الرئيسية > ثقافة الخميس

نجومية المبدع السعودي..مسوؤلية من !!



تحقيق: طامي السميري

هل لدينا إعلام ثقافي قادر على تصنيع نجومية للمبدع؟ وهل لدينا مبدع يؤمن بضرورة النجومية؟ وهل لدينا مناخ ثقافي يقبل بتلك النجومية؟ من هذه التساؤلات تأتي هذه الرؤية التي تؤمن بأهمية التفاعل الايجابي بين المبدع والإعلام، وهذا التفاعل ينعكس أثره على المتلقي الذي هو بدوره سيتفاعل مع الوهج الإعلامي للمبدع، وبالتالي سيزيد معدل القراءة للكتاب، وستحظى الأمسيات الشعرية والقصصية بحضور جماهيري يخرجها من دائرة الوجوه المتكررة التي نراها في كل الأمسيات، والمبدع النجم هو من يحفز الجمهور على الحضور.

تصنيع نجومية المبدع لا تقتصر على إجراء حوار، أو نشر نص أو خبر عن الإصدارات الجديدة. واعتقد أن هذه الوسائل وفي هذه المرحلة التي نشهدها في تعدد النوافذ الإعلامية، لا تقدم إضافة حقيقية للمبدع.فالصفحات الثقافية ما تزال تعتمد على الأساليب التقليدية في تقديم المبدع، وهو أيضا لديه القناعة بهذا الأمر. وبالتالي، نشهد ركوداً حقيقياً في الصفحات الثقافية، والتي تعاني في أغلب الصحف المحلية من شح في كوادرها الصحافية لتحرير مادة ثقافية مميزة. ولن أخوض في تفاصيل الإشكالية التي تتعلق بالصفحات الثقافية، وكيف يعتبر القسم الثقافي في أغلب الصحف السعودية من الأقسام المهمشة، والتي قد يراها بعض مسؤولي التحرير أنها عبء على الصحيفة. حيث هناك قناعة بأن الصفحة الثقافية صفحة لا تبيع، وبالتالي فهي الصفحة التي تكون خيار إدارة التحرير عندما يأتي الإعلان التجاري ليبتلع تلك الصفحات.

والعلاقة بين الإعلام الثقافي والمبدع تبدو علاقة ملتبسة.فنجد أن المحرر الثقافي يتهم المبدع بالكسل والإحجام عن المشاركة، و عدم التفاعل مع ما يطرح في الصفحة الثقافية، و في المقابل نجد المبدع يتهم الصفحات الثقافية بالشللية والانحياز لأسماء معينة. وفي ظل هذه العلاقة، نجد أن الصفحات الثقافية لم تؤسس نجومية للمبدع إلا في مستويات ضئيلة جداً.وقد تكون مرحلة الثمانينات هي المرحلة الذهبية للإعلام الثقافي المحلي في صناعة المبدع النجم، حيث شهدنا نجومية للناقد وللشاعر ولكاتب القصة- وإن كانت تلك النجومية ارتبطت بالصراع بين الحداثيين والتقليديين. وعندما انتهت تلك المعركة انطفأ الجميع، لذلك، الاتكاء على عامل معين في تسويق نجومية المبدع لا يؤسس لصناعة نجومية حقيقية.

هل كل مبدع مهيأ للنجومية؟

الحقيقة أن شخصية المبدع وسماته النفسية تلعب دوراً كبيراً في مدى تفاعله مع متطلبات النجومية. فنلاحظ أن الكثير من المبدعين لديهم أعباء نفسية تلعب دوراً مهماً في الحد من حضورهم إعلاميا. فالبعض مزاجيته لا تسمح له بأن يظل تحت سطوة الوهج الإعلامي، والبعض الآخر لديه عقده النفسية التي تجعله يرفض التواجد إعلامياً، فنجده يعزف عن الظهور الإعلامي، والبعض لا يملك "الكاريزما"التي تحرض المتلقي على القبول بتواجده إعلامياً.أيضاً، لا نغفل عن أن هناك تصوراً سلبياً لدى المبدعين عن الحضور الإعلامي، فيكثر التهامس في مجالس المبدعين عن المبدع الذي له تواجد إعلامي مكثف برؤية سلبية، مما يجعل البعض يحجم عن الحضور إعلامياً خوفاً من أن تطاله تلك التصورات السلبية.

ولو أردنا أن نأخذ نماذج لبعض تلك الحالات، فسنجد شاعراً كإبراهيم الحسين - وهو من أبرز الأصوات الشعرية في كتابة قصيدة النثر- غائب تماماً عن الإعلام لعدم قناعته بضرورة تواجده. وذلك الغياب جعل تجربة إبراهيم الحسين غير معروفة لدى الكثيرين.وبهذا، خسر المشهد الشعري الفرصة في إبراز صوت شعري ربما تميز عربياً لو وجد الاهتمام الإعلامي وتسليط الضوء على تجربته، ويلام في هذا الأمر الشاعر إبراهيم الحسين نفسه.وهناك نموذج آخر وهو الشاعر محمد الثبيتي، وتفريطه في وضع تجربته الشعرية في مصاف تجارب الشعراء العرب الكبار، وأن يصبح شاعراً جماهيرياً تتغنى بشعره كل أطياف المتلقين.ومزاجية الثبيتي ساهمت في محدودية انتشاره جماهيرياً، والنماذج التي تمثل تلك الحالة عديدة يزخر بها المشهد الثقافي. فالكثير من المبدعين أصبحوا يعيشون في عزلة تامة عن الإعلام لأسباب متعددة قد لا تكون منطقية.فالمبدع السعودي كثير التشكي والتظلم من الظروف التي تحيط به مقارنة بالمبدع العربي الذي يكتب في ظروف أشد قسوة ومع ذلك إنتاجه الابداعي لا ينقطع ويظل في تواصله الايجابي مع الإعلام.

الكتاب مسؤولية من؟

يظل هاجس تسويق الكتاب كمنتج إبداعي أمراً يستدعي القلق لكلٍ من الكاتب والناشر والمتلقي الذي ينتظر الحصول على الكتاب.وفي ظل حضور ذهنية الناشر التاجر الذي لا يعي ولا يفهم متطلبات تسويق الكتاب، وفي ظل قناعات الكاتب بأن دوره ينتهي بعد أن يسلم الناشر مخطوطة العمل، تظهر لنا إشكاليات متعددة أبرزها أن الكتاب لا يتم توزيعه بالشكل المناسب، ولا يأخذ نصيبه من الاهتمام الإعلامي. فلا يوجد لدينا محلياً ناشر سعودي يؤمن بجدوى الإعلان عن الكتاب، وليست لديه قناعة بأن يضع إستراتجية دعائية تساعد في تسويق المنتج الابداعي.فنلاحظ مثلا غياب حفلات التوقيع للكتاب، وهذه المسألة مهمة في تصوري، وكذلك غياب الإعلان عن صدور كتاب ما، أو حتى التنسيق مع الصفحات الثقافية في تأمين معلومات وافية عن الكتاب الجديد، فكما تفعل شركات الفن في تقديم المطربين في "ألبوماتهم" الجديدة، يفترض أن يقوم الناشر بالأمر نفسه. ومع هجرة المبدع السعودي للطباعة خارج الوطن، وجدنا فراغًا في الإصدارات الجادة.لذلك، لا نجد دار نشر سعودية تكتسب سمعة عالية في مسألة النشر.والناشر العربي تعامل مع الكتب المهاجرة بعقلية استغلالية، فهو يكتفي بإصدار الكتاب ويترك الأمر بعد ذلك للمبدع، ولقدرته في تسويق منتجه.ولذلك، نجد أن كثيراً من المبدعين أصبحوا هم من يتولون أمر تسويق كتبهم، وأعتقد أن هذا قدرهم في ظل الظروف الحالية.ومع هذا، نجد البعض يتهاون في تحمل مسئولية تسويق كتابه، ويكتفي بخبر محدود عن إصدار الكتاب، أو ينتظر قراءات نقدية تشجع على قراءة الكتاب.

ومسألة الترويج للكتاب تكتسب صفة سيئة عند البعض، فالروائي عواض شاهر يرفض مثلاً مسألة حفلات توقيع الكتاب، بينما نجد الإعلامي تركي الدخيل - وهو يصدر كتاباً متواضعاً ومصنفاً للقارئ البسيط - نجده بحسه الإعلامي الذكي يصنع هالة إعلامية ناجحة لتسويق كتابه "مذاكرت سمين سابقاً"، واستطاع بقدرته الدعائية للكتاب أن يجعل الطبعة الأولى تنفد في وقت قصير جداً. فهو آمن بالواجب التسويقي للكتاب، وأقام احتفالية لتوقيع كتابه في معرض الرياض الدولي للكتاب، واختار صورة غلاف مبتكرة تحرض القارئ على اقتناء الكتاب.

وروائي كعبده خال، له تجربة سردية تجعله من أبرز الروائيين السعوديين، لم يملك نسخة من روايته الأخيرة "فسوق" إلا بعد مرور فترة طويلة من صدورها، ولنا أن نتصور كيف يتم تسويق رواية لا يعلم مؤلفها عن صدورها.وروائية أخرى تتفاجأ بأن روايتها صدرت وتباع في معرض الكتاب بالبحرين. وفي هذه الحالات نسأل كيف يمكن للإعلام الثقافي إبراز عمل مؤلفه آخر من يعلم عن صدوره؟ وكيف لا يكون هناك تنسيق بين المؤلف والناشر في توقيت إصدار الكتاب؟ وفي الجانب الآخر نجد نماذجَ لكتاب آخرين يحرصون على إيجاد مناخ خصب لانتشار إصداراتهم، فمحمد حسن علوان لديه موقع الكتروني يعرف بروايته "سقف الكفاية"، وبسيرة الكتاب، وبالقراءات النقدية التي تحدثت عن العمل، وكذلك هناك سجل للزوار ليسجلوا شهادتهم في الرواية. ورجاء الصانع استعدت لصدور روايتها بأن هيأت موقعًا الكترونياً ليتفاعل مع الضجيج المتوقع للرواية، بينما نجد روائيين لهم تجارب متعددة لا يملكون أرشيفاً الكترونياً يجعل المحرر الثقافي أو المتابع يتعرف على منجزهم السردي.ولهذا نجد روائياً كيوسف المحيميد يؤمن بضرورة الموقع الالكتروني، وكيف يؤمن للمبدع خاصية التواصل مع الإعلام والنقاد، ومع القارئ. وفي موقع يوسف المحيميد الالكتروني تأكيد على ضرورة هذه الخطوة، وأنها ليست مجرد ترف يبتدعه المبدع.وفي المقابل نجد أن بعض المبدعين لا يحفلون بهذا الجانب الالكتروني في التواصل مع المحرر الثقافي، ويجهلون استخدام البريد الالكتروني، والاستفادة منه. كذلك نجد أنّ ناقداً كمحمد العباس -الذي يكتب بلغة نخبوية- قلّص هذه الفجوة مع المتلقي بحضوره في المنتديات الثقافية الالكترونية، وكسب قارئاً جديداً قد لا يكون على تواصل مع منجزه النقدي، وله أيضاً موقعه الالكتروني الخاص الذي يساهم في تواصله مع الآخرين.ونجد ناقداً آخر يتماثل مع العباس في التجربة النقدية وهو محمد الحزر،لا يكتسب الحضور الذي تمثله تجربته النقدية.وتفسير ذلك بأنه لم يفعل ما فعله العباس ويخلق جسوراً للتواصل مع تجربته بالوسائط التي تجعله قريباً من المحرر الثقافي ومن المتلقي.

المنتديات الالكترونية:

تبدو المنتديات الثقافية في شبكة الانترنت عاملاً آخر مهماً في تسويق نجومية المبدع، لكن لا أعدها منافساً للصفحات الثقافية. فالعلاقة تبدو تفاعلية بين المنتديات والصفحات الثقافية،وكلٍ منهما يأخذ من الآخر، والمحصلة النهائية هي في صالح المبدع.وإذا ما تحفظنا على بعض ما يدور في المنتديات الالكترونية -خصوصا المنتديات التي تسمح بالأسماء المستعارة - فهناك جوانب ايجابية تقدمها تلك المنتديات.ومنتدى كجسد الثقافة، أصبح عاملاً مهماً في التسويق لأي إصدار إبداعي جديد.

هيلدا إسماعيل أبرز شاعرة سعودية.

لو سألنا النقاد العرب، أو حتى النقاد السعوديين عن أبرز الشاعرات السعوديات، لوجدنا اسم هيلدا إسماعيل من الأسماء الحاضرة في الذاكرة.وقد استطاعت أن تحضر إعلامياً وتتفوق على شاعرات جيلها وذلك لقدرتها على تفهم دور الإعلام في تسليط الضوء على الكتاب وعلى المبدع. فالشاعرة هيلدا إسماعيل خرجت الى الضوء، وتعاملت مع الكاميرا، وأقامت أمسية في لندن، ولديها موقعها الكتروني.وفي المقابل، نجد أن هناك شاعرات لا يستطيع الإعلام الوصول إليهن،ولا تتعلق المسألة بالظرف الاجتماعي فقط، لكن هناك عوائق نفسية تجعلها تنزوي وترغب في البقاء في العتمة، لذلك تغيب أصوات تلك الشاعرات وتذوي تجاربهن الإبداعية.وهذا يجعل صناعة المبدعة النجمة أشد تعقيدًا من صناعة النجم المبدع. فمبدعة كرجاء عالم مسيرتها الإبداعية ملتبسة بالغموض، لم يستطع الإعلام الثقافي إبراز تجربتها النخبوية وتحفيز القارئ العادي على الاطلاع على تلك التجربة.ويعود الأمر إلى قناعتها بعدم الظهور الإعلامي، وبذلك خسرنا أيضاً تجربة إبداعية روائية، وستظل تجربتها الإبداعية مرتبطة بالقارئ النخبوي. لكن لو كان لرجاء تواصلها مع الإعلام لحققت تجربتها انتشاراً مضاعفاً.

إن المسألة تبدو معقدة وشائكة في كيفية صناعة النجم المبدع، وتوافر فرص تخليق تلك النجومية مرتبط بالمكان وبدور المؤسسات الثقافية في دعم الثقافة بشكل عام، وفي إيجاد المناخ المناسب للمبدع لينتج ويبدع.وترتبط بقناعة المؤسسات الصحفية في الصفحات الثقافية في أنها تمثل عنصراً جاذباً لقراء الصحيفة، ودعمها بالمحررين الثقافيين الأكفاء والدعم المادي.فغالبية من يعملون في الصفحات الثقافية هم من المتعاونين، و أداء المحرر المتعاون أقل بكثير من المحرر المتفرغ، وأن يكون هناك قناعة لدى المبدع بأن النجومية لها شروطها ولها تبعاتها التي تفرض عليه طقوساً يجب أن يتعامل معها باحترافية، وأنّ الكتاب هو منتج أبداعي يجب أن يتم التعامل معه كأي سلعة تسويقية فيوفر له الدعاية والإعلان، وبذل الجهد من المؤلف والناشر والمحرر الثقافي الذي قد يساهم في الترويج للكتاب بطريقة ايجابية تساعد في تحريض القارئ على اقتناء الكتاب، ويتلافى الترويج السلبي والنمطي الذي قد يضر وينفر القارئ من الكتاب.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة