عادت آلة القتل الى بيروت، فنالت من وزير الصناعة الشاب الشيخ بيار أمين الجميل. وذكّرت اللبنانيين بالجرائم الأربع عشرة التي استهدفت شخصيات سياسية وفكرية وإعلامية سقط البعض منها شهداء ونجا البعض الآخر. وتزامن العمل الإرهابي الذي استهدف الوزير الجميل مع إقرار مجلس الأمن الدولي مسودة مشروع المحكمة الدولية المنوي انشاؤها للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وفي الجرائم الأخرى منذ بدء مسلسل الارهاب بمحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة وصولاً الى استشهاد النائب جبران تويني واليوم اغتيال بيار الجميل. وموضوع المحكمة الدولية اليوم، بعد الحرب الأخيرة على لبنان، والتصريحات والمواقف السورية التي صدرت ودعت الى تغيير الحكومة اللبنانية وصنفت اللبنانيين بين وطنيين وشريحة أخرى كبيرة اعتبرتها منتجاً أميركياً اسرائيلياً، ومع اسلوب ايراني في التعاطي مع القضايا اللبنانية يثير الكثير من التساؤلات ويؤشر الى استخدام واضح للساحة اللبنانية في سياق الحسابات والسياسات الايرانية في المنطقة وفي مواجهة المجتمع الدولي حول الملف النووي. ويضاف الى ذلك المواقف الداخلية المتناغمة مع السياستين الايرانية والسورية والتي انقضّت فجأة على الحكومة اللبنانية مصورة إياها أنها حكومة أميركية، ومهاجمة رئيسها ومتهمة أيضاً فريق الأكثرية النيابية والحكومية بالعمالة لأميركا أو لاسرائيل أو للاثنين معاً.
لقد أدى كل ذلك الى انقسام سياسي حاد في البلاد. وغرق بعض القادة السياسيين في مستنقعات الخطاب السياسي المتشنج والتحليلات والمعلومات والإطلالات وانزلق الى مستويات لم تشهدها الحياة السياسية اللبنانية مما أدى الى مزيد من التصعيد والتشنج والاحتقان في البلاد.
فلماذا كل ذلك؟؟ وهل الاغتيال والضغط والتهديد والتخوين والانفعال والتوتر والتلويح بالنزول الى الشارع يحمي "الانتصار اللبناني" في وجه اسرائيل؟؟ وهل يؤدي ذلك الى قيام حكومة وحدة وطنية أم يكرس الانقسام الوطني؟؟ وهل يقود ذلك الى حل للأزمة الاجتماعية الاقتصادية أم الى تفاقمها وحسناً فعلت الهيئات الاقتصادية والمالية عندما دعت الى إضراب عام ولمدة يومين تعبيراً عن رفضها للاغتيال والارهاب والعنف والتهور السياسي والانفعال الذي يؤدي الى تدمير البلاد غير القادرة على التحمل؟؟ وكان الاضراب إنذاراً في الوقت ذاته حول هذه النقطة بالذات. فقد شعر اللبنانيون في الآونة الأخيرة بكثير من الذعر والقلق. وبأن بلدهم متروك يواجه قدره لوحده. في وقت يرون حركة دولية وإقليمية واسعة حول كل الأمور. ولذلك يتطلعون الى الدول الكبرى والى دول المنطقة ويسألون : ما المصلحة في ترك لبنان هكذا؟؟
كلكم يعلم بداية مسلسل الجرائم والقتل؟؟ بعضكم يعرف المتهم. وبعضكم الآخر حاول فتح أبواب له للخروج من هذه الدوامة وفتح صفحة جديدة. وبعضكم الثالث تضرر من سياسات وتصريحات المتهم ومواقفه. والكل يعرف أن لجنة التحقيق الدولية اشارت الى تورط مسؤولين لبنانيين وسوريين وبعضهم موقوف في لبنان والبعض الآخر يجري التحقيق معه من وقت لآخر. وكلكم وافقتم على لجنة التحقيق وبالتالي هي تعمل بناء لطلبكم. وكلكم وافقتم على مبدأ انشاء المحكمة ذات الطابع الدولي تلبية لطلب لبنان. وما إقرار المسودة المشروع اليوم في مجلس الأمن إلا للتأكيد على الالتزام بالقرار وتنفيذه. وبالتالي لم يأت مشروع المحكمة من فراغ. بل استند الى اشياء حسية حظيت بموافقتكم؟؟
إذاً ماذا تقولون وأنتم تعرفون أن الصراع الأخير في لبنان اندلع بسبب إقرار مسودة المحكمة في مجلس الوزراء وكلكم يعرف أن مواقف سورية أعلنت رفض سوريا للمشروع وعدم استعدادها لتقديم أي مواطن أمام القضاء الدولي لأنها تلتزم القضاء السوري؟؟ وكلكم يعلم انعكاسات هذه المسائل على لبنان فإلى أين؟؟
لماذا تتركون لبنان هكذا؟؟ إذ لم يحصل أن سقط في بلد من البلدان هذا العدد من الشهداء النخبة خلال فترة وجيزة وتستمر مطحنة القتل "شغالة" تحصد رؤساء الحكومات والوزراء والنواب والمفكرين والاعلاميين والى ما هنالك.
هل الحسابات الدولية، والمصالح الدولية التي نعرفها أكبر من الحقيقة والقيم والأخلاق؟؟ وهل هذا ما يجب أن تتعلمه الشعوب والأمم من السياسة والعمل السياسي؟؟ أم أن ثمة مكاناً للاخلاق والقيم الانسانية والعدالة؟؟ العدالة التي تكشف الحقيقة للبنانيين بعيداً من روح الانتقام والثأر بل الحقيقة التي تطمئن اللبنانيين وتوحدهم وتضع حداً للاستخفاف بحياة الناس ومصائر الدول؟؟
ثمة قلق كبير في لبنان ومن حق اللبنانيين توجيه مثل هذه الأسئلة الهواجس. وإذا قال أحدهم : إذا لم تفعلوا شيئاً لأنفسكم لن يتمكن أحد من فعل اي شيء لكم فهذا صحيح ولكن هل ثمة صبر وعناد وتصميم وعزم على الاستمرار أكثر مما ظهر من اللبنانيين؟؟ وهل ثمة شيء أغلى من هذه النخب التي قدمها اللبنانيون؟؟ اللبنانيون لم يقصروا لكنهم يشعرون أنهم لا يزالون في دائرة الخطر. وأنا شخصياً قلت وأكرر القول إن الحل بينهم بالحوار الشامل حول كل القضايا. لكنني بت أرى صعوبة كبيرة في لملمة الوضع بعد جريمة اغتيال بيار الجميل الأخيرة، وآمل أن تكون الأخيرة حتى نشر هذه المقالة.
نعم، الصورة قاتمة والخوف عام وهذا يستوجب تأكيداً للوحدة الداخلية، البدء بوقف كل الشتائم والاتهامات من هنا وهناك - ويبدو أن ثمة من لا يريد الالتزام بذلك - والتأكيد على أهمية المحكمة الدولية لردع القتلة والمجرمين سياسياً ومعنوياَ وقضائياً ووضع حد لهذا المسلسل ومناقشة كل القضايا الأخرى للتوصل الى تسوية بشأنها. ويجب أن يترافق ذلك مع حركة عربية دولية تساعد لبنان وأهله - ولم تقصر دول كثيرة في ذلك وعلى رأسها المملكة العربية السعودية - لكن الوضع اليوم أكثر حراجة ويحتاج الى مزيد من الجهد لأن المسألة مسألة وجود ومصير البلد...
وأمام الانفعالات والهيجان والغليان، ثمة من يريد الدفع باتجاه الشارع وتعميم الفوضى وهذا يهدد كل شيء. كذلك ينبغي ألا ننسى ان ما يحيط بلبنان يؤثر عليه وفي ظل الأجواء السائدة فإن مجزرة مدينة الصدر الأخيرة الإرهابية البشعة لا تهدئ نفوساً بل تحرضها وإن كان ليس لبنان ولا اللبنانيون مسؤولين عنها. لكن الوضع حساس الى درجة ان المرء بات يتأثر بكل شيء هنا وهناك.