الرئيسية > مقالات اليوم

11 أيلول 2001 - 11 أيلول 2006


غازي العريضي

خمس سنوات مرت على أحداث الحادي عشر من أيلول التي تركت تحولات استراتيجية كثيرة وكبيرة في العالم انتجت الحروب والتوترات والصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية ولا تزال مفاعيلها ومخاطرها قائمة في كل مكان!!

سبق أن كتبت هنا، أن الإدارة الأمريكية أضاعت فرصة تاريخية بعد هذه الأحداث. فالعالم بأجمعه كان متضامناً مع القيادة والشعب الأمريكيين، رافضاً ما جرى داعياً إلى مواجهته بإجراءات تضع حداً لكل احتمالات تكراره. كان بالإمكان تحويل هذا التضامن إلى شراكة حقيقية، تبقي القيادة بمراتبها الأولى والمتفوقة والمتقدمة على غيرها لأمريكا بفعل الواقع والمتغيرات التي حصلت في العالم إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، لكنها تقرّ على الأقل اعترافاً بالآخر ودوره، وتستفيد من هذا الدور لمصلحة الإنسانية والأمن والاستقرار الدوليين. فإذا كانت الإدارة الأمريكية تعتبر ما جرى إرهاباً - وهو كذلك - وتريد معالجة الإرهاب فلا بد من تعاون وشراكة لتحديد تعريف ومفهوم الإرهاب ورسم خطط للمواجهة. والتعريف لا يكون على قياس أحد أو على الطلب. وينبغي في هذا المجال قراءة الواقع الدولي كما هو والتعاطي مع الأمور بحكمة وعقلانية الشيء الذي فعلت عكسه إدارة الرئيس بوش. هذه الإدارة التي أدارت ظهرها لكل الناس. فرطت باللحظة التاريخية الدموية للأسف التي كان يمكن الانطلاق منها لبناء أمن واستقرار وتحقيق تنمية في عدد من المجتمعات وتحسين صورة تكون أكثر إنسانية وديموقراطية، وبناء علاقات تكون أكثر استرخاء وانفتاحاً والشروع في تطبيق سياسات تكون أكثر فاعلية وقابلية على تحقيق الأهداف المشتركة.

الإدارة الأمريكية كان لها خططها المناقضة تماماً لهذا التوجه. خطط بنيت على التفرد والاستقواء والاستعلاء والغرور والاستناد إلى منطق القوة فقط والقناعة بأن قوتهم قادرة على فعل كل شيء وعلى الحسم خلال وقت قصير، وأن المواجهة الأمنية لخلايا الإرهاب أو الحروب على أنظمة ودول وشعوب سوف تضع حداً لها وسوف تنتج عالماً أكثر أماناً واستقراراً.

كل هذا تبين لاحقاً أنه خطأ وبني على سوء تقدير. كل هذا، تبين لاحقاً أنه أنتج العكس. فلا المجتمع الأمريكي أكثر أمناً واستقراراً، ولا صورة أمريكا أكثر نقاوة وديموقراطية وإنسانية، وكل استطلاعات الرأي تشير إلى فشل كل المحاولات والمؤسسات الأمريكية في إنقاذ صدقية الإدارة، والى تراجع شعبية القيادة، والى عدم قدرة وسائل الإعلام التي انشئت والناطقة بالعربية لتحسين العلاقة مع الشعوب العربية والإسلامية في تحقيق أهدافها.

والأخطر، أن كل تلك السياسات لم تعمم أمناً في العالم، ولم تبن علاقات جيدة مع «الشركاء» المقترحين. بل زادت من الحروب من جهة، ومن العداوات للإدارة الأمريكية وتوجهاتها من جهة ثانية، ومن التمرّد في وجهها من قبل دول لم يكن أحد يعتقد أحياناً أنها تفكر بالتمرد، وأنها إذا ما فكرت يمكن أن تندم، ومن قبل دول كانت حليفة وصديقة تاريخياً لأمريكا لكنها اليوم في طليعة قائمة الدول القلقة من السياسة الأمريكية، والمحذرة من خطر الانحراف الأمريكي الجامح نحو الحروب غير المدروسة وغير الناجحة والمورّطة للعالم في مشاكل كثيرة. باختصار، خسرت أمريكا أبناءها على أرضها بفعل أحداث 11 ايلول، وخسرت ابناءها على أراضي الآخرين التي احتلتها، وخسرت دول صديقة وغير صديقة الكثير الكثير من ابنائها واقتصادها ومالها وثرواتها ولم يحقق العالم شيئاً، سوى الإدانة لأمريكا، التي لا تزال الأقوى تذهب نحو مزيد من التحدي الذي لا يمكن أن يولد إلا العنف.

- ها هي افغانستان غير مستقرة. كل يوم عمليات ضد الجيش الأفغاني وضد القوات الأمريكية والمتعددة الجنسيات. وكل يوم قتلى وجرحى. وثمة مناطق لا تزال خاضعة لسيطرة طالبان. وفشل ذريع يسجل دورياً للمخابرات الأمريكية في تعقب جماعات هذه الحركة يلحق الأذى والضرر بالأبرياء في عدد من المناطق وصورة الإدارة ألأمريكية سوداء. تجارة الحشيش بكل أنواعها لا تزال ناشطة وصفقات متنوعة يدخل فيها كثيرون. فساد، ومخدرات برعاية أمريكية و«الإرهاب» لم يتوقف بل هو ينمو وينشط!!

- ها هي العراق، مدمّرة. مفككّة. حروب قبلية مذهبية طائفية خطيرة فيها. الكل أقوياء إلا الدولة التي تحدثت عنها الإدارة الأمريكية. الكل موجودون إلا هذه الدولة. كل شيء في العراق قائم إلا الأمن والاستقرار الذي وعد به الرئيس جورج بوش. كل شيء موجود إلا الديموقراطية والحرية والمؤسسات العادلة!! وصورة أمريكا في الحضيض. في سجون ابو غريب وفي الصفقات وتبديد مال الدولة. وفقر العراق. والتفجيرات والفضائح الأساس أي الأسباب التي بنيت عليها الحرب. تبين أنه لم يكن ثمة اسلحة دمار شامل!! ثم تبين منذ ايام وفي تقرير للكونغرس أنه لم تكن ثمة علاقة لصدام حسين «بالقاعدة»!! كل الأسباب باطلة وكل النتائج عاطلة. هذه هي نجاحات سياسة أمريكا في العراق التي لا تزال تتميز بالهروب إلى الأمام!!

- وها هي فلسطين، لا تزال تدمّر وتسحق، وكلما كرست تجربة ديموقراطية جديدة كلما انقضت عليها الإدارة الأمريكية وكلما كرست انحيازها الأعمى لاسرائيل لتمارس سياسة الإرهاب المنظم ضد شعب بريء هو الوحيد الذي يقع تحت الاحتلال في هذا القرن وفي عالم الديموقراطية الذي تتحدث عنه الإدارة الأمريكية. وهذا الواقع، في العالم العربي والإسلامي لم يسبب إلا المزيد من الكره للسياسة الأمريكية والحقد ضد اسرائيل. وقد أثبتت ذلك استطلاعات الرأي الأمريكية التي دلت على شيء آخر، أن الإدارة الأمريكية لا تريد التعامل مع النتائج والوقائع وبالتالي لم تبادر إلى تصحيح الصورة بإجراءات عملية تطمئن العرب والمسلمين وتضع حداً للارهاب والعنف بل أكدت بعض استطلاعات الرأي الأمريكية أن الإدارة الحالية واسرائيل يشكلان خطراً على البشرية!!

- وها هي ايران التي حوصرت واتهمت وتعتمد معها سياسة الاحتواء وسياسة التهديد والترهيب للانضواء تحت راية الانتظام في النظام الجديد، أصبحت تفرض نفسها واقعاً وخطراً على أمريكا - وعلى جيرانها - بفعل امتلاكها الطاقة النووية ولها الحق المبدئي في ذلك لأغراض سلمية لاسيما وأن أمريكا تغطي كل المفاعلات النووية وخصوصاً في اسرائيل وتريد منع الآخرين من امتلاكها!! ويضاف إلى ذلك القلق والخوف الموجود في معظم دول العالم من تنامي موجة الإرهاب المولودة من رحم رفض الإرهاب الإسرائيلي والدعم الأمريكي له والحقد على الشعوب والدول. ويزداد خطر «المهاجرين» أو «اللاجئين» هنا وهناك، وتتضاعف الإجراءات المشددة في وجههم والتي لا تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وردات الفعل. إضافة إلى ما سببته كلفة الحروب والمواجهات من أزمات اقتصادية واجتماعية وبطالة وفقر وحاجة، وهي عوامل مفجرة لمشاعر كثيرة وصراعات كبيرة في حالات عادية فكيف في مثل هذه الظروف؟؟

أمام هذا الوضع تشعر وكأن العالم ينساق نحو مواجهات مفتوحة في بدايات هذا القرن، ستؤدي إلى مزيد من الانقسامات والحروب والأمراض والنتائج القاتلة والمدمرة لمجتمعات كثيرة ولن يكون أمن وسلام واستقرار مع استمرار مثل هذه السياسة الأحادية الأمريكية وهذا الإرهاب الإسرائيلي ومسايرته في عدد من الدول خارج أمريكا أيضاً!!

هل يعني ذلك أننا ضحايا ومعتدى علينا فقط وأن ليس ثمة أية مسؤولية علينا كعرب وكمسلمين؟؟

لا. أمريكا تتحمل المسؤولية الأولى. وتقع علينا نحن مسؤوليات كثيرة. إذ لا يكفي أن نشخص الحالة ونبتعد عن تشخيص الحل. وإذا كان هذا يعتبر خطأ فإن الخطيئة تكمن في الهروب من التشخيص الواقعي للحالة والتملص من السعي إلى التشخيص الحقيقي للحل.

لا يمكن للعالم أن يدار بالطريقة التي يدار بها الآن. ولا يمكن لنا أن نكون خارج دائرة الشراكة ونحن قادرون ومؤثرون إذا عرفنا كيف نتعامل مع الأحداث!!

في 11 أيلول 2001 قلت: لم يعد ثمة برج عالم في العالم.

بعد 5 سنوات نرى الأبراج السياسية تسقط هنا وهناك والبعض لا يريد أن يعترف ويتعلم من التجارب!!

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    صباح الخير..كاتبي الرائع..الاخ غازي
    بودي ان أضيف أن امريكا واسرائيل بالنسبة لي هم (محاور الشر في هذا الكوكب )
    تحياتي

    بنان - زائر

    07:52 صباحاً 2006/09/17


  • 2
    معالى الوزير غازى العريضى بعد التحيه
    ان الناظر الى الأحداث مابعد الحادى عشر من سبتمر 2001 وبدايتها بتصريح الرئيس الأمريكى بأنها حرب صليبيه خاصة بعد تفويض الفاتكان للولايات المتحده بقيادة العالم المسيحى وما اعقبه من اهانة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم على لسان ملكة الدنمارك وما عقبه من الرسوم المسيئه وصولا الى تصريحات البابا الأخيره يدل على ان الغرب وليست امريكا لم تخسر بعد ولكنها فى المربع الأول والخسائر لازلت فى صفوفنا بسبب عدم توحدنا الذى ان استمر سوف تصل الى المربع الأخير وهو مسخ الهويه و الدين. شكرا لمقالكم الرائع.
    اخوكم عبدالمحسن السليمان الرياض

    م/ عبدالمحسم السليمان - زائر

    09:12 صباحاً 2006/09/17



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة