الرئيسية > مقالات اليوم

نبض الكلمة

تعمير المساجد وتعمير الأنفس


شريفة الشملان

مساجد جميلة، أنيقة واسعة، تشرح القلب، تتكاثر تكاثراً كبيراً، ترتفع المآذن التي تردد (الله أكبر) في كل مكان، تتشابك الآيات وقت الصلاة، كل مئذنة، تتطاول صوتاً على الأخرى.. صار في الحارة الصغيرة من سبعة لثمانية مساجد.

{وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} . هو ذاك، الله أكبر ولا إله إلا الله..

مساجد كبيرة مزخرفة، مساجد تنبهر بها، وبألوانها وقبابها، وتقف عند القباب، لماذا لابد للمساجد من قباب..؟!!

لا أملك تاريخاً للقباب، ولا من أين أتت، لكن الذي أعرفه أن أحد أسباب بناء القباب أنها تبنى على الأضرحة. وإذا كان هناك قبة فيعني هناك ضريح في داخل المسجد.. وهناك كثير من المذاهب لا تجيز الصلاة في مسجد به ضريح إلا المسجد النبوي صلى الله وسلم على صاحبه وآله وصحبه.

القباب التي على المساجد حالياً هي زيادة أصبحت من خصائص المسجد، وما هي من المساجد بشيء.. بحيث أصبحت زيادة لا حاجة لها، وإنفاقاً كان أولى أن يذهب لمحتاجيه من المسلمين.

عند وفاة شخص عزيز أول ما يفكر ذووه بناء مسجد، مسجد يرتفع به ذكر الله عز وجل، وعلى بابه أو بقرب الباب لوحة تقول إنه مسجد فلان، فيخلد اسمه، ويدعو له من يصلي به.. كذا غالبا ما يوصي الشخص بثلث ماله بعد وفاته لبناء مسجد.

مهمة المساجد مهمة كبيرة وكثيرة، وهي تأدية الصلاة بأوقاتها، خمس مرات في اليوم المفروض أن يلتقي سكان الحارة نفسها. يعرفون أخبار بعضهم البعض ويتفقدون أحوالهم. وقد تكون هناك أمور مشتركة تتعرض لها الحارة فيتمكنون من مناقشتها. لكن ذاك المطلب لا يتم عندما تتكاثر بهذه الطريقة..

بحيث يكاد يكون لكل مجموعة بيوت مسجد خاص بهم، ناهيك أن أغلب أهل المكان لا يؤدون الصلوات الخمس كلها بنفس مكان سكناهم، حيث ثلاث منها تؤدى في أماكن عملهم أو في الأماكن التي يتواجدون بها في وقت الصلاة، كصلاة الظهر والعصر.. كما أن حرمان النساء من دخولها قلص نصف مرتاديها أصلا.. ويكفي أن نلاحظ ذلك في صلاة التراويح والقيام برمضان، حيث لا نعاني كنساء من ضيق المساجد بدليل أن المكان سيكون فارغاً طوال العام.

إن تكاثر المساجد وعلو المآذن شيء رائع وجميل، ولكن تكاثرها بالشكل الحالي يتم على حساب حاجات أكبر للمسلمين، ومنها عمل مصانع أو عمل مساهمات في مشاريع صغيرة للشباب، ولنا أسوة بمشروع عبداللطيف جميل لمساعدة الشباب على العمل المثمر وتسليفهم بلا أرباح، وقد شاهدنا ذلك بأنفسنا. وكذلك يشرفنا أن مسلماً من بنغلاديش فاز بجائزة نوبل عن فكرة بسيطة وهي تسليف الفقراء بلا أرباح، والفقراء ردوا له الجميل، فلم يأكلوا الدين ويشربوا فوقه مشروباً غازياً، بل يعيدونه ليعود فيقرضه لآخرين فتعمل أياد وتُطعم أفواهاً. وهذا الشيء هو الذي أراده المشرع عز وجل بجانب العبادات، وجعل الزكاة ركناً أساسياً من أركان الإسلام، كذا عز وجل شرع إطعام المساكين كفارة عن اليمين، وكذا من لا يستطيع الصيام يفطر مسلما، وبعد الصيام زكاة الفطر.. في كل كبد رطبة أجرا: دخلت فاجرة الجنة لأنها سقت كلباً عطشاناً، ودخلت عابدة النار لأنها حبست قطة، فلم تطعمها ولم تطلقها لتأكل.

ولأن الإسلام يقدس الحرية، فقد جعل كفارة للأمور الكبيرة عتق رقبة.. هذا الزمن لم تعد به عبودية واضحة، لتعتق رقبتها، لكن هناك عبوديات كثيرة قد تتساوى مع عبودية الإنسان الفرد للإنسان الفرد.

هذه المساجد عموماً بحاجة لمن يعمرها، وتعمير المساجد لا أظنه يقف عند بناء المساجد وزخرفتها، ولكن يعني أن تعمر بذكر الله عز وجل فيعمرها عباده، وهؤلاء العباد الصالحون، يعمرونها بالذكر والدعوات. ماداموا قادرين، وماداموا شبعانين من طعام ومن كساء يليق بالمساجد.. هناك الكثيرون الذين لا يجدون ما يليق بالمسجد، وهي مشكلة لم تعد خافية على أحد والمشاريع التي تبذل لمحاربة الفقر تحتاج لتوعية وقوة إرادة، وهذه القوة تحتاج لمن يعمل من أجلها ويؤسس لها.. فالفقر مشكلة ليس علاجها طعاماً ليوم أو يومين، لكن علاجها متابعة وبذل، ومن هذا البذل، البذل المادي، ويتم اما ببناء مشاريع صغيرة كالمصانع والورش وما إليه وموزعة بحيث يستفيد منها عدد كبير من الناس ولها مجلس ادارة ينظمها ويشرف عليها أو بالطريقة التي عملها عبداللطيف جميل، وعلى أشمل وأوسع عملها الأستاذ الجامعي البنغلاديشي صاحب نوبل للخدمات الاجتماعية..

أخيراً عتق الرقاب إنقاذها من العوز وذل الحاجة بالعمل.. أترى هل ينقذ محسنونا رقاب الفقراء.. ويعلمونهم كيف يزرعون القمح، لا كيف يأكلون الخبز؟؟!! فيعمرون المساجد بذكر الله وحمده وشكر نعمه، والدعاء لمن ساعدهم فأنقذهم من ذل الحاجة والسؤال؟..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 8

  • 1
    ببساطة القباب كانت مهمتها مهمة الميكرفون , فعند القراءة تحت القبة فإن الصوت يصدر بشكل أعلى من صوت الإمام وبشكل يوحي بأن الصوت يصدر من كل الجهات.

    بن ظافر - زائر

    11:55 صباحاً 2006/10/29


  • 2
    كل عامٍ وأنتم بخير...
    كل عامٍ والحبر يسري في يراعاتنا نقياً شفافاً مخلصاً واعياً...
    كل عامٍ وبيادرنا تزخر بسنابل الأفكار...
    بأكوامٍ من سنابل حنطةٍ غيرِ ملوثة...
    بسواعدَ سمرٍ تذرو الحصاد في وجه الريح لتنقيه من شوائيه...
    وعباءاتٍ تدور حول البيادر تحرسها...
    تزغرد وتملأ المكان بهجةً وفرحاً...
    تنقل الحَبّ للطواحين وتصنع منه طعاماً لأطفالنا...
    كل عامٍ ورؤوسنا معمورةً بمحبة الرحمن الرحيم...
    مطهرةً من كل كبر وخيلاء...
    كل عامٍ ومساجدنا مفروشةً بتراحمٍ حقيقي...
    مضاءةً بأنوار لا تقلب الألوان...
    وحناجر تنثر المحبة والقول الحق...
    كل عامٍ وهويتنا صامدةً في وجه الأعاصير...
    وثقافتنا مدللةً ناعمةً لا تخدش حياءً...
    ولا تستبيح حرمةً...
    ولا تعزز تخلفاً أو إنكفاء...
    كل عامٍ وعقولنا مستنيرةً مستيقظةً...
    عاملةً..نافعة...محملةً بالهمة...
    مبادرة...مستقرةً في جماجمنا...
    ودماءنا تسري في عروقنا أبيةً...
    كل عامٍ ودروب أطفالنا محفوفةً بفلسفة الحياة والأمل...
    كل عامٍ وتوازننا بخير...
    لا نميل حيث الرياح تميل...
    كل عامٍ ودماءنا عزيزة علينا...
    وحرماتنا مصانة...
    وأوطاننا لنا...
    كل عامٍ والجميع بألف خير..

    تيسير حامد - زائر

    12:14 مساءً 2006/10/29


  • 3
    كل ما ذكرتيه صحيح...احيانا"يلزم الميت اهل بيته بوصيه...ربما لو وصى خير منها افضل كبناء مسجد ولو قال زوجو احد الشباب او اقيمو مشروع ناجح...او يشترى بها منزلا"لاارمله..
    المفروض يكون عند الاوقاف تنسيق لمثل هذه الامور...التنسيق الذي ننادي به في دوائرنا العزيزه...ويحدد مساحة المساجد في الاحياء ويحدد المبالغ التي توضع عليها ويحدد عددها والمسافات المتريه الموجوده بينها.
    لابد ان يكون للاوقاف نظرهوتنسيق في ذلك فطلبات الناس وبذلهم لابد ان يوافق واقع للاستفاده من المحسنين وصرفها با الشكل المطلوب

    اريج - زائر

    01:03 مساءً 2006/10/29


  • 4
    كل عام وانتم بخير.السيده الفاضله تحيه طيبه وبعد.مشكلتك في كتاباتك انك ما تتركين لنا فرص للتعليق فانتي تلمين بالموضوع اللي تكتبين عنه من جميع الجوانب.جزاك الله عنا خير الجزاء.
    fahhooody@hotmail.com

    فهووودي عنيزه - زائر

    03:53 مساءً 2006/10/29


  • 5
    انتشر استخدام القبب في المساجد عند المعماريين الأتراك في زمن الدولة العثمانية, ولم يكن وجود القبب عبثا او ترفا كما يظن البعض, بل كان وجودها لأسباب هندسية بحتة وذلك كحل انشائي لتغطية سقف المساحات الكبيرة التي لايمكن تغطيتها بالوسائل المتاحة في ذلك الوقت مثل جذوع الأشجار, واصبحت القبة من ابرز رموز العمارة الإسلامية والتي لايقتصر استخدامها في المساجد فقط بل تستخدم في مختلف انواع المباني, واصبح استخدامها في الغالب لأسباب جمالية وليست وظيفية كما في السابق.
    ولا يعني وجود قبة ان يكون هناك ضريح ولا يوجود اي ارتباط او تلازم بينهما كما اشارت الكاتبة, والواقع في كثير من المساجد يشهد بذلك.
    وفي العصر الحالي يمكن الإستغناء عن القبب باستخدام انظمة البناء الحديثة من الخرسانة المسلحة او الهياكل المعدنية.
    hatam-sa@hotmail.com

    م.حاتم - زائر

    07:55 مساءً 2006/10/29


  • 6
    * شكراً على تعليقك المفيد، باعتبارك متخصص بالتأكيد، ومثقف أيضاً.

    مجدى شلبى - زائر

    10:05 مساءً 2006/10/29


  • 7
    بسم الله..
    السلام عليكم..
    كل عام وانتم بخير..
    شكرا للكاتبه على هذة المقاله الرائعه والتي وبلا شك تمس فهم الكثير من المسلمين للوقف والفاضل منه والمفضول..
    اسمحي لي يااختي الكريمه بتصحيح العبارة التي اوردتيها في مقالتكي والتي قلتي فيها..
    (( وهناك كثير من المذاهب لا تجيز الصلاة في مسجد به ضريح إلا المسجد النبوي صلى الله وسلم على صاحبه وآله وصحبه. ))
    وهذا الامر غير صحيح البته..
    فالامر هنا فيه خطئين هما..
    الاول / كلمه لا يجب ان تقال في حق قبر رسول الله صلى الله علية وسلم..
    لان الضريح هو ما يبنى من هيكل او ماشابه على القبر وهذا غير معمول به على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
    الثاني / من قال بأن قبر رسول الله داخي في المسجد النبوي ؟
    فمن رأى المسجد النبوى من الاعلى ( شكل السطح ) يراة على شكل مستطيل غير كامل في احد اضلاعه..
    بمعنى ان الفبر اخرج من المسجد..
    فلي داخله بل في طرفه..
    ولكم ايها الاعزاء ان تتحققو ا...
    اما ماقالته الاخت الكريمه ان صرف ما يكلفه بناء المسجد من اموال في توظيف الشباب او عمل مصانع...
    فهذا غير صحيح..
    والصحيح هو تشجيع الناس وبخاصه اصحاب الملايين والمليارات بصدقه ( ابن السبيل )
    والتي وللاسف اهملت من قبل الناس وعلى راسهم التجار
    فرحم الله الشيخين ابن باز وابن عثيمين حينما افتيا بجواز اخراج الزكاة لمن اراد الزواج من ابناء المسلمين ولا يقدر على مؤونه الزواج..
    افتيا بذلك لدخولهم تحت ( ابن السبيل )
    فالواجب علينا كمسلمين عدم الانصراف عن بناء المساجد...
    بل تقدير الحاجه يقدرها..
    فمسجد يكلف مئه الف ريال مثلا..
    لما لانقوم بضغط التكاليف للسبعين الف ريال.
    وثلاثون نجعلها لابن السبيل ؟
    واعتقد ان مايخدم الناس في تيسير حياتهم
    يدخل تحت بند ( ابن السبيل ).
    السلام عليكم

    محمد القصيمي - زائر

    11:06 مساءً 2006/10/29


  • 8
    شكراً للدكتورة شريفة هذا المقال..
    وقد قرأت للأستاذ فارس بن حزام مقالاً فيه نفس الأفكار وعلى نفس الخط الذي أؤيده قبل أسبوعين.
    شكراً

    أبو عبداللطيف - زائر

    06:53 صباحاً 2006/10/30



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة