقلاع الطائرة بمروحتها الجبارة.
أو ربما يتلخص الفيلم بوجه العجوز البربرية التي انفردت في بيتها بالصحراء المنسية بتلك السائحة الأميريكية المصابة، وقد أحال النزف المتجلط العنقَ الناصعة لخرابة جاهزة للتحلل في قيظ الصحراء، بينما يُطل عليها ذاك الوجه المُقَدَّد بأخاديد وعين غائرة لزمن آخر بصمتٍ مطبق مضيفاً لذعر المصابة، بينما وجوه الصغار تتكاثر كغربانٍ على نوافذ الطين ترقب الموت والجرح، لا يُفصح الوجه القديم عن حقيقته إلا حين يتم تقطيب جرح المرأة الامريكية بخيط وإبرة البيطري المغربي الحائلة للسواد، حينها يطفو وجه العجوز بغليونه مُحَرِّضَاً المصابة على عب نفحات من المخدر، وتبدأ اليد العجوز بالتربيت على رأس المصابة بينما الشفاه تتمتم فاتحة الكتاب استشفاءً، لحظتها يتحول الآخر المسخ لصديقٍ يُطبِّب، يتحول من مُفءتَرِس صامت لتعويذة تحمي.
إن لم يجرؤ المخرج ألياندرو فيصف فيلمه بابل بصور أشعة إكس مأخوذة للعالم، فإن بوسعنا القول بأن بابل هو فسيفساء من الوجوه الأسطورية، وجوه طالعة من الجبال المغربية، منحوتة بشظف الحياة، برياحها الصارمة، وجوه تُطل بفضولها المجرد واللامفهوم والمفزع من أعلى الأسوار الطينية، وبطول الأزقة اللانهائية المحفورة في الصحراء، بينما الجريحة تتدلى بين ايدي الرجال كأضحية محمولة لبيت الدليل، تخترق بها الوجوه كغربان في عالم مخفي وراء الفراغ المترقب على خط الأفق، فراغ انبثقت منه رصاصة لاهية من بندقية طفل، لتثير زوبعة أحداث ضربت توابعها المنقذة والمدمرة شرقاً لليابان وغرباً لأمريكا والمكسيك. مثيرة كابوس بابل، أو البرج الذي اتخذته البشرية لاحتلال الفردوس مستمطرة سخط الرب، الذي قضى بأن ينطق كل ضالع في الجريمة بلغةٍ لا يفهمها الآخر، ليتبعثر شمل المجترئين ويتيهوا في الأرض، التي تتحول لصحراء تمحل فيها ذكرى الفردوس ولغة آدم الواحدة.
الصحراء التي تبتلع السياح في المغرب تعادلها الصحراء التي يتيه فيها الطفلان الأميريكيان مع مربيتهم على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، وتوازيهما العزلةُ المُحَاصِرَة للمراهقة اليابانية في مدينة المباني العملاقة طوكيو، لتشير أن البشرية تتحرك في صحراء قاحلة تنبع من قحط الروح.
في مدنية لاهية يُهءمَل فيها الابناء وفي صحراء تحكمها أنظمة دولية صارمة، بوجه لا إنساني، ويُقَيّد الشيوخ بالأصفاد ويركل أجسادهم الذاوية بالأحذية الغليظة ويجرجرهم من شعورهم بلا شفقة، مستجوباً عن قاتل لا وجود له، وعن تنظيم إرهابي يكمن متربصاً في عقل المُدين لا المُدَان.
خضوعاً للتصحر تتحول وجوه السياح لتعادل قحط وجوه سكان الجبال المغربية، لذا فحين يبكي الأب الأميريكي (براد بت) منصتاً لصفاء صوت طفله وهمومه الصغيرة على الهاتف (بعد معاناة النفي ومقاربة الموت) تشعر بوجهه يتكسر كانهيارٍ جبلي، انهيارٍ روحي أمام هذا الذي لا يمكن فهمه ولا التنبؤ به، هذا الآخر الذي احتواه بغرابته، بالرصاصة التي أرسلت الموت وبالعناية التي ردته، بفاتحة تلتها العجوز لتتضافر مع غُرز الطبيب البيطري التي رتقت عنق الزوجة وأنقذتها من موتٍ محقق.
في اختيار البطلة اليابانية من الصم والبكم تركيز للحدث على الوجه، عذاباته وضياعه وعزلته، تجعل الانقطاع المفاجئ في الموسيقى (كما تعيشه هي) انقطاعاً للعالم وسقوطه متلاشياً في جب لا نجاة منه، تجعل من وجه الفتاة قطرة في لوحة من الوجوه الساقطة في تيه المرقص، بقع سواد أشبه بالغربان تفترش ميادين طوكيو وتلتقطها لنا الكاميرا من مشهد علوي، مشهد يترجع في هيئة ناطحات السحاب المضاءة مثل غابة من الحديد والزجاج، غابة بلا قلب يتقلص فيها الوجود البشري ليتحول لنقط مسحوقة، ضائعة، معلبة لا تخترقها روح الآخر.
@@@
(إلى أطفالي الذين يمثلون النور الوحيد في هذا الظلام)، هكذا يُختتم فيلم بابل الذي حاز على جائزة أفضل إخراج في مهرجان كان السينمائي 2006، يقدم المخرج نفسه بقوله إنه الإنسان والفنان ثم المكسيكي، أي أنه يقدم إنسانيته وحرفته كفنان على جنسيته.. ومن هذا المُنءطَلَق اختار لفيلمه اسم بابل، ليُحيل للقصة الواردة في الانجيل ليثير حقيقةَ أننا نتبلبل من جديد، نتبعثر في كرتنا الأرضية، كأناس فقدوا بوصلتهم وغير قادرين على التواصل رغم الانطباع الزائف بأن العالم يتحول لقرية صغيرة نتيجة لوسائل المواصلات وتقنية التواصل المتطورة، بينما في الحقيقة فإن شقة الخلاف تتسع بين الإنسان وأخيه الإنسان، نتيجة لعجز البشر عن التعبير عن ذواتهم والتواصل فيما بينهم على المستوى الحيوي.
يقول المخرج (حاولت أن اشرح ما ينتابنا في اللحظة التي يقع فيها بصرنا على الآخر، نحن دائماً ما نرى في الآخر هذا التجريد، ولذلك فإن كون الآخر مختلفاً صار يعني كونه خطيراً، في الاختلاف خطر يتهددنا، مما يجعلنا غير قادرين على فهم الآخر، وهذا يحدث ليس فقط بين الدول وإنما على المستوى الفردي بين الآباء والأبناء، وبين الأزواج. صرنا غير قادرين على الإصغاء، أردت الحديث عن ذلك، عن الحواجز بين أرواحنا وداخل أرواحنا، والمفاهيم المسبقة التي نسقطها على آبائنا، والنماذج النمطية التي ورثناها عن الشعوب والحضارات وأديانها. حاولت صنع فيلم يتكلم عن الكبرياء الزائفة في وقت فقدنا فيه كبرياءنا).
يقول الياندرو (بالنسبة لي فإن اللغات حاجز يسهل تخطيه، لكن الأفدح منه هو حاجز المفاهيم المسبقة والتي نسقطها على بعضنا البعض كشعوب وكأبناء على الآباء... أردت لهذا الفيلم أن يكون عمّا يُفرِّقنا وعمّا يجمعنا في ذات الوقت، مفتاح الفيلم هو هذا العامل الإنساني المشترك الذي يجعلنا نفس الإنسان بذات المشاعر تجاه المصاعب وظروف الحياة أينما كان وأينما ولد في المغرب أوالمكسيك أو اميريكا... نحن في النهاية بشر مهما تنوعت لغاتنا وجنسياتنا). بمعزلٍ عن المفاهيم المتحاملة التي تقتل إمكانية التواصل بين البشرية، وتؤدي لكوارث كالتي نعيشها اليوم على المستوى الكوني.
المخرج يلجأ لاسلوبه المعروف في رواية "مجموعة أقدار" تتماس كالكلمات المتقاطعة ليعطي لقطات خاطفة للزمن المضطرب الذي نحياه.
وإذا كان هدف المخرج أن يسمح للمشاهدين بالطفو مع المشاعر التي يُثيرها الفيلم، فإنه نجح في حفر وجوهنا بتلك المشاعر، تماماً كما نجح في نحت وجوه ممثليه ليتماهى وجه براد بت برجال الجبال المغاربة والممثلين الصغار مثل بوبكر بارازا الذي يقوم بدور يوسف، وسعيد تارشاني الذي يقوم بدور أحمد، ويجري الدم فيلطخ نصاعة السائحة (كيت بلانشيت) المترفعة على البدو ويُحيلها لقطعة من طين بيوتهم، مغزولة بغبرة الطبيب البيطري وتلاوات العجوز. تبتلع الصحراءُ الشخصيات والمُشاهِد لتُحيلها وجوهاً مقدودة بقحل حجارة جبال أطلس وتربة القرى البربرية المدفونة في الصحراء الكبرى، تكتشف لوجهك نفس الملامح التي تصدمك كبداية للأب المغربي والذي تشعر به منحوتة حجرية من حجارة الجبل، تجلس في قاعة السينما وتمسح عن جبهتك كمية التجاعيد وتغضنات الحياة وعوامل التعرية التي تحفرك من ذات الصخور وذات المعاناة وسوء الفهم، في العتم تلمح يد جارك تمسح جبهته، ويضيف لتغضنات وجوهنا التبلبل الذي يفضحه الفيلم في مفهوم التعايش والتواصل الإنساني. تشعرُ بأنك مُدان ومتورط في ذات الوقت، وأنك هذه اليد التي تضرب، وهذا الشك الذي يحاصر، وتلك القسوة التي تكبل.