في برنامج تلفزيوني أمريكي كوميدي يعلق مقدم البرنامج على قضية السجون السرية وتعذيب السجناء، فيقول إن الرئيس الأمريكي صرح بأن أمريكا لم تضرب السجناء، ولن تعذبهم، وسوف توقف تعذيبهم!!
لا أدري حقيقة هل حدثت هذه الزلة أم هي مجرد فبركة من المذيع ليس لإضحاك الجمهور فقط بل لتوجيه النقد غير المباشر لأساليب التعامل مع السجناء في بعض السجون مثل غوانتانامو، وأبو غريب، وغيرها من المواقع السرية غير المعروفة التي اعترفت فيها أمريكا مؤخراً.
يعتقد بعض الأمريكيين أن الخمس سنوات التي تلت أحداث (11 سبتمبر) أضرت كثيراً بأخلاقيات السياسة الأمريكية. وتراجعت مصداقيتها، وثقة العالم بها وفي المقابل تصر الادارة الأمريكية بكل عناد على استمرار النهج المتطرف الذي لا يكسب العقول ولا القلوب لا داخل أمريكا ولا خارجها.
هذا الرأي يقوله الأمريكيون عن أنفسهم قبل أن يقوله الآخرون. أحد المعلقين في البرنامج المشهور الذي تقدمه (CBS) بعنوان (60 دقيقة) قال في ذكرى 11/9 ان الأمريكيين أناس يحسنون التعامل مع أنفسهم، فالصورة الأمريكية الداخلية جميلة، ولكن المعلق يقترح أن تتعامل أمريكا مع الخارج كأمة متحضرة لا تسعى الى كسب عداء الآخرين وكراهيتهم.
الإعلام الغربي، والآراء الرسمية يتجه في طروحاته الى ربط الإرهاب بالأديان، وهذا توجه خطير، وأخطر منه أن يصدر من أصحاب القرار والسلطة، الذين يزعمون أنهم يقومون بحماية أمن العالم واستقراره، ويسعون الى نشر مبادئ الحرية والديموقراطية.
إن ذاكرة العالم تضم ملفات كثيرة ومنها تفجيرات 11/9، وعندما نسترجع هذه الأحداث التي وقعت داخل أمريكا وخارجها فهي فرصة للتذكير بأهمية الحوار، وان اقامة حفلات التذكير بالأحداث المأساوية يجب أن لا تكون مناسبة متكررة وصاخبة للحديث عن الانتقام، وانما هي فرصة للمراجعة والتأمل، والتفكير الشمولي، وجعل كافة أقطار العالم تشارك في بناء السلام ومكافحة الإرهاب، مشاركة تنطلق من قناعة أساسها احترام حقوق الآخرين، والنظر الى العالم بمنظار واحد، وتطبيق معايير موحدة في التعامل مع كافة المشكلات السياسية والاقتصادية.
إن انقسام العالم الى طرفين، طرف يدعى لنفسه الحكمة والتقدم، وطرف آخر تحاصره الاتهامات والضغوط السياسية، ومطلوب منه أن يشارك كتابع ومنفذ ومنصاع بشكل دائم لما يصدر من قرارات من الطرف الآخر أو من المنظمات الدولية الخاضعة لهذا الطرف. إن عالماً من هذا النوع لن يكون بيئة مناسبة للعدل والسلام ومكافحة الإرهاب.
إن الإرهاب لا مبرر له، وليس فيه أي منطق والدول المتحضرة التي تعلن أنها تدافع عن القيم الإنسانية النبيلة هي أكبر من أن تنجر إلى إرهاب مماثل، والذي يملك القوة، ويملك الحلول لن يفكر أبداً باللجوء الى العنف، والانتقام ودعوة الإرهابيين الى مزيد من الإرهاب. إن الدول المتحضرة المثقفة لن تقبل أبداً أن تربط بين الإرهاب وبين الدين الإسلامي، لأن هذا الدين دين محبة وعدل وسلام، والذين قاموا بالعمليات الإرهابية تحت مظلة هذا الدين هم قلة لا يمثلون هذا الدين، وقد يكون لهم أهداف سياسية لا تزال مجهولة حتى الآن ولكنهم مهما كانت دوافعهم هم كأي إرهابيين آخرين في مجتمعات أخرى والدين الإسلامي ضد قتل الأبرياء. ومن الخطأ والخطر معاً توجيه الاتهام للإسلام والمسلمين بسبب أعمال فردية، ولو سمحنا لأنفسنا بهذا النوع من التفكير واصدار الأحكام لتحول العالم المتحضر الى ساحة قتال والى فوضى تعيد الإنسان الى عصر الجهل.
إن أمريكا في تذكرها لأحداث 11/9 بحاجة الى دراسة ما جرى من منظور دولي وليس من خلال الظروف المحلية، وهي كذلك بحاجة الى النظر الى 11/9 كصفحة من كتاب التاريخ فهي لم تأت من كوكب آخر، وليست حدثاً معزولاً عن بقية الأحداث، والتعامل مع تلك الكارثة من منظور عاطفي لن يكون في صالح السلام العالمي.
Yalgoblan@alriyadh.com