عندما ارسلت برقيات من حكام، كبار وصغار عادلين وظلمة لتعزية مصر، ونعى الكاتب الكبير نجيب محفوظ، كنت تحت أمرين هما :
أن نجيب اكبر من ان ينعيه ظالم. وان نعيه من قبل الظالم والقاتل والمدمر لن يضيف له مجدا، بل لعل روحه الطائرة في سموات الخالق تلتقي بأرواح القتلى والمعدمين، وتنعي التاريخ والمعابد والكنائس، بل لعلها تعاتب أبا الحارة كيف لم يلتفت لها في سنواته الأخيرة، حتى وان تساهل نجيب ودعا للسلام فهو يريد سلاما يحمي ولا يدمر، لكنه على لسان احد ابطاله ندم على ذاك..والشيء الثاني عظمة نجيب الأدبية مقابل صغر تفكير الطغاة، ولكن تذكرت أمرين آخرين هما: الأول ان الرؤساء والحكام لا يكتبون وقد لا يعلمون ما يجري في عالم الفن والأدب إلا من رحم ربي،.. تتولى الأمور سكرتارية خاصة ومكاتب مؤهلة تقوم بالمهمة الصعبة على أمثالهم. هذا الأمر الأول، الأمر الثاني هو انه تم تسريب خبر قبيل فترة ان حضرة الرئيس بوش يقرا للبير كامو، ويقرأ تحديدا رواية الغريب.
وهكذا ظهر لنا أن الفنان في القتل والإستهزاء بالعالم الإسلامي ووصفه بالفاشية، هو إنسان مثقف او يريد ان يظهر بصورة المثقف رغم عجبنا كيف لم يقرأ الغريب الى الآن، ويعرف الأدباء والفنانين، فطلبان ليست مجرد فرقة للرقص الشعبي كما عرفها ذات يوم. ولكي لا أشطح كعادتي أعود لصاحب الغريب ولمن يقرأ الغريب. وفي نفسي شيء من مقارنة بين الطغاة في زمننا وكاليجولا بطل مسرحية كامو. سأبحثها من خلال ذلك.
البير كامي:
هو كاتب فرنسي ولد عام 1913 في مدينة الجزائر حين كانت في ذلك الوقت محتلة من قبل فرنسا، وتعلم في مدارس الجزائر وجامعتها حتى حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة، وكان قارئا نهما انكب على أعمال بسكال وكير كجارد واندريه جيد، وأندريه مالرو وتأثر بها في كتاباته المبكرة، ثم بدأ حياته العملية في صحف الجزائر حتى انتقل بسرعة الى صحف باريس ليصبح منذ أواخر الثلاثينيات نجما من نجوم الأدب الفرنسي، ويظل يعلو ويرتفع حتي يحصل علي جائزة نوبل، ثم يموت في حادثة عبثية قبل ان يبلغ الخمسين من عمره.
كاليجولا هي أولى مسرحيات كامو، وقد كتبها عام 1938 وكان عمره آن ذاك خمسة وعشرين عاما. بلغ فيها مستوى رفيعا من عمق التفكير واتقان الكتابة للمسرح.
لقد اجاد كامو التصرف في المسرحية فكرا وحركة وإقناعا
كالجولا أمبراطور شاب، في عمر الخامسة والعشرين هذا الامبراطور الشاب فقد أحب الناس إليه، شقيقته (دروزويللا) . فأحس رغم كل ما يملك وما حوله هو عاجز عن مواجهة الموت (العدم) ، لذا هو تعويضا عن عجزه يبحث في امتلاك القمر.. ( فكرة امتلاك القمر والشمس ليست جديدة، الفراعنة عملوا مركبا للوصول للشمس، والبابليون حاولوا البحث عن الخلود، جلجامش في ملحمته بحث عن زهرة الخلود مطاردا العدم، وقدم لنا شعرا وفنا في غاية الجمال، قبل أن تلتقطها الأفعى)... فهو يملك الكثير في مواجهة العدم..
كان يرى إن كل ما يحيط به غش خادع وكذب وتزلف، وانه لن يخرج من هذا المحيط الزائف إلا بالحصول على القمر. فالبشر مقضي عليهم بأن يعيشوا اشقياء وأن يموتوا في النهاية، ولن تتحقق لهم السعادة والخلود إلا بقفزة تخرجهم من حدود هذا العالم وتضع القمر في أيديهم، هكذا تحول كاليجولا الى طاغية في سبيل تحقيق هدفه.
شيريا عدوه اللدود قال عنه: امبراطور فنان؟ هذا ما لا يمكن تصوره.! إذ لم يكن مجرد حاكم بدائي متوحش، بل كان رجلا مثاليا كما يقول عنه تابعه المخلص هيليكون، ولقد جمع كاليجولا بين الحكم والفن والدين، كان امبراطورا وكان يعشق الأدب ويتردد على المسارح ويسابق الشعراء في نظم الشعر، وكان يعير جسده لآلهة الرومان فيهبط على الناس وهو في هيئة فينوس.. كيف إذن لا يكون طاغية؟!
بل هو يريد أن يتولى أمر مملكة يسودها المستحيل، يقول: اريد ان اخلط السماء بالبحر، والقبح بالجمال، وان اجعل الفرح ينبعث من الألم.
ويستبد به حمقه وجنونه فيصيح بالناس: ابتهجوا إذن فقد جاءكم أخيرا إمبراطور يعلمكم الحرية، هذه العبارة ما ان نسمعها إلا ويطل وجه بوش علينا وهو يقتل من أجل الحرية والديمقراطية كما يذكرنا بصور كثيرة لوجوه تتكرر.
بعد غد أكمل