أسندت ظهرها المتعب على جذع الشجرة الضخمة ذات التفرعات الممتدة عبر الشقوق الغائرة بالأرض، وقد عضت بجذورها التربة بكل ما أوتيت من قوة معلنة للملأ أن الأرض أرضي ولن أبرحها..
كم هي وفية تلك الشجرة، تسخر بوفائها من غدر البشر وتقلباتهم، سكنوا الأرض وعندما استغنوا عنها رحلوا كما رحل غيرهم بصمت تاركين تلك الشجرة التي زرعتها أيديهم تراقب تساقط أوراقها عبر الفصول.
آآآآه تنهيدة أطلقتها من الأعماق... إنه الزمن الذي طوى صفحة من صفحاته وعلقها بذاكرتها للأبد، صفحة أبدعت برسمها ومزجت ألوانها بدقة متناهية لتكون وردة تعطر بعبيرها الذاكرة ومتنفساً للألم ودواء للسقم والهم.
حدقت بالأرض ملياً وهي تتأمل تفرعات الشجرة عبر شقوقها فمنها ما برز ومنها ما غطاه التراب! رددت: أين هم الرسامون ليروا إبداعات الطبيعة وقدرة الخالق بكل تفاصيل ودقائق هذا الكون الشاسع الملئ بالأسرار، استرخت وألقت بثقلها على الجذع الضخم الذي احتواها وكأنه أحس بما تعانيه، أرخت باستماتة جفنيها وهي تعض بأسنانها على شفتها المرتجفة، ثم تحولت وجنتاها مجرى لنهر دافئ تدفقت ينابيعه من مقلتيها التي جادت بالدمع المتحجر بأعماقها منذ سنوات مزق أنينها سكون بيت الطين العتيق، فتساقطت الأوراق اليابسة حولها لتجفف بها دمعاتها الحارقة أو لتذكرها بالعطش، فقد مدت جذورها للأعماق بحثاً عن قطرةماء، فأين أنتم يا من سكنتم القلب يوماً وضمتكم الأحضان عبر الأثير والقلب كسير؟؟ ثم رحلتم بلا وداع بلا قطرة ماء أو عتاب!!.
وعلى شاطئ مهجور قذفتكم الأمواج والرياح العاتية فبحثتم عن مرتع الطفولة ومراعيها الخصبة، وأنتم تقلبون النظر بدفاتر الذكريات تتصفحون أوراقها الملونة التي تحولت لصفرة ممقوتة، مسحت السحب حروفها وحولتها لطلاسم يفوح شذاها في مكان قصي بالذاكرة يتزايد مع زيادة التجاعيد على جبين شيخ توسده الألم وافترشه اليأس.
ارتفعت أصوات أخوتها تنادي باسمها كما كانت صغيرة تكاد ترى أجسادهم الصغيرة تحيط بها، أين هم الآن؟ قد بعثرهم الزمن كما بعثر ذكرياتها، لملمت شتاتها حملت جسدها المتعب وعلى عتبة الباب وقفت حائرة تدس أنفها وترتشف عبر أنفاسها رائحة الطين الذي بللته دموعها، لوحت مودعة بقايا أشلاء ذاكرة خلدها الزمن.