
لقد أُجريت دراساتٍ كثيرة عن الرُهاب الاجتماعي، خاصة في العقد الأخير من القرن الماضي وبداية القرن الحالي. كانت مُعظم هذه الدراسات تبحث في العلاج والمآل لهذا الاضطراب الذي يُعد واحداً من أكثر الاضطرابات انتشاراً في العالم، وواحدٍ من أكثر الأمراض النفسية شيوعاً بين الشباب على وجه الخصوص. في الولايات المُتحدة الأمريكية يُعتبر الرُهاب الاجتماعي المرض النفسي الثالث من حيث الانتشار بين عامة الناس بعد الإدمان على الكحول والاكتئاب، وفي استراليا كانت نسبة الرُهاب الاجتماعي أكثر من 11% بين الشباب في سن الثامنة عشرة.
في المملكة العربية السعودية ربما يكون الرُهاب الاجتماعي أكثر الاضطرابات النفسية انتشاراً بين الشباب والبالغين في مُقتبل العمر. رغم انه ليس هناك إحصائيات دقيقة حول هذا الأمر إلا أن ملاحظات جميع العاملين في مجال الصحة النفسية في المملكة العربية السعودية، سواءً من المواطنين أو العاملين غير السعوديين، وطالب الكثيرون بأن تُجرى دراسة مسحية لهذا الاضطراب الذي لا يكاد يمر يوم عليّ شخصياً إلا وأرى في العيادة شخص أو أكثر يُعانون من هذا الاضطراب.
من أجل ذلك قامت مجموعة من جامعة براون (كلية الطب) وكذلك مستشفى بوتلر في رود ايلند بدراسة بدء المرض والعوامل المساعدة في تطوّر هذا المرض.
الدراسة شملت أهم الأعراض التي يبدأ بها المرض، وما هي أكثر الأعراض التي تكون ذات علاقة طردية في شدة المرض.
نتائج الدراسة كانت تتفق مع بدء المرض كما جاء في الدراسات السابقة، فالمرض يبدأ في سنٍ مُبكرة حيت يتراوح ما بين الثالثة عشرة والسادسة عشرة. في المملكة العربية السعودية كانت دراسة أجراها كاتب المقال ونُشرت في المجلة السعودية للأطباء (Saudi Medical Journal) بينت أن بدء المرض عند السعوديين هو 15عشر عاماً.
وقالت الدراسة إنه كلما كان بدء المرض مُبكراً، كلما كان مآل المرض أسوء، أي أن الشخص الذي يبدأ عنده المرض في الثامنة من العمر يكون نسبة شفائه اقل من الشخص الذي يبدأ عنده المرض وهو في سن الثامنة عشرة أو العشرين. وكذلك تأثير البدء المُبكر للمرض يتناسب طردياً مع شدة المرض وآثاره السلبية على جميع مناحي حياته. فقد لا يستطيع إكمال دراسته، وقد لا يستطيع الزواج وكذلك ربما لن يستطيع العمل وكذلك يعيش حياة اجتماعية فقيرة بالأصدقاء والمعارف، وربما عاش انطوائياً. وهذا أمرٌ شاهدته شخصياً مع مرضى في مدينة أدنبرة. فقد كان أحد مرضاي الذين شاركوا في البحث الذي أجريته في الدراسة المُقارنة للرُهاب الاجتماعي بين المملكة العربية السعودية واسكتلندا، حيث كان هناك مريض لا يخرج من المنزل بشكل شبه تام. حتى أن المساعدة التي تصرفها الدولة للمرضى النفسيين، لا يستطيع هذا المريض أن يذهب إلى البريد لإستلام هذه المساعدة، وكان شقيقه هو الذي يذهب لإستلام هذه المساعدة، ويقوم بشراء جميع ما يحتاجه شقيقه، الذي كان لا يفعل شيئا سوى القراءة والتي كان شقيقه يزوّده بكتبٍ كثيرة يقرأها بنهمٍ كبير، وهذا ما جعل منه قارئاً جيداً لديه معلومات عن معظم ما يدور في العالم.. ورغم ذلك فإنه لا يستطيع الذهاب حتى إلى البقالة القريبة من منزله لشراء علبة حليب أو خبز عندما يتأخر شقيقه في إحضار المواد الغذائية له..! هذا الشاب بدأ عنده المرض في سنٍ مبكرةٍ جداً، حيث حسبما يتذكر بأنه منذ السادسة من عمره كان طفلاً خجولاً بشكلٍ مرضي، لا يستطيع أن يتكلم مع أحد في المدرسة أو خارجها..! وكان لا يُغادر المنزل إلا نادراً وبصحبة والدته التي كانت تعتقد بأن هذا الأمر ليس سوى خجل طفولي ينتهي مع الوقت، ولم تكن تعرف بأنه مرضٌ عضال أعاق ابنها وجعله حبيسا المنزل، حيث لم يُكمل دراسته ولم يبحث عن وظيفة، وبتقرير طبي حصل على المساعدة التي تُقّرها وزارة الشؤون الاجتماعية لمن هم في مثل حاله.. وبالطبع لا يُفكّر في الزواج إطلاقاً، فكيف يتعرف على امرأة وهو لا يُغادر منزله، في مجتمعٍ يعتمد الزواج فيه على بناء علاقات عاطفية قبل الزواج..! سيدةٍ أخرى اضُطررت للذهاب لها في منزلها، لأنها لا تُغادر المنزل بينما يقوم زوجها بكل شيء من شراء أغراض المنزل إلى رعاية الأطفال بينما هي لا تستطيع أن تقوم بأي عملٍ به علاقة مع الآخرين..!
هاتان الحالتان تؤيد الدراسة التي أشرنا إليها والتي نشرت في مجلة طبية نفسية متخصصة هذا العام (Journal of Psychopathology and Behavioral Assessment 2006).
هذه الدراسة أيضاً ربطت عدم الاستجابة للعلاج السلوكي المعرفي وكذلك العلاج الدوائي للأشخاص الذين يُصابون بالرُهاب الاجتماعي في سنٍ مُبكرةٍ. وقال الباحثون بأن عدم الجرأة والخجل الشديد يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بمرض الرُهاب الاجتماعي، وإن الخجل الشديد المرضي في سن الطفولة يُعتبر واحداً من أهم العوامل التي تُرسّب المرض بشكلٍ شديد، لذلك أوصت الدراسة بأن يتنبّه الأهل إلى الخجل المرضي عند أطفالهم حتى ولو كانوا في سنٍ صغيرة، وتشجيعهم على المبادرة والتخلّص من الخجل بصورةٍ واقعية.. صحيح ان الأمر يتطّلب جهوداً كبيرة من الأهل وربما مسُاعدة أشخاص مُتخصصين ولكن هذا الجهد يساوي المردود الذي يجنيه الطفل إذا تم البدء في التعاطي مع مشكلته من سنٍ صغيرة.. وهذا للأسف ما ينقص جميع الأهالي الذين قد لا ينتبهون إلى الخجل المُفرط عند الصغار.. بل إن بعض العائلات تُشجّع الخجل وتصفه بصفاتٍ حميدة خاصة عند الفتيات وهذا أمرٌ سلبي.. إذ يجب على الأهل تعويد الأبناء والبنات على الحديث والاختلاط بالآخرين وعدم زجرهم عند مُخاطبة الكبار، بحجة أن الكبار يجب أن لا يُرد عليهم..! إن مثال عبدالله بن الزبير - رضي الله عنه - الطفل الصغير الذي بقي بعد أن هرب الأطفال عند رؤيتهم للخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعندما سأله عمر بن الخطاب عن سر بقائه بعد أن هرب رفاقه، فأجابه بكل فصاحة (حسب ما أذكر): بأنني لست مُذنباً فأخاف منك..! وأعُجب الفاروق بفصاحة الصبي، الذي كان له مستقبلاً وشأناً في الدولة الإسلامية، خاصةً بعد وفاة الحسن والحسين رضي الله عنهما، ورفضه مُبايعة مُعاوية بن أبي سفُيان، وقتاله وصموده في الحجاز حتى استُشهد رضوان الله عليه.
إن تشجيع الأطفال الصغار على الجرأة والكلام حتى وإن كان كلاماً غير نافع أو به أخطاء فهذا لا يُضيرهم، بل يجب ترسيخ مفهوم أن الخطأ وارد في كل شيء وليس عيباً أن يُخطئ المرء ولكن العيب أن يتجنب الحديث مع الآخرين وعدم التعامل معهم..!
1
أجمل ما قرأت في هذا الموضوع عندما طلب الله سبحانه وتعالى من قوم موسى بدخول فلسطين المقدسة، فجبنوا أن يدخلوها، وسبب جبنهم هو تلك التربية التي أخذوها من فرعون، فقد عودهم على الذل والخضوع والخنوع والضعف، ولا يمكن للضعيف أن يدافع عن وطن أو دين.
فشاء الله أن يعيشوا في سيناء أربعين سنة، مما سمح للجيل المريض السابق أن يموت، وأن ينشأ جيل جديد لم يشرب من كأس الذل عند فرعون، وهذا الجيل هو من فتح فلسطين، وقتل داوود جالوت.
هذه الأيات تبين لنا مدى أهمية التربية في الصغر على الشخصية وقوتها، وهنا يبرز السؤال: عندما نربي أبنائنا على الخوف والضرب والإهانة في المدرسة والبيت، سننشئ جيلا ضعيفا لا يستطيع الدفاع عن نفسه فضلا أن يدافع عن وطن وعرض ودين.
ولهذا فأهم طرق الوقاية ضد ضعف الشخصية والخوف هو التربية على العزة والكرامة وعدم ضرب الطفل أو ضرب أمه حتى يرضع منها العزة ويتربي على العزة.
مريم إبراهيم - زائر
08:45 مساءً 2006/10/27