اختتم المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي أمس أعمال دورته التاسعة والثلاثين التي عقدها تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله وذلك بمقر الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.
وقد خصصت الجلسة الختامية التي رأسها سماحة المفتي العام للمملكة ورئيس المجلس الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ وبحضور معالي الأمين العام للرابطة الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي لتلاوة القرارات والتوصيات التي اتخذها المجلس خلال هذه الدورة حيث دعا المجلس الى العمل الجاد لإصلاح أوضاع الأمة المسلمة وتعزيز وحدتها وأخذ العدة للدفاع عن نفسها وعقد اتفاقات أمنية مشتركة بين الدول الإسلامية لحمايتها من هذه الأخطار مؤكداً على ما صدر في ختام الملتقى العالمي الأول للعلماء والمفكرين المسلمين الذي عقدته الرابطة في شهر ربيع الأول من العام الحالي تحت عنوان (وحدة الأمة الإسلامية) من قرارات وتوصيات ركزت على دعوات الإصلاح في العالم الإسلامي خاصة ما دعا إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - في مؤتمر القمة الإسلامية الاستثنائي الذي انعقد بمكة المكرمة في شهر ذي القعدة من عام 1426ه من السعي الى توحيد صفوف المسلمين والعمل الجاد لإصلاح أحوالهم ودعا المجلس الرابطة الى متابعة القرارات والتوصيات الصادرة عن هذا الملتقى والتعاون مع المنظمات الإسلامية الرسمية والشعبية لتحقيقها.واستعرض المجلس الحملات التي تستهدف الإسلام والمسلمين ودعا الى التأكيد على ما دعا إليه الملتقى الإعلامي المنعقد في رابطة العالم الإسلامي مؤخراً من الواجب الملقى على كاهل الإعلام الإسلامي لمواجهة الافتراءات والأباطيل التي يرمي بها الإسلام وتصحيح الصورة المغلوطة التي يروجها الأعداء ضد دين الله الحق وكتابه ونبيه وتوظيف الإعلام المقروء والمرئي عبر عدة قنوات لهذا الغرض ومطالبة الدول الإسلامية عبر منظمة المؤتمر الإسلامي بالضغط على الهيئات الدولية لسن قوانين دولية تجرم كل من يتعرض للذات الإلهية أو لأشخاص الأنبياء والمرسلين أو الكتب الإلهية بالإساءة أو الإهانة تحت أي مسمى ودعوة المؤسسات الإسلامية الشعبية والرسمية إلى القيام بواجبها في الدفاع عن الإسلام والتصدي للهجمات التي يشنها أعداء الدين وذلك من خلال إصدار البيانات ونشر الاستنكارات وإقامة العديد من الفعاليات الثقافية والندوات والمؤتمرات، وتنظيم حملات واسعة للتعريف بالدين الإسلامي ونشر سيرة نبي الهدى والرحمة محمد عليه الصلاة والسلام.
وشدد المجلس على ضرورة أن يركز الخطاب الإسلامي على إبراز الصور الواقعية لقوة الإسلام في مواجهة التحديات مما يساعد على تثبيت القلوب، والعون على مغالبة التحديات والهجمات الثقافية التي تشن على الأمة ودينها من الفئات المتعصبة والعنصرية الداعية إلى الصراع بين الحضارات، بغية تحقيق انقلاب حضاري على حضارة الإسلام.
وأكد المجلس على أن قضية فلسطين هي قضية المسلمين الأولى وطالب المسلمين وحكوماتهم بدعم صمود الفلسطينيين مادياً ومعنوياً حتى يتحقق لهم النصر وتقام دولتهم المستقلة وعاصمتها مدينة القدس.
وطالب المجلس بالعمل الإسلامي المشترك لمواجهة المخاطر التي تتعرض لها مدينة القدس جراء الأعمال التخريبية التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلية والرامية الى عزلها عن باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة وبالإجراءات التعسفية التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية من خلال جدر الفصل العنصري ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل والتوسع الاستعماري وغلق المعابر بين المناطق الفلسطينية ونبش القبور، وترهيب الأهالي والأطفال منتهكة بذلك القانون الدولي.
ودعا الدول والهيئات والمنظمات الإسلامية والإنسانية والإغاثية الى تقديم المزيد من الدعم المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني لإعانته على مواجهة الحصار الاقتصادي المفروض عليه وانتشاله من الكارثة التي يعيش فيها.وحذر المجلس المجتمع الدولي وبخاصة الدول المحبة للسلام من خطر ترسانة الأسلحة النووية التي تمتلكها إسرائيل مؤكداً أن هذه الترسانة لا تهدد العالم العربي فقط وإنما تهدد العالم بأسره وطالب بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل.وأدان المجلس الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الشعب الفلسطيني الأعزل مطالبا المجتمع الدولي باتخاذ جميع الوسائل للضغط على إسرائيل ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين لا يزالون يرتكبون أبشع الجرائم ضد الإنسانية بقتل النساء والأطفال وزج آلاف من الرجال والنساء في السجون وهدم بيوت وتخريب أماكن عبادتهم وتوطين المهاجرين من دول العالم في المستوطنات الإسرائيلية.
واستنكر المجلس صمت المجتمع الدولي حيال المجازر التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين ومنها ما حدث مؤخراً في بيت حانون بشمال قطاع غزة والتي أودت بحياة (98) فلسطينياً معظمهم من النساء والأطفال وتركت المئات من الجرحى والمعاقين.
ووصف المجلس هذه الأعمال الوحشية بأبشع صور الإرهاب وطالب هيئة الأمم المتحدة وحكومات الدول المؤثرة ببذل الجهود لحماية الشعب الفلسطيني وإنقاذه من العدوان الإسرائيلي على أرضه وشعبه وحث حكومات الدول المحبة للسلام على اتخاذ كافة الوسائل لكبح جماح العدو الإسرائيلي وتوفير الأمن والحماية للفلسطينيين والإفراج عن المعتقلين.وأدان المجلس العدوان الإسرائيلي على لبنان واستنكر الجرائم البشعة التي ارتكبها ضد شعبه حيث أزهقت آلاف الأرواح من الأطفال والنساء والشيوخ وأهلكت الحرث والنسل ودمرت البنى التحتية وشردت الآلاف وتركتهم بلا مأوى.
ودعا الأطراف اللبنانية إلى الوقوف صفاً واحداً أمام المخاطر الموجهة ضد لبنان ووحدته واستلهام التوجيهات الربانية التي دعت إلى نبذ التنازع والاختلاف {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} مطالباً الدول والهيئات والمنظمات الإسلامية والإغاثية بتقديم المزيد من الدعم المادي والمعنوي للشعب اللبناني لإعمار المرافق التي هدمت بسبب العدوان.
وطالب المجلس حكومات الدول الإسلامية بالسعي إلى إعادة الحياة إلى طبيعتها في العراق وتحقيق الوحدة للشعب العراقي لينضم الى ساحة العمل الرشيد ضمن منظومة الدول الإسلامية.وأكد على ضرورة معالجة مشكلات العراق بالحكمة والسعي للحفاظ على وحدة شعبه وأراضيه وتقديم الدعم المعنوي والمادي والإغاثي، له والعمل على إعادة إعمار مؤسساته.
وأدان الأعمال الإرهابية التي تمارس ضد الشعب العراقي الأعزل ومؤسساته الرسمية والشعبية وأماكن العبادة مطالباً جميع الفئات بوقف أعمال العنف وحقن الدماء حتى يتحقق الاستقرار والأمن للعراق ويتم سحب القوات الأجنبية من أراضيه.
ودعا المجلس كافة أفراد الشعب العراقي الى نبذ الفرقة والاختلاف والاقتتال وتحكيم العقل والحكمة في تعزيز وحدة العراق وإقرار السلم والأمان وأشاد المجلس بالجهود التي بذلتها منظمة المؤتمر الإسلامي في التوفيق بين القيادات الدينية العراقية.
وحث المجلس حكومات الدول الإسلامية على استخدام نفوذها للسعي إلى عودة الأمن والاستقرار في ربوع أفغانستان التي أنهكتها الحروب وأهلكت فيها الحرث والنسل.
ودعا الشعب الأفغاني الى توحيد جهوده وتعزيز وحدته ونبذ العنفف والاختلاف حتى يعم الأمن والسلام في ربوع أفغانستان ويتم خروج القوات الأجنبية منها.
وطالب الدول والمنظمات الإسلامية بدعم الشعب الأفغاني المسلم مادياً ومعنوياً وتقديم الخدمات الإغاثية والإنسانية له كما طالب المؤسسات الخيرية ببذل جهودها لإيصال هذه المساعدات بالسبل الممكنة للشعب الأفغاني.
وأكد المجلس على قراراته السابقة التي صدرت بشأن قضية المسلمين في الفلبين والتي دعا فيها إلى تنفيذ الاتفاق الموقع عام 1996م والذي ينص على منح المسلمين كافة حقوقهم الدينية والوطنية.
ودعا المجلس منظمة المؤتمر الإسلامي لمتابعة جهودها في هذا الصدد من خلال الاتصالات الدبلوماسية وشكر المجلس الأمانة العامة للرابطة على ارسالها وفداً لزيارة الفلبين للاطلاع على أحوال المسلمين وتلمس حاجاتهم موجهاً نداءه للمنظمات الإسلامية والمؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي للاستمرار في تقديم المنح الدراسية لأبناء الفلبين للدراسة في الجامعات الإسلامية وتقديم الدعم المادي للمساجد والمدارس والمؤسسات الإسلامية، حفاظاً على هويتهم الإسلامية وإسهاماً في معالجة آثار النشاط المعادي للمسلمين.وطالب المجلس المجتمع الدولي بالعمل على إيجاد تسوية شاملة للقضية القبرصية واتخاذ خطوات عاجلة لإنهاء مشكلة القبارصة المسلمين، ومطالبة اليونانيين بقبول حل شامل للقضية على أساس إقامة دولتين متساويتين ضمن دولة مركزية واحدة وحث الدول والمؤسسات الإسلامية على تطوير العلاقات الثقافية والاقتصادية والتعليمية مع القبارصة المسلمين وزيادة المنح الدراسية لهم في الجامعات الإسلامية.
وطالب المجلس جميع الأطراف المتناحرة في الصومال بوقف الاقتتال ومواصلة الحوار الوطني لإنهاء الصراع والعمل على وحدة الأراضي الصومالية.ودعا المجتمع الدولي وبخاصة الدول الإسلامية إلى تقديم الدعم المالي والإغاثي العاجل للشعب الصومالي الذي يعاني من الفقر والمجاعة وحث الدول المجاورة للصومال على عدم التدخل في شؤونه الداخلية.
وأعرب المجلس عن بالغ قلقه للأوضاع المتردية التي يعاني منها المسلمون في المنطقة الشرقية من سيريلانكا وتشريد آلاف من المسلمين من منازلهم ودعا حكومة سريلانكا إلى دعم المسلمين في الإقليم الشرقي والوقوف معهم وحث الهيئات الخيرية على تقديم المساعدات العينية والمادية للمنكوبين من المسلمين جراء الفيضانات المدمرة التي اجتاحت مناطقهم في المحافظة الشرقية من سريلانكا.
ودعا المجلس الحكومات الإسلامية إلى توثيق علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية مع الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى وطالبها بدعم تلك العلاقات وتنميتها وإنجاز برامج ثقافية مشتركة تشارك فيها الشعوب والمؤسسات العاملة في مجال الثقافة والتعليم وأثنى المجلس على جهود الرابطة التي أثمرت عن تنظيم المؤتمر الدولي الذي عُقد في قيرغيزستان بعنوان: "مسلمو آسيا الوسطى وأثرهم الحضاري" بالتعاون مع الإدارة الدينية.وأعرب عن الأمل في أن يكون هذا المؤشر نواة لمؤتمرات إسلامية في المستقبل في جمهوريات آسيا الوسطى وطالب المجلس الأمانة العامة للرابطة والمنظمات الإسلامية ببذل المزيد من الجهود لتوثيق التعاون بينها وبين المؤسسات والجامعات الإسلامية هناك وخاصة في مجال مناهج التعليم الإسلامي مما يسهم في تحصين الأجيال المسلمة وحمايتها من مزالق الإفراط والتفريط في الدين والعمل على نشر كتاب الله العظيم وترجمات معانيه وإقامة المساجد والمدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية وعقد دورات تأهيلية للأئمة والخطباء والدعاة.وحث المجلس كافة المنظمات والهيئات الإسلامية على متابعة النشاطات المعادية للإسلام هناك والعمل على التحذير منها والاستفادة من الوسائل الإعلامية الحديثة لنشر الوعي الديني بين أوساط المسلمين ومخاطبة الجهات التعليمية في البلدان الإسلامية بزيادة المنح الدراسية لأبناء الجمهوريات الإسلامية في الجامعات الإسلامية وزيادة عدد المرشحين من أبناء الجمهوريات للدورات الشرعية في معهد إعداد الأئمة والدعاة التابع للرابطة.
كذلك ناقش المجلس أوضاع المسلمين في كشمير والشيشان وتركستان الشرقية وبورما واتخذ التوصيات المناسبة لمساعدة هذه الشعوب وإغاثتها.وأكد المجلس على أهمية العمل الإسلامي المشترك وعلى ضرورة تضافر الجهود والتعاون البناء بين الجهات العاملة في الساحة الإسلامية وتعزيز التواصل والتنسيق.
ونبه إلى أن الأوضاع الراهنة التي تعاني منها الأمة والتغيرات العميقة التي تتسم بها طبيعة المرحلة الحالية لا تحتمل أي تفاعل أو تهاون في الالتزام بهذا المبدأ وناشد الجميع بدعم عرى التعاون البناء والسعي إلى إقامة تعاون مشترك مع مختلف المؤسسات الإسلامية وتبادل الخبرات والمعلومات فيما بينهم.
وأثنى في هذا الصدد على جهود الرابطة الحثيثة في مجال تنسيق العمل الإسلامي المشترك التي توجت بإنشاء هيئة التنسيق العليا للمنظمات الإسلامية ودعا المجلس مختلف المنظمات الأعضاء في الهيئة إلى تحمل مسؤوليتهم وتعزيز التعاون فيما بينهم والالتزام بالمبادئ التي دعت إليها الهيئة حتى يؤتي العمل الإسلامي ثماره.
وأهاب ببقية المنظمات والمؤسسات الإسلامية بالتواصل معها من أجل توحيد الجهود ودعم سبل التعاون والتفاهم لخدمة دين الله وإعلاء كلمته ودعا الهيئات والمنظمات الإسلامية والجمعيات العاملة في قطاع الإغاثة إلى تنسيق جهودها الموجهة للأقليات المسلمة خاصة فيما يتعلق بدراسة أحوالهم وإعداد بيانات عن مؤسساتهم من المساجد والأوقاف والمدارس الإسلامية وتبادل المعلومات والخبرات من أجل تحسين أوضاع تلك الأقليات والتواصل مع المراكز والجمعيات التي تعمل هناك وتبصيرهم بما ينبغي عمله في هذه المرحلة التي أصبح الإسلام يتعرض فيها للتشويه والطعن من قبل الوسائل الإعلامية في دول الأقليات.
ورفع أعضاء المجلس الشكر والعرفان لحكومة المملكة العربية السعودية وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود على دعمها المادي والمعنوي المستمر لرابطة العالم الإسلامي والهيئات التابعة لها وعلى كرم الضيافة وحسن الرعاية التي قوبلوا بها في هذا البلد الكريم.