الرئيسية > ثقافة الخميس

مافيات السياسة والثقافة



غالية خوجة

من يتابع دورياتنا الثقافية اليومية والأسبوعية والشهرية والفصلية!! وما يسمونه البرامج الثقافية الفضائية! نعم الفضائية الثقافية! سيستغرب من هذا التكاثر المنبري ويحسدنا - عين الحسود فيها عود - ذلك لأنه يجهل بأن أغلب ما يقدمه المشهد الثقافي زيف على زيف، وهو بلا شك، يضر ولا ينفع، وبكل ثقة سيغير هذا (الحسود) رأيه عندما يعلم بأن ما يرجمنا به المتمترسون وراء الميكروفونات والصفحات والمساحات الأخرى للإعلام المقروء والمسموع والمرئي، ليس سوى عملية استهلاكية تجتر بنسخة مشوهة ما تناولته سابقاتها ابتغاء إملاء فراغ، أو إملاء نشاط، أو إملاء شهرة بلا أدنى المقومات الجوهرية.

وهكذا تتسيد المافيا الساحة الثقافية التابعة حكماً للساحة السياسية التابعة بدورها حكماً لسياسة الأقوى الذئبية، لتستشري التفاهات أكثر، وتغزو القلوب والأرواح والعقول، فلا يبقى إلا من رحم ربي منعزلاً، متطلعاً إلى السماء، يشاركها الكتابة اللامرئية، متسائلاً عن ألواح القدر ورموزها بين نقطة الباء وكاف الكون ونونه، وكله يقين من أن العلي القدير سيستجيب له ذات رحمة، ويجازيه عن إخلاصه للماهية القيمية واللغوية التي تضاهي الأبدية بحضوراتها، وذلك حين تشعلها رغماً عن كل عتمة واعتام.

وإلى أن تحين تلك الصاعقة التي تهبّ على الوعي العربي، وآمل ألا يكون قد فات الأوان، ألفت الكتّاب والمثقفين إلى ضرورة المحافظة على أضعف الإيمان، وأعني أن يراجع كل منهم مسيرته، ليتابع المضيء ويتخلى عن السلبي، فيكون أول المبادرين إلى التناغم مع الثقافة فعلاً وقولاً، فلا يتعامل بطريقة تسيء إليه أولاً، فيتبع أسلوب النفي - ولا أحد قادر على نفي أو إلغاء أحد - فيحسب أنه ينفي أو يلغي من لا يتفق معه، غير آبه بضرورة استيعاب الاختلاف الحقيقي. أمّا الآخر المختلف فينعزل عن المافيات إلى البوصلة الثقافية التي لا تخطئ الاتجاه نحو الأعلى مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة.

لكن، هل يكفي الانعزال ليحافظ المثقف الجوهري على كينونته ووجوده المستقبلي؟

إن الانعزال، بالضرورة، سلوك سلبي، لأنه يؤدي إلى عدم مجابهة المافوية، والتخلي عن المجال الفراغي للخطة المكانية، والمكانة الزمانية، لصالح ما ستذروه الرياح. أليس من واجب المثقف العربي ألا يكون سلبياً ولا حيادياً، وعليه أن يكون فاعلاً بأقصى الإيجابية؟

ولكم أن تجربوا الفوارق حين تخرج الثقافة عن جلدها المزيف، لتشعر بالحرية التي تقودها، بالتالي، إلى تحرير الفعل السياسي من مافياته، ليتكامل كل من الفعل الثقافي والسياسي، وينجزا - من ثمّ - الفعل الوطني..

كثيرة هي الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه الهاوية، لكن محورها الأساسي هو العمى عن كل عيب، فصرنا أمّة تمجّد العيوب، وتعتلي بالباطل على الحق، وتهمّش كل من لا ينتمي لهذا العمى المافوي!.. ولو تفحصنا التراث الإنساني، وأخص منه التراث الحكيم، لربما اكتفينا بإشارات قالها يوماً ما أحد العظماء:

تستطيع أن تكذب على كل الناس ولكن ليس على كل الزمان.

تستطيع أن تكذب على كل الزمان ولكن ليس على كل الناس.

فانتبهوا يا أولي الألباب إلى شمس تشرق كل يوم ماحية ظلاماً كان هنا.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    يقول ( فوكو ) في كتاب ( المراقبة والعقاب )
    أن العلوم الإنسانية , ولاسيما علم النفس بمدارسه المختلفة.. وعلم الاجتماع.. وعلم الاتصال. قد حلت محل رجال الدين الأوربيين في تقديم المبررات والمسوغات والصكوك للسلطات لتساعدها في عملية ترويض البشر وتدجينهم... فبعد أن كان التعذيب الوحشي هو المتبع في المعابد لترويض البشر , عن طريق ترويض أجسادهم... صار المعتقل.. والمدرسة والتلفزيون. بقوم بالمهمة.
    وبعد أن كان الكاهن هو الذي يصدر الفتوى بجنون أحد الأفراد صار الطبيب النفسي الملحق بالسلطة يتولى المهمة ذاتها ويصدر فتوى علمية تؤكد ذلك.
    والجنون , كما يعرف القارئ , انحراف عن المعيار العام الذي ترتضيه السلطة... وكم كان الجنون جميلاً... وكم كان نبيلاً... وكم كان شجاعاً.‏
    صنيتانS1994@hotmail.com

    صنيتان - زائر

    06:37 مساءً 2006/10/05


  • 2
    الرقيب !!
    ماذا عن
    الرقيب ؟!!
    ( ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد ).
    #
    اللهم اجعلنا ممن مفاتيح للخير مغاليق للشر
    #
    وكما ان الدال على الخير كفاعله
    فإن الدال على الشر كفاعله أيضا
    #
    قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام:
    (( من دل على خير فله مثل أجر فاعله )). رواه مسلم.
    وقال عليه الصلاة والسلام:
    (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه
    لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا..
    ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه
    لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا )). رواه مسلم.
    #
    اللهم اهدنا واصلح قلوبنا واحسن خاتمتنا.

    ِABO ALA - زائر

    01:52 صباحاً 2006/10/06



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة