الرئيسية > ثقافة الخميس

أحوال

عن التقدم في الفن2


ابراهيم أصلان

السؤال الثاني، الهام الذي يوجهه "كارلوس كاتانيو" الى "أرنستو ساباتو" هو: اينبغي فهم الفن الحديث حتى يمكن التمتع به؟ و"ساباتو" يجيب بسؤال مضاد: أيمكن فهم عمل فني على النحو الذي نفهم نظرية او جهاز كومبيوتر؟

والاجابة أن الفن لا يصنع بالرأس وحده. الفن ينجزه الجسم كله، والمشاعر بشكل اساسي. ومحاولة فهم عمل فني هي كالرغبة في اختزال الكراهية والحب والاحلام. الفن يشبه الاحلام الى حد بعيد، تلك الرسائل التي تأتي من أعماق لا وعينا ولا عقلانيته، ومن الغريب ان الاشخاص الذين يحتجون لأنهم لا يفهمون هذا الفن هم أنفسهم الذين تمتلئ لياليهم بالاحلام. واذا كان هناك شيء حقيقي في حياة الانسان فهو هذه الاحلام والاوهام الليلية، فللحلم والاسطورة والفن جذر واحد مشترك منشؤها جميعاً هو اللاوعي، وهي تكشف عن عالم لا يمكن التعبير عنه على نحو آخر، وليس معقولاً أن نطلب من الفنان ان يفسر لنا ذلك بعينين في مقدمة وجهه مثلما نطلب من "بيتهوفن" مثلاً أن يفسر لنا احدى سيمفونياته او من "كافكا" أن يقول لنا ما الذي كان يقصده بواحدة من رواياته.

ولكن المشكلة التي تواجه الفن الحديث أن الفنان الكبير متمرد بطبيعته، وما يصنعه هذا الفنان غالباً ما تكون نتيجته اثارة السخط لدى المواطن العادي، والخطأ هنا لا يكون خطأ الفن بل خطأ الجمهور، لأن فن اليوم ليس مجرداً من الانسانية بل ان الجمهور هو الذي جرد من انسانيته نتيجة للترويض والتضخيم والصحافة وأجهزة الإعلام الجبارة التي تستخدم آلياتها لتحويل الانسان الى مجرد مادة، والفنان هو الذي يقاتل دفاعاً عن الانسانية بأسرها. ويبين "ساباتو" أن مدارس الابداع الفني منذ الانطباعية المتأخرة كلها تقدم قاسماً مشتركاً يتمثل في رفضها الكلي للعقلانية والتقنية التي ظهرت في العصر الحديث، وان الروح الثورية بخطوطها العامة هي التي تستجيب لتمجيد الانا والتي تتمرد على التكتيل الذي اتى به هذا العلم وهذه التقنية. وهو تمرد ضد حضارة تبلغ منتهاها وينبغي انقاذها بانقاذ الانسان نفسه.

IBASLAN@YAHOO.COM

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة