الرئيسية > الأخــيــرة

بالفصيح

بأي حبر أرثيك


عبدالله الناصر

أبي .. يا أبي .. بأي حبر أرثيك؟ وبأي دمع أبكيك..؟ وبأي لغة أكتب عنك؟

الكلمات يا أبي تتيبس، وتُصيبها الرعشة، والرعدة، والوجل..

الدمع يسيل ناراً في محاجري.. النار تشب في جوانحي .. العبرات تختلج في صدري .. والقلب يتواثب كطائر متوجس مذعور..

الحزن يا أبي يعقد لساني، ويعجم بياني، فالفاجعة أكبر من اللغة، أكبر من الدمع الذي بخره الأسى:

فزعت إلى الدموع فلم تجبني

وفقد الدمع عند الحزن داء

يشهد الله أنك ما كنت أباً عادياً، بل كنت استثناءً في الآباء.. كنت الصديق، وكنت الرفيق، وكنت المشير، وكنت فوق ذلك المعلم العظيم..

٭ كان أبي أيها الأحبة - أسطورة، كان تاريخاً، كان رواية طويلة الفصول.. وأنا فخور، فخور بأن أقول ذلك عن أبي.. لست واقعاً تحت تأثير الحزن، والفجيعة، فأسرف في الحديث عن أبي.. فلا والله ما بالغت، وما أسرفت، وأشهد أني لأعجز في أن أقول ما أريد قوله في عمود، أو صفحة، أو صفحات..

قلت إن حكاية أبي طويلة.. فمن أين أبدأ، وماذا أقول؟

ماذا أقول عن رجل عركته الأيام طفلاً وحمل سلاحه في معارك توحيد هذا الوطن يافعاً.. وكان شاهداً، ومؤرخاً أميناً لكثير من الأحداث والمواقف، والمشاهد، التي عندما يسردها ويتحدث عنها، يندهش لها السامع ويؤخذ بها، لأنها تفصح بجلاء عن عظمة إنسان هذه الجزيرة..

قلت لكم أنني لست واقعاً تحت تأثير الحزن، فأكتب لكم بخيال الرجل الحزين.. أبداً فالذين يعرفون والدي، والذين سمعوه، وجلسوا إليه - وهم بحمد الله كثير - يعرفون عنه فوق ما قلت.

٭ أبي كان إنساناً نادراً، كان معلماً فذاً، والله يشهد أنني تعلمت منه فوق ما تعلمته من غيره طيلة حياتي..! كان شديد الصبر، واسع الحلم، محباً للخير، موصياً به، وبفعله، محباً للناس، حسن الظن بهم، لم يغتب أحداً، ولا يقبل أن يغتاب أحداً عنده، وكان أكره شيء لديه النميمة، وتناول أعراض الناس.. كان يفعل الخير في سره أكثر منه في علنه، ويأمر بالمعروف، والإحسان إلى الناس في سره وجهره.. كان طلق المحيا، لا تراه إلا هاشاً، باشاً مبتسماً حتى في أصعب الظروف، والمواقف، كان شديد التحمل، شديد الصبر، قليل التشكي حتى في أيام مرضه الأخير، فقد كان يتحمل متاعب المرض بصبر واحتساب. فلم يتضجر يوماً، ولم يتألم يوما، ولم يظهر جزعاً، ولا فزعاً. كان يتحامل على أوجاع المرض ومتاعبه، فإذا سألته عن حالته رد عليك بابتسامة مشرقة راضية: أنا بخير ... أجل!! فلقد كان جَلداً، متحملاً، متحاملاً على نفسه .. كان طرازاً فريداً وكأنه ذلك الذي عناه الشاعر القديم بقوله:

قليلُ التشكي للمصيبات حافظٌ

مِنْ اليومِ أعَقَابَ الأحاديثِ في غدِ

٭ كان - رحمه الله - يتمتع بذاكرة وطنية نادرة.. كان حب الوطن يسري في عروقه، ويجري مجرى الدم. وكانت هذه الوطنية نابعة من دراية وخبرة. كانت نتاج تجربة وحنكة. لذا فهو من أشد الناس وعياً بمعنى الوطن ووحدته والعمل من أجله. وسأضرب لكم مثلاً عن موقف حدث لي معه حول هذا المعنى:

فقد جئته يوماً، وقلت له إنني مللت من الرحيل ومن العمل خارج الوطن، بسبب الاغتراب، والحياة المعيشية المرهقة، وأنني أرغب في العودة، فنظر إليّ نظرة فيها كثير من الاستغراب والعجب!! وقال: هل أنت ذاهب هناك للراحة والتكسب..؟ ثم أردف: يا ولدي كان الرجل إذا أغار أحد على جاره أو جارته، وأخذ ولو شاة، ركب حصانه، وأخذ سلاحه ودخل في معركة مع المغير وقد يقتل وتذهب نفسه فيها من أجل شاة..! أفلا تصبر من أجل وطنك؟

.. خجلت من رده، وتعلمت درساً في الوطن فوق جميع الدروس..

٭ أبي .. قلت إنني لا أعرف كيف أبدأ الحديث عنك ولا كيف أنهيه، فالحديث معك وعنك طويل، طويل.. إن مساحة الورق هنا أقل، وإن مساحة الدمع أقل وأصغر، أما مساحة الجرح فلا ضفاف لها .. سوف تشيخ الكلمات وما شاخ الحديث. ولعلني أكتب عنك شيئاً آخر، وكلاماً آخر، في مكان آخر.. وكنت أتمنى شيئاً واحداً، كنت أتمنى أن أراك فأضمك ضمة، وأشمك شمة قبل الموت .. رحمك الله يا أبي، وسوف أظل أذكرك، وأبكيك، ما ذرّ شارق، وما لاح بارق، وما ائتلق نجم في السماء، وسأظل وإياك كما قال الشاعر القديم:

لقد لامني عند القبور على البُكا

رفيقي لتذراف الدموع السوافك

فقال: أتبكي كل قبر رأيته

لقبر ثوى بين اللوِّى فالدكادك

فقلت له إن الشجا يبعث الشجا

ذروني فهذا كله قبر مالك

فسلام الله عليك ورضي الله عنك، وأسكنك جنة الخُلد، وحشرك في زمرة الأنبياء، والصالحين، وجمعنا بك في مستقر رحمته..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 51

  • 1
    أحسن الله عزاك.. وعظم الله أجرك..

    عبدالعزيز - زائر

    02:56 صباحاً 2006/08/18


  • 2
    صبرا ياكاتبنا العزيز عبدالله الناصر..اللهم ارحم والدك..واغفر له وطهره من الذنوب واغسله بالماء والثلج والبرد... ان من اكبر الفواجع فقد الغالي والحبيب..
    ولكن يا اخي هذه الدنيا ممر وكلنا سنسير في هذه الدرب يوما..اللهم اجمعك بوالدك في مستقر رحمته..في جنة الخلد حبث لاموت ولافراق
    لابد انك تذكر بيت الشاعر السديري..
    ياليت ربي ماخلق حب وفراق...
    ولا خلق حبن على غير فرقى...
    ولكننا نؤمن بان الله خلق حبا وخلق ابدية..بقربه..ندعوه سبحانه وتعالى ان يكرمنا بجنته الابديه حيث احبابنا معنا بلا فراق ولا موت..
    اللهم عظم اجرك..واعانك في مصيبتك..واحسن الله عزاك

    الجازي الدوسري - زائر

    03:32 صباحاً 2006/08/18


  • 3
    رحمة الله واسكنة فسيح جناته,وفي الحقيقة ان من انجب شبلا مثل الاستاذ عبالله الناصر فهو لم يمت.

    فهد - زائر

    03:49 صباحاً 2006/08/18


  • 4
    احسن الله عزاءكم وغفر لوالدك وجمعك به في مستقر رحمتة
    اللهم اغفر لجميع المسلمين احياء واموات

    فهد الحمود - زائر

    04:17 صباحاً 2006/08/18


  • 5
    صبر جميل و الله المستعان..
    وحق لمن كان خلقه وعمله مثل ما ذكرت.. ان يرثيه الوطن..
    غفر الله له ورحمه واسكنه الفردوس الاعلى.. ولا حول ولا قوة الا بالله.. وانا لله وانا اليه راجعون.

    خالد السبيعي - زائر

    04:19 صباحاً 2006/08/18


  • 6
    ( إنا لله و إنا إليه لا راجعون )
    رحم الله والدك وأسكنه فسيح جناته

    عادل السليمان - زائر

    04:39 صباحاً 2006/08/18


  • 7
    عظم الله أجرك و أحسن عزاك، و رغفر الله لوالدك و أموات المسلمين.

    صلاح بن سعيد - زائر

    05:32 صباحاً 2006/08/18


  • 8
    أحسن الله عزاءكم وجبر مصابكم ورحم ميتكم...
    وإن أبا ترك مثلكم لسعيد باستمرار أعماله بعد موته، وبقاء ذكره بعد فوته...
    أكرر العزاء والدعاء وإنا لله وإنا إليه راجعون

    محمد القرني - زائر

    05:39 صباحاً 2006/08/18


  • 9
    عظم الله أجرك و أحسن عزاك، و غفر الله لوالدك و أموات المسلمين

    فيصل القصير - زائر

    05:40 صباحاً 2006/08/18


  • 10
    أبا عبدالعزيز
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,,
    غفر الله لوالداك وجمعنا الله به في جنات الفردوس الاعلى مع النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا...
    لم تبالغ في ما قلت عنه رحمه الله...
    فأعمالك وكتاباتك جزء من ماقام به رحمه الله...
    فنأمل ان تكون انت من ماقال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم ( اذا مات ابن ادم انقطع عمله الا من ثلاث وذكر منها ولد صالح يدعو له )

    عبدالعزيز بن محمد بن عبدالرحمن الحصان - الولايات المتحدة - زائر

    06:01 صباحاً 2006/08/18


  • 11
    رحمه الله هو وجميع موتانا وموتى المسلمين والمسلمات وأجبر الله كسركم وعليكم بالهدايا لأن عمله من الدنيا أنتهى وهنا أجد فرصة لكل أب وأقول من منكم يريد أن يترك ذكرى خالدة عظيمة في نفوس أبنائه فغلى قدر ما تعطي تكسب والأم كذلك لأن بعد موتنا تبقى ذكرى لنا وبها نكسب أو نخسر فحسب مانترك في نفوس أحبة لنانجد في عالمنا المجهول ونفتخر بهدايا أحبتنا

    مريم عبد الكريم بخاري - زائر

    06:07 صباحاً 2006/08/18


  • 12
    السلام عليكم...
    أشارككم العزاء بوفاة والد الجميع رحمه الله...
    سائلا الله لكم ولجميع أفراد الأسرة الكريمة الصبر والسلوان...
    ولفقيد الجميع أسأل الله أن يغفر له ويرحمه ويسكنه فسيح جناته...
    (( إنا لله وإنا إليه راجعون )).

    RAASHED - زائر

    06:34 صباحاً 2006/08/18


  • 13
    أحسن الله عزاك وغفر الله له وأسكنه فسيح جناته.

    sulaiman - زائر

    07:01 صباحاً 2006/08/18


  • 14
    بقلوبنا وبدعواتنا.نحن معك أستاذنا وأخونا الكبير..الاستاذ عبالله الناصر
    تقبل الله ميتكم بمغفرة والهمكم الصبر والسلوان..
    إنا لله و إنا إليه لا راجعون
    سبحان الحي الذي لايموت

    تركي بن صالح بن عبد العزيز الشويعر - زائر

    07:08 صباحاً 2006/08/18


  • 15
    احسن الله عزاكم وغفر الله له واسكنة فسيح جناته

    عبدالمحسن فهد ... - زائر

    09:06 صباحاً 2006/08/18


  • 16
    بسم الله الرحمن الرحيم..
    إنا لله وإنا إليه راجعون..
    إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى..
    أعظم الله أجرك.. وجبر مصابك.. وغفر لوالدك ورحمه الله رحمة واسعة..
    أسأل الله أن يجيركم في مصيبتكم وأن يخلف لكم خيراً منها..

    سلطان بن عبدالله العبداللطيف - زائر

    09:29 صباحاً 2006/08/18


  • 17
    عظم الله أجركم وأحسن الله عزائكم واسكنه الله فسيح جناته

    حارث الماجد - زائر

    09:37 صباحاً 2006/08/18


  • 18
    عز الله أنه ما مات يوم خلف كاتبنا المحبوب.

    عبدالله العريفي - زائر

    10:07 صباحاً 2006/08/18


  • 19
    الله يرحمه ويسكنه الجنه..
    وابوك مامات وانت موجود ياعبدالله الناصر..
    قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( اذا مات ابن ادم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جاره او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له ) او كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم..
    ياسلااام كلمات حقا معبره ياعبدالله الناصر.. شكرا لك والهمك الصبر والسلوان انت واهلك وعائلة الناصر..

    خالد الشمري - زائر

    11:13 صباحاً 2006/08/18


  • 20
    عظم الله اجرك واحسن الله عزك في والدك إن العين لتدمع والقلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا
    اللهم اجمعنابااموات المسلمين في الفردوس الاعلى يارب العالمين
    اخوك ابو محمد المقحم استراليا

    ابومحمد المقحم - زائر

    11:42 صباحاً 2006/08/18


  • عرض جميع التعليقات

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة