
مقالي هذا يستند على ما ورد في المقال السابق عن الشيخ سالف، وهو الشخصية المفترضة الذي نشأ نشأة قاسية ولكنه تخلص من ظرفه القاسي بما تمثله من صفات الشجاعة والكرم فصار علماً اجتماعياً بارزاً بسبب الصفتين هاتين، ولكن بنوه تصوروا مع مرور الزمن والتناسل ان صفات جدهم هي صفات في الطبع والعرق وهي خصائص فئوية نسبوا انفسهم اليها وجعلوها تميزاً وتفوقاً عرقياً وطبقياً. وهذا مثال للتحول من المجتمع الفطري الى الوحدات الفئوية التي تتخذ مسميات عديدة.
ولو كنت أنا من نسل الشيخ سالف الكريم الشجاع لتفاخرت به، وكيف لا أفتخر بجد شجاع كريم، وقد امتلك أهم صفتين تعتز بهما الثقافة وتعلي من حاملهما وتقلل من المقصر فيهما.
ولكن لو كان جدي سالف، وقد افتخرت به وتباهيت، وهذا حق طبيعي وثقافي، إلا أنني لن أنسى أن جدي قد كسب هاتين الصفتين بعمله، ولن أنسى أن هاتين الصفتين هما جزء من قيم ثقافية واجتماعية مشتركة يتساوى فيهما كل من تمثلهما وعمل بهما، وليستا بأي حال من الأحوال صفات عرقية تخص فئة دون أخرى.
حينما أخص هذا بالقول فإنني أشير إلى أن الخطاب النسقي يقوم على افتراضات أهمها نقاء العرق وهذا اللقاء يتمثل في صفات تأتي الشجاعة والكرم على رأسها.
وعلى ذلك قصة رواها لي الصديق الدكتور حمد المرزوقي، وهي عن رجلين من عنيزة معروفين ومشهورين، أحدهما جزار والآخر وجيه قبلي ومن عائلة مهمة، وكان الرجلان صديقين، مع فارق في السن بينهما وفارق في التصنيف الاجتماعي، وكان الجزار في زيارة لبيت صديقه الوجيه ولمح ابنة الوجيه وكانت جميلة وفتية، ففاتح صاحبه للزواج منها، فرد عليه الوجيه معتذراً بكلمات كلها تهذيب وتلطيف، ولكن الجزار شدد في الطلب على الوجيه وأصر عليه لمعرفة سبب رفضه، وحينما أعيت الوجيه الحيلة في صرف صاحبه الجزار، اضطر ان يقول له: يا صاحبي، انتم لا تصلحون لنا ونحن لا نصلح لكم ولا يتناسب بعضنا مع بعض، ورد على سيل اسئلة صاحبه الجزار بأن قال له: نحن شيوخ وأنتم لستم شيوخاً (وشيوخ كلمة تستخدم للإحالة إلى ذوي الأصول القبلية).
لم يقتنع الجزار من هذا القول وظل يناقش صاحبه حتى قال له: ما الفرق بين الشيوخ وغير الشيوخ، وهناجاء التحدي الثقافي الذي يفرض كشف المخبوء النسقي والافتراض العرقي، وصار رد الوجيه بأن قال: نحن القبائل نتميز بالكرم والظفر.
وما كان من الجزار الا ان قال: يا عماه (وكانت تلك كلمته في مخاطبة صاحبه الوجيه)، أما الكرم فأنا أكرم منك. أما الظفر فإني لم أجرب نفسي.
ومرت الأيام حتى جاءت غارة على عنيزة وهب الناس للدفاع عن ديرتهم، وامتطى الوجيه جمله ومعه سيف أخذه من خزانته، وجاء الجزار ومعه ساطور، وهو الساطور الذي يستخدمه في جزارته، وأردف الجزار مع الوجيه على الجمل، وحينما صارت المعركة وحمى الوطيس راح الجزار يضرب بساطوره على رؤوس فرسان الأعداء واحد تلو آخر، يفعل ذلك وهو الرديف على الجمل من خلف ظهر الوجيه، وكلما انفجر رأس فارس من الفرسان بفأس الجزار، لكز الجزار ظهر عمه وقال: هل هذا هو الظفر...؟؟!!.
وتكررت الجملة مع تكرار الفعل وتعدد الرؤوس المجندلة، كل هذا والوجيه لم يستخدم سيفه قط، وكان الساطور هو البطل والحسم.
وعاد المحاربون الى دارهم وقد اكتسب الجزار صفة الكرم، وقد كانت له من قبل، وأضاف إليها صفة الشجاعة (الظفر) وقد ثبتت في الميدان، بينما الوجيه لم يكن له نصيب من أي الصفتين.
أما وقد سقطت الخصائص المفترضة عن الوجيه وثبتت في المقابل للجزار، فهل تغيرت المواقف...!!!
طبعاً لا، لقد ظل الجزار هامشياً وظل الوجيه شيخاً، والغطاء هنا هو العرف الاجتماعي والتمييز الثقافي، وسيظل نسل كل واحد من الرجلين على مقامهما في السلم التقييمي للمجتمع.
لقد حاول الجزار ان يدير الإشكال الاجتماعي هذا عبر المنطق والتمثيل الواقعي، ولم ينجح. وذلك لأن مثل هذه الأمور لا تحل بالمنطق ولا بالحجة، شرعية كانت أو عقلانية، بسبب أنها ترتبط بالصيغ الاجتماعية المتوارثة في أي مجتمع محافظ، وهي تقوم على الاحتكام للعرف الموروث والخضوع التام له بغض النظر عن افتراضية هذا العرف، ولا عقلانيته. والقناعة الفردية هنا لا تكفي لحل المشكل، والناس عادة على مستوى الأفراد لا يستطيعون البرهنة على هذا، كما جرى للرجل الوجيه في قصتنا، حيث لجأ لافتراض صفات حفظها بالتوارث تزعم حصر السمات الثقافية في العرق والنسل. ولقد كانت وظيفة الجزار بما إنه جزار واحدة من الفروق المفترضة حيث يستعيب الشيوخ هذه الوظيفة، ويقللون من شأن صاحبها.
واللافت في هذه القصة ان الوجيه حينما حاصره السؤال عن أسباب المفاضلة لم يجد سوى الإشارة إلى صفتي الكرم والشجاعة، ولم يقل عن أفضلية عقلية ولا تفاضل في الدين ولا تمايز في العدد والمال، لأن هذه كلها ليست شواهد برهانية ويصعب الادعاء بها، فالدين يقوم على مبدأ ان الاكرم هو الأتقى، والعقل شاهد اجتماعي حي فيه تمييز ماثل بين شخص وآخر بناء على سلوك ذهني مكشوف، وليس العقل فئوية، ولا تجد في الثقافة اوصافاً في العقل والدين وتخص قوماً دون قوم، ولكن الوصف الثقافي بهاتين الصفتين هو وصف فردي حيث يشار إلى شخص بعينه ويوصف برجاحة العقل والتقوى، وهو أمر تخصيصي لا تعميمي، أما كثرة العدد والمال فهي شواهد حسية وليست افتراضية ولذا يصعب الادعاء فيها او نسبتها لخاصية عرقية. وهذا ما جعل الوجيه في قصتنا هذه يشعر بالحرج امام محاولة البرهنة على قوله، والحق أنه لم يخطئ في اختيار الصفتين للمفاضلة، فالثقافة تزوده بهذه الدعوى، والأشعار والحكايات تعزز ذلك، وفي ثقافة كل قبيلة هناك مقولة جوهرية عن اتصاف السلالة بالكرم والشجاعة، وهي أهم الصفات من جهة، كما أنها من أخطر المثالب من جهة ثانية، وكل ما في الثقافة من تقاليد ونصوص يؤكد ذلك ويفرضه، ولذا فإن الوجيه نهل من المخزون الثقافي الافتراضي، وهذا ما أغلق عليه أبواب الحجج فلم يجد براهين عقلية أو دينية أو عملية تدعم دعواه، ومع فقدانه للبراهين وسقوط دعواه فإنه ظل على تصوره لنفسه ولنسبه على انهما أرقى من الجزار ولذا امتنع عن تزويجه، وقد يزوج ابنته على رجل أقل من الجزار في الصفات التي تأكدت للجزار هنا، وهو بهذا أرضى نفساً وأسكن خاطراً لأنه استجاب للداعي النسقي ولم يخالف قانوناً ثقافياً يفرده عن قومه ويجعله متمرداً على أنظمة المجتمع.
إن القول بأفضلية فئة على أخرى هو في المقياس المعرفي (مقولة)، والمقولة لا تتضح إلا عبر الصفات ولقد حاول الوجيه ذكر صفتين هما في ظنه برهان، غير أن الجزار أثبت عمومية الصفتين وعدم خصوصيتهما النسبية، وحينئذ اصبحت المقولة بلا براهين، وهذا يجعلها مجرد دعوى تنقصها الحجة ولا تجسدها الصفات، وفي القانون المنطقي أن غير القابل للتجسد في صفات يصبح صورة هلامية غير قابلة للإثبات. وهذا ما أحس به الوجيه ولكنه لم ولن يغير موقفه حتى مع انكشاف حجته، وهذا هو مفعول النسق في قدرته على جعل المرء يغمض عينيه عن كل ماهو عقلي وبرهاني وعملي، ويأخذ بنقيض ذلك كله ولا يجد غضاضة في ذلك، ويكون تجاهل القضية أو فرضها بالجبروت (أعني الجبروت الرمزي) والحل النسقي يكون عادة في مثل هذه الأمور.
ما نتحدث عنه هنا هو تكوين ثقافي عريق في تاريخه وكوني في جغرافيته، وهو ليس عندنا نحن فحسب بل هو موجود في كل الثقافات وفي حقب تاريخية عديدة، وهو موجود ومتأصل في ثقافتنا منذ الأزمنة العربية المبكرة - قبل الإسلام - واستمر على مدى تلاحق القرون يخف احياناً وينشط احياناً اخرى، كما يكمن حيناً وينهزم ايضاً، ولكنه وإن كمن أو انهزم فإنه يجد لنفسه صيغاً اخرى كثيرة، حتى إن تكوين الأحزاب العربية شابته شوائب القبلية والطائفية والعائلية، اكثر مما تطبع بالطابع السياسي المدني، وسنحكي عن ذلك كله في مو اقعه من هذه المقالات - إن شاء الله - .
1
شكرا لك ياكاتبنا العزيز وقد استمتعت بالقصص التي أوردتها حتى ولو كانت لها صيغة فردية يصعب تعميمها.
لك تحياتي الطيبة.
أبو أيمن المقرن - زائر
08:35 صباحاً 2006/11/30
2
شكرالك حتى تأن عادتنا من الهذيان..
شكرا لقلمك الرائع وفكرك المتقن يادكتور، ولو سمحت لي ايها الرجل الفاضل أن أقول: بأن مشكلتنا الأزلية تجاه هذه القضية وغيرها من المعضلات التي نعيشها هي ضحالة الفكر وقلة الوعي وفشل التعليم الذريع في بناء الشخصية والمجتمع والدليل ماثل أمامكم على نحو لا يحتاج الى كثير شرح.. سقوط فكري أدى الى تفشي مختلف أنواع الإرهاب (ديني،أجتماعي ثقافي...) تخلف علمي تخلف تقني... عودة العصبية القبلية في أبشع صورها وكأننا لسنا في زماننا ولا مكاننا وليسنا نمارس اعتقاداتنا ؟ أعيدوا بناء التعليم ومارسوا إحلال الثقافة بدل المعرفة المسطحة الخاوية.. والسلام
أحمد - زائر
01:14 مساءً 2006/11/30
3
قيل لهتلر أثناء حربه مع الحلفاء : إنّ حربك مع الحلفاء ( غير عقلانية ) !
فردّ هتلر : ومنذ متى كانت الحرب ( عقلانية ) ؟!
بتصوري أن ( المسألة القبلية ) هي مسألة غير خاضعة للآليات العقلانية التي تروم تفكيكا للمسألة وتحرير مفهومها. فالقبلية تكاد تكون كائنا مغروسا في النسيج الذهني للمجتمع استمسكتْ منه بعرىً وثيقة عبر آليات المحافظة والتقليد التي وسمتْ مجتمعنا فترة طويلة ولا زالت تفعل !
كل ما أرجوه من مناقشة المسألة القبلية أن نصل إلى تخفيف من حدّة غلوائها وجموحها، وحبذا لو حصرنا مفاهيمها داخل إطار التصاهر والتزاوج، أما غير ذلك فلا أخالنا إلا نحرث في بحر !!
فهد العنزي - زائر
02:36 مساءً 2006/11/30
4
عزيزي الدكتور عبد الله
أعتقد أن الوجيه قد كان يمتلك إجابة أخرى على سؤال صديقه الجزار غير "الكرم والظفر"، لكنه لم يشأ أن يجرح مشاعر هذا الصديق بها ؟
تحياتي
صالح معيض الغامدي - زائر
03:45 صباحاً 2006/12/01
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة