
دائماً وحيدون.. يخطون بعض الخطوات مطاطئي الرؤوس، ينتظرون قليلاً. بعضهم يبكي ويضعون أيديهم في جيوبهم، ويبكلون أزرار معاطفهم، ويخلعون نظاراتهم ويخرجون محفظاتهم ويلقون بحقائبهم.
لا يعيرون اهتماماً لحركة المرور والسياح المارين.. فيتسلقون الحاجز الذي يبلغ ارتفاعه 125سم، ويقفزون من جسر البوابة الذهبية (Gilden Gate) الشهير هنا.
بعد دقائق قليلة من بداية فيلم (The Bridge) التسجيلي الجديد لإريك ستيل، يصبح سهلاً للمشاهدين أن يكتشفوا القافزين. ولكن العمل لم يكن سهلاً لمصوري الكاميرات الذين ظلت عدساتهم مصوبة على الجسر من الفجر إلى الغروب كل يوم من أيام سنة 2004.
وفي اتصال هاتفي في نيويورك حيث عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان تريبيكا السينمائي، قال ستيل انه كان يفاجأ كل مرة يقفز أحدهم من الجسر.
وأضاف: كانوا يبدون انهم منهمكون بالعالم بطريقة ما شأنهم شأن أي إنسان آخر.
غير انهم كانوا على نفس الدرب لفترة زمنية ما.. المرض العقلي، الإدمان على المخدرات، خسارة فرد من العائلة، فقدان احترام الذات، الوحدة، متاعب الحياة اليومية. ولو كان ممكناً ان تقلب الناس من الداخل إلى الخارج لرأيت كل هذه الأشياء بصورة فورية.
ولقد تم افتتاح الفيلم في نفس اليوم الذي وافق مسؤولو النقليات هنا على اجراء دراسة لمدة سنتين وبكلفة مليوني دولار حول ما إذا يجب بناء حاجز على الجسر لمنع الانتحار. وقد بلغ عدد المنتحرين قفزاً من الجسر 1,200 منتحر منذ افتتاحه في العام 1937.
ويقول ستيل: «الانتحار هو آخر المحرمات. انه لا يرى، بل يحدث في مكان ما. واختيار مكان عام له معنى ما.. . وهذا هو أمر مهم.. انه يحدث علناً «المرة تلو المرة دون هوادة».
ويروي الفيلم قصص عدد من 24 رجلاً وامرأة أقدموا على الانتحار على الجسر في العام 2004. ويتضمن مقابلات مع الأصدقاء وأفراد العائلات وشهود العيان، دون سرد ومع القليل من الموسيقى، ويترك ستيل للناس أن يرووا القصة فيفعلون انه فيلم دراماتيكي واستذكاري وقوي.. وهو مثير للجدل.
وقد أثار ستيل ضجة عندما اعترف انه كذب عن مشروعه في العام 2003. ففي تقديمه طلب الترخيص إلى «ادارة المنطقة الترفيهية للبوابة الذهبية» التي تدير الجسر الذي نصب عليه كاميراته، قال انه ينوي «تصوير التقاطع القوي الرائع بين النصب والطبيعة والذي يحدث كل يوم على جسر البوابة الذهبية».
ويتحجج ستيل الآن بأنه لجأ إلى الكذب من أجل حماية الناس، ويقول انه لنفس السبب قرر عدم ابلاغ عائلات وأصدقاء الضحايا انه يملك شريطاً عن موت أحبائهم.
وقال ستيل: «بالنسبة لنا اسوأ سيناريو سيكون إذا عرف الناس اننا نصور على مدار الساعة... إذ ستخطر في بال أحدهم أو احداهن، أن يتوجه إلى الجسر ويخلد نفسه بفيلم.. لهذا السبب لم نبلغ الناس.
في مرحلة من المراحل كانت الصحف تنقل أخبار الانتحار على الجسر بصورة روتينية. وعندما وصل عدد الوفيات إلى 500 ثم 1,000 كان الناس يتهافتون لضمان مكان لهم في السجل التاريخي.
وقالت ماري كري، الناطقة باسم الجسر، والتي اعتبرت مشروع ستيل في السنة الماضية بأنه «اعتداء معيب على الخصوصيات»، انها حضرت العرض الأول للفيلم في الساحل الغربي من خلال مهرجان سان فرنسيسكو السينمائي في شهر نيسان الماضي.
وأضافت كري: أردت ان أفهم ما هو الشيء الذي يستجيب له الناس».
وقالت ان المسؤولين في قضاء جسر البوابة الذهبية، ليس مطلوباً ان يكونوا رجال شرطة.
وحسب ايفا ماير، المديرة التنفيذية لدائرة منع الانتحار في سان فرنسيسكو، انه يتوقع ان يكون للفيلم اثر ايجابي، إلا إذا كان يمجد الانتحار أو يتحدث عن غموض وجلال الموت.
إلا ان ماير التي قالت إنها دربت مشغلي كاميرات ستيل على الوقاية من الانتحار، أوصت بأن لا يشاهد الفيلم أشخاص قضى أعزاء لهم انتحاراً. وأضافت: ليس هناك لغز.. انه عن الألم.. وعن توفير وسيلة فتاكة للموت.