
الحرب الإسرائيلية على لبنان تركت خلفها تشوهات عميقة على الأرض وفي أرواح الناس. ولكن بالنسبة الفضائيات العربية وخصوصا الإخبارية وعلى الرغم من تحطم عدد من محطات الإرسال فإنه يبدو الجانب الوحيد الذي كان قبل الحرب أفضل من بعدها.
في الحقيقة يمكن اعتبار أن هذه الحرب بالنسبة للفضائيات منعطف جيد في الإعلام العربي رغم بعض الأخطاء التي مازال الصحفيون يصرون عليها. مالذي ميز الإعلام العربي في هذه الحرب عن غيره من الحروب؟!.
في آخر الحروب عند الغزو الأمريكي للعراق أظهر الإعلام مستوى متدنيا على مستوى البحث عن المعلومة والنزاهة وحتى اللغة التي يستخدمها المراسلون. في تلك الحرب روج المراسلون لمعلومات خاطئة وفي كثير من الأحيان كانوا يتعمدونها لتضليل المشاهد العربي وكانوا عاطفيين جدا وكان بعضهم يشتم اكثر من الوزير الصحاف. في النهاية وبعد واحد و عشرين يوما تفاجأ العالم بالصحاف يهرب والأمريكان يدخلون العاصمة بغداد بعدما كان يتوقع الكثيرون انهم كانوا يتخبطون في المستنقع العراقي وكل ذلك بسبب المراسلين العرب الذين تحركهم إدارات محطاتهم والذين كانوا ينقلون للناس ما يتمنونه مايحدث على أرض الواقع بالفعل. من ضمن الأشياء التي سقطت في الحرب العراقية الإعلام العربي، وهو سقوط متجدد وخيبة متكررة من حرب ال 67. أما في هذا الحرب فقد ظهر الإعلام بأفضل صوره على الرغم من دخول الحرب مع بلد يكره غالبية العرب مثل اسرئيل بعكس بلد مثل أمريكا اختلفت حوله الآراء وانقسم العرب حيال الحرب التي خاضتها على العراق. في هذه الحرب ظهر المراسلين في أوقات كثيرة أكثر هدوءا واكتفوا بنقل المعلومات بعيدا عن اللغة الخطابية (كان شيئاً محيراً. في السابق كان من السهل أن تجد مراسلاً يحول تغطيته إلى خطبة ولكن في هذه الحرب بدا المراسلين أقل اهتماما بذلك. مع المتابعة الكثيرة لن تجد إلا شخص أو أثنين يرددون الشتائم والباقين مشغولون بجمع المعلومات). كان بحثاً متواصلاً وسباقاً محتدماً بين المراسلين عن الظفر بأحدث المعلومات مما أوجدهم في غالب الوقت تحت دائرة الخطر.
في الحروب السابقة لم نر مثل هذا السباق وكان الاهتمام ينصب أكثر من قبل المراسل على نقل المعلومات التي تاتي في الجانب الذي يتمنى أن تنتهي إليه الحرب كما أن المراسل يكون راضيا على نفسه إذا استطاع أن يأجج مشاعر الناس. في هذه الحرب كان هناك اهتمام واضح بدقة المعلومات الواردة وفي أكثر من مرة تم نفي أخبار تم تأكيدها في وقت سابق (في حادثة سقوط المنطاد قال بعض المراسلين أنها طائرة f-51 ولكن لم يؤكد احد هذه المعلومة وظلوا يرددون انها جسم غريب حتى تبين بالنهاية أنها منطاد- تذكروا الطائرة التي أسقطها منقاش لتعرفوا عن ماذا أتحدث). هذا شيء مهم جدا لأن السياسة المتخذة في الفضائيات في السابق تقتضي عدم الإعتراف بالأخطاء حتى لاتهتز ثقة المشاهد في المحطة ولكن يبدو هذا غير حقيقي وخصوصا في الحروب وأعتقد إن الرسالة التي تصل للمشاهد من مثل هذه النفي أن هذه القناة حريصة على دقة أخبارها وليس ان لديها مراسلين سيئين. كان المحطات تنقل المعلومات من مصادر مختلفة ولا تكتفي بمصدر واحد يشكل الرؤية بالنسبة للمشاهدين مثلما يريد. كان هناك رواية حظب الله والرواية الإسرائيلية وعلى المشاهد أن يصدق من يريد. بالنسبة للتعليق على الأحداث في الحروب السابقة كان هناك ميل صارخ إلى جهة ضد جهة اخرى. تتم إستضافة محللين ينتمون إلى تيار معين ويشحنون المشاهد برأي واحد. في هذه الحرب كان هناك بعض التوازن وكان بإمكاننا أن نرى ضيوف مختلفين في الآراء. سيكون غريب جدا أن تنجو الفضائيات العربية من كل علاتها لذا كان هناك بعض الأخطاء التي يمكن تفهمها بالنظر إلى المستقبل سيعالجها. السؤال: ماهذا التحول السريع والغريب بالنسبة للفضائيات العربية؟!. هل فهم المراسلون أن عليهم فجأة أن يكون أن عليهم أن إذا أرداوا ان يكونوا صحفيين حقيقين أن يكونوا صادقين مع الناس؟!. إذا كان ذلك صحيح. ماذا دفعهم لذك؟!. هل هي رؤية إعلامية حديثة بسبب الانفتاح الهائل لوسائل الإعلام روجها الإعلام الغربي لمن هو الصحفي الصالح؟!. هل دفعت قنوات (العربية مثلا) تلتزم بالحيادية والموضوعية محطات أخرى لتتخذ مثل هذا المسار الذي يبدو معاكسته عودة لإعلام احمد سعيد والصحاف. هل السمعة السيئة التي التصقت بإعلام الشعارات خصوصا بالحروب دفعت المحطات للابتعاد عن هذه اللعنة؟. في الحقيقة أن كل هذه مجرد تخمينات ولكن الإجابة غير معروفة فالتحول كان سريعاً جدا وبصراحة غير متوقع ولكن المهم أنه تحول رائع. الشيء الأروع هو أن يستمر.