مهما قيل في شعر نزار قباني فإن فيه ومضات اجتماعية ذات فوائد، خاصة أن تلك الومضات لا تلقى على شكل حُزَم من النصائح ولا مجموعة من الخطب والتوجيهات - مع أن لهذه دورها ومقامها - وانما تنساب تلك الومضات في فَنِّ مخملي يغْري بالقراءة ويؤثر بشكل غير مباشر، ويساعد في صنع الوجدان..
يقال عن شعر نزار قباني الكثير.. ولايزال.. ولكن لا أحد ينكر شاعريته المبدعة.. حتى أشد منافسيه وألد كارهيه.. وقصارى ما يقولون انه - من الناحية الفنية - شعر سهل يعطيك ما عنده دفعة واحدة، ونحن نعرف انه شعر سهل، ولكنه من السهل الممتنع، أما من الناحية الأخلاقية فنحن لا نقدِّم دراسة عنها في شعر نزار، كما أن من يفعل يحسن به أن يفهم جو الشعر في القديم والحديث، وأن الشعراء يقولون ما لا يفعلون، وأنهم في كُلِّ واد يهيمون..
٭ ٭ ٭
ومن شعر نزار السهل الممتنع والذي فيه ومضات اجتماعية قد تكون مفيدة وتُسمع الكثيرين منا صوتاً آخر ربما لم يسمعوه من قبل، قصيدة له عن «العانس» جاءت على شكل مذكرات منسابة، يؤخذ منها ويترك، وما لا يؤخذ كله لا يتْرك كله، وما تداوله المفكرون وتناوله الكتاب من القضايا الاجتماعية وما عالجه الباحثون، يحسن بنا أن نضيف اليه ما رأه الشعراء وأصحاب المواهب الفنية، فإن الاستماع إلى صوت واحد ممل، وإن الرؤية باتجاه واحد تضَيِّق الأفق، ولا ترى الموضوع من جميع زواياه..
٭ ٭ ٭
«على دفترْ
سأجمع كلَّ تاريخي
على دفتر سأرضع كلَّ فاصلة
حليبَ الكلْمة الأشقرْ
سأكتب لا يهمُّ لمنْ..
سأكتب هذه الأسطر
فحسبي أن أبوح هنا
لوجْه البوْح لا أكثرْ
حروف لا مباليةٌ
أبعثرها على دفترْ
بلا أمل بأن تبقى
بلا أمل بأن تنْشرْ
لعلّ الريحَ تحملُها
فتزرع في تنُّقلها
هنا حرجاً من الزَّعترْ
هنا كرْماً هنا بيدر
هنا شمساً وصيفاً رائعاً أخضر
حروفٌ سوف أفرطها كقلب الخوخة الأحمر
لكلِّ سجينة تحيا
معي في سجني الأكبر
حروف سوف أغرزها
بلحم حياتنا خنجر
لتكسرَ في تمرُّدها
جليداً كان لا يكْسرْ
كتاباتٌ.. أقدمها لأية مُهْجة تَشْعرْ
سيسعدني إذا بقيت
غداً مجهولة المصدر..»
إن الشاعر - أي شاعر حقيقي وليس ناظماً - لا يعالج أي قضية اجتماعية بهذا التعبير «معالجة».. هذه مهمة العلماء والمفكرين والكتاب والخطباء.. الشاعر يصف ويصور.. يسمعنا صوتاً آخر.. وكلما كان موهوباً عشنا الجو الذي يحلق فيه، ورأينا تفاصيل الشيء الذي يصفه.. وعرفنا ملامح الصورة التي يرسمها.. وتعاطفنا معها.. وشعرنا بشعورها.. وانتقل تيار الشعور الكهربائي منه .. إلينا .. لهذا يكون تأثير الشعر أكثر من تأثير النثر.. وإن كان الشاعر لا ينصح.. ولا يأمر.. ولا يوجه.. انه يصَوِّر.. يصور فقط..
وكل الصيد في جوف الفَرَاء!
٭ ٭ ٭
قد يرى بعضنا في قول الشاعر على لسان عانس:
«لكل سجينة تحيا
معي في سجني الأكبر..»
مبالغة أو مغالطة.. والواقع أن المغالطة في رؤية مثل تلك.. إذ أن في (العوانس) من تعيش في سجن كبير بالفعل.. فالتي لا يزوجها أبوها بل يرد عنها الخطاب واحداً بعد واحد وهم أكفاء.. طمعاً في مرتبها.. أليست سجينة جشع أبيها وظلمه لها:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقْع الحسام المُهنَّد
والتي غالى أهلها في مهرها طمعاً وجشعاً وكأنهم في مزاد علني.. حتى تحاشاها الخطاب.. وفاتها الشباب.. ودخلت نفق العنوسة المظلم.. وما من طارق بالباب.. أليست تعيش في سجن كبير من صنع أهلها الجشعين؟
٭ ٭ ٭
«يروعني
شحوب شقيقتي الكبرى
هي الأخرى
تعاني ما أعانيه
تعيش الساعة الصِّفْرا
تعاني عقدةً سوداء
تعصر قلبها عصرا
قطار الحسْن مرَّ بها
ولم يترك سوى الذكرى
لقد بدأت سفينتها
تغوص.. وتلمس القعرا
أراقبها.. وقد جلستْ
بركْن تصْلح الشَّعْرا
تصَفّفه.. تخرِّبه
وترْسل زفرةً حرَّى
تلوبُ تلوبْ في الرُّدهات
مثل ذبابة حيْرَى
وتقبع في محارتها
كنهر.. لم يجدْ مجرْى..
٭ ٭ ٭
«لماذا يستبدُّ أبي؟
ويرْهقني بسْلطته..
وينظر لي كآنية
كسطر في جريدته
ويحرص أن أظلَّ له
كأني بعض ثروته
وأنْ أبقى بجانبه
ككرسي بحجرته
أيكفي أنني ابنته
وأني من سلالته
أيطعمني أبي خبزاً
أيغمرني بنعمته
أبي لم ينتبه يوماً
إلى جسدي.. وثورته»
إن بعض الآباء يفعل هذا!..
لا يزوج ابنته طمعاً في مرتبها..
أو استكباراً على كثير ممن يخطبها..
واعتقاداً في نفسه أنهم لا يستأهلون
شرف مصاهرته..
مع أن بعض الخطاب أفضل منه!
ولكن المغرور من الناس يرى في نفسه ما لا يراه غيره!
على أن العنوسة - في أغلب الأحوال - ليس سببها الآباء والأمهات..
فالذين يغالون في طلب المهور قليلون.. والذين يحجزون بناتهم عن الزواج طمعاً في مرتباتهن.. أقل من القليلين..
ولا يؤلم أب أو أم مثل وجود بنت له عانس قد أصابها الشحوب والذبول..
غير أن بعض الآباء والأمهات قد يتسببون في عنوسة بناتهم بسوء سلوكهم هم، فإن الرجل الشرير السيئ الأخلاق يفر الشباب من خطوبة بناته فرارهم من المجذوم.. وأن الأم ذات السلوك السيئ - والعياذ بالله - لا يفكر في خطبة ابنتها سوى مجنون..
غير أن الأم قد لا يكون سلوكها سيئاً فيما يخص شرفها، ولكنها طويلة اللسان، كريهة الأخلاق، والناس ليسوا على استعداد لمصاهرة سيئ الأخلاق.. كما أن كثيراً من أسباب العنوسة تعود للفتيات ذاتهن.. حين ترفض الفتاة.. وهي في ميعة الصبا - هذا وذاك طلباً للكمال أو ما يشبه الكمال - وهي مبعدة عن الكمال كغيرها- فيتحاشاها الخطاب، ويدبر عنها الشباب..
٭ ٭ ٭
ويصور الشاعر حياة الطبيعة وقد اندمجت فيها عانس تُحسّ - ولها الحق - أن الزواج هو الشيء الطبيعي فلماذا حرمتْ منه؛ ان الله سبحانه وتعالى قد خلقنا ازواجاً، والزواج هو سنة الحياة، وهو البيت والاولاد، إن الزواج هام جداً لدى الرجل، ولكنه لدى المرأة أكثر اهمية.. وبمراحل.. فالأمومة عندها غريزة قاهرة.. والحاجة الاجتماعية للزواج لديها ضرورة أو كالضرورة.. فهي بدون زواج تظل وحيدة كسيرة الجناح.. تؤلمها الوحدة.. وتأكلها أعين الزائرات.. ولن يدوم لها أب أو أم.. كلُّ من عليها فان.. يرحل الوالدان أولاً في الغالب العام.. ويتزوج الاخوان.. وتضيق عليها دائرة الوحدة.. وما لم تكن ذات عمل ودخل وهدف ورسالة في الحياة (وبالذات أعمال الخير والتطوع) فإنها تضربها سياط الاكتئاب، وتنبحها كلاب الوحدة، ويستثقلها من حولها، مع أنها - في الواقع - أحقُّ بالعطف والرحمة..
يصور الشاعر حال العانس وهي نازلة إلى الحديقة في الربيع، حيث موسم الخصب والنماء، الازهار تتفتح عن أكمامها، وتضوع بعطورها، والطيور تغرد بأصواتها، وتغني لازواجها، والدنيا ابتهاج:
«نزلت إلى حديقتنا
أزور ربيعَها الراجع
عجنت ترابها بيدي..
حضنت حشيشَها الطالعْ
رأيت شجيرة الدُّرَّاق
تلبس ثوبها الفاقعْ
رأيت الطيرَ محْتفلاً
بعودة طيره الساجعْ
رأيت المقعدَ الخشبيَّ
مثلَ الناسك الراكعْ
سقطت عليه باكية
كأني مرْكبٌ ضائعْ..!
٭ ٭ ٭
أحتى الأرض يا ربي
تعبر عن مشاعرها
بشكل بارع بارعْ؟
أحتى الأرض يا ربي
لها يومٌ تحبُّ به
تبوح به
تضمُّ حبيبها الراجعْ؟
٭ ٭ ٭
رفْوف العشْب من حولي
لها سَببٌ.. لها دافعْ
فليس الزنْبق الفارعْ
وليس الحقلٌ
ليس النحلٌ
ليس الجدول النابعْ
سوى كلمات هذي الأرض
غيرَ حديثها الرائع..»
1
أحسنتم في عرض هذه القصيدة الرائعة
فالكلمات تنساب
تعبر عن ألم مكبوت
بسلاسة لا مثيل لها
موفقين
فاطمة النور - زائر
07:48 صباحاً 2006/08/19
2
أضحك وأنا اسمع سيرتي في المجالس*** وأعرف عيون الناس ماترحم الحال
حالي مثل منهو على الباب حارس*** يحفظ كنوز ما تقدر بالأموال
صعبه يجي انسان مهوب فارس*** ياخذ بنيه ينضرب فيه الأمثال
ولا يجي طايش وجاهل مدارس*** أكبر طموحه نت وجوال
صدره من مرض الدخان تارس*** زود على التنباك منحط الآمال
النفس في خشمه ودايم يعاكس*** يقول انا لي شارب والبس عقال
خبرني كيف أحيا مع انسان لاقس*** وشلون أحري لعبه أنسان دجال
ايه أفتخر لا قالوا الناس عانس*** ما دام من تقدم مهوب رجال
ريان - زائر
09:57 صباحاً 2006/08/19
3
لا فض قلمك يا أستاذ عبدالله بصراحه على هذا المقال الذي يعالج مشكله مستشريه في كثير من المجتمعات فضلا عن هذا المجتمع واتمنى ان يقراء هذا المقال كل اب اقعد ابنته عن الزواج طمعا في الراتب او احتقارا للخاطب في مستوى دخله او مستواه الاجتماعي.
أحلى تحية
فلاح - زائر
10:29 صباحاً 2006/08/19
4
لا فض قلمك يا أستاذ عبدالله بصراحه على هذا المقال الذي يعالج مشكله مستشريه في كثير من المجتمعات فضلا عن هذا المجتمع واتمنى ان يقراء هذا المقال كل اب اقعد ابنته عن الزواج طمعا في الراتب او احتقارا للخاطب في مستوى دخله او مستواه الاجتماعي.
أحلى تحية
فلاح - زائر
10:33 صباحاً 2006/08/19
5
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مساء الخير،،،
في الحقيقة ان الحديث حول العنوسة لهو احد القضايا الاجتماعية الحساسة والتي للاسف اصبحت كثيرة وظاهرة اصبحت مثل الصداع ترافق كل فتاة بعد انتهاء دراستها فالفتاة تكون منشغله في دراستها الثانوية وبعدها الجامعي ولا تفكر كثيرا في الزواج..
ولكن بعد التخرج والجلوس في البيت او الحصول على العمل تبدا الفتاة في حالة كآبة شديدة لانها تخاف قطار العنوسة وانا اعزز قولي بمشاهد كثيرة لست بصدد ذكرها هنا.
لكن لو لم يتقدم للفتاة شخصا كفؤ يسعدها ويعيشها في حالة تقشف وحالة يرثى لها هل ازوجها ؟
بالطبع لن ازوجها الا لمن يستحقها ولو ارخصتها فالشخص المقابل سيرخصها.
اخواني الكرام
يجب ان تراعوا الله في تزويج بناتكم فلاترمونهم لكل من" هب ودب" خوفا من يركبوا قطار العنوسة.
في نظري الشخصي اتمنى ان تجلس البنت عانس ولا تتزوج زواجا تقليديا تروح فيه راحتها وسعادتها وبعدها بفترة تاتيني مطلقة !
هل تعلمون ان نسبة الطلاق لدينا فاقت حالات الزواج ؟
ان لم يتقدم شخص يستحق فتاتي لن ازوجها ؟
تحيتي للجميع،،،
الولهان
walhan43@hotmail.com
متعب - زائر
12:15 مساءً 2006/08/19
6
فعلا العانس لوعة الحزن تسري في شرايينها.. ودموع الحزن تكوي خديها.. انها السجينة في قفص الحياة تبكي ببكاء الترقب والانتظار.. انها الجميلة في عيني ابيها الجشع وخطابها عنها أعرضوا.. في عينيها يترآى طفل بضحكة ساحرة....وزوج في خيال الليل يزورها بقلة حانية.. اه.. شعور العانس حزين جدا ونزار قباني اجاد الوصف الادبي ولم يجد وصف لوعتها وحرقتها.. ولكن يبقى الشعور من حق العانس محفوظا لها في القلب الدامي والعين الباكية بجمر الانتظار ورحيل العمر وزهرة الشباب الذابل.. (( في احد الليالي اتصلت بي فتاة عانس اقتربت من الثلاثين تبكي بحرقة وتتمنى ان أجد لها زوجا.. وسبحان الله لم أتمالك دموعي من لوعة الفتاة وبكاءها ونحيبها فهي يتيمة وعندها اخوة يعيشون حياتهم متناسين حقوقها وحاجتها.. لذلك ايها الاباء زوجوا بناتكم واعينوا عليهم ووالله انهن امانة في زمن صعب وانهن باب من ابواب الجهاد في هذا الزمن الرديء))..
وصل الحربي - زائر
12:45 مساءً 2006/08/19
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة