على شاطئ البحر تنتشر بيوتات تلك القرية الساحلية المتناثرة المتباعدة مع أمواج البحر الهادرة فتراها وكأنها تتراقص على ذلك الساحل الكبير، أهلها كسائر سكان المدن الساحلية فهم يعملون بالصيد وصناعة السفن والقوارب الصغيرة.
وقد اشتهر أهل تلك القرية بقلة الصلاح وكثرة الذنوب وألوان المعاصي وفشت فيها الجرائم من السرقة والاعتداء وقطع الطرق.. عربدت الشياطين بعقولهم وتاهوا عن الحق وغابت عنهم الفضيلة وقل أهل الصلاح الذين يشكلون القلة القليلة في تلك القرية.
وانتشرت أخبار تلك القرية السيئة بين القرى المجاورة حتى أصبحت منبوذة ولا يقربها قريب أو بعيد إلا بيت صياد واحد يعيش مع زوجته السيئة الطباع المرة المعشر وابنته الصغيرة التي سقاها أبوها شيئاً من ماء الحياء ونفحة من نفحات الصلاح وهي أعز ما يملك في هذه الدنيا.
فكان هذا الصياد يخرج مع كل فجر يتجه إلى الشاطئ يبحث عن قوت يومه وقد عهد على نفسه ألا يرمي الشبكة أكثر من ثلاث مرات كل صباح يخرج منها ما يصيده ويقتات بها مع ابنته وزوجته.
وفي ذات يوم رمى الصياد الشبكة كالمعتاد ثلاث مرات وفي كل مرة يخيب حتى أكمل الثلاث رميات، فرجع في هذا اليوم إلى بيته خالياً فارغ اليدين.. استقبلته زوجته القاسية الحادة الطباع السليطة بكلمات كالشرر وجمعت له العبارات المدوية القاصف التي تكاد أن تمزق طبلة أذنيه وكالمعتاد استعاذ بالله من الشيطان وانصرف عنها وكأنه لا يسمع شيئاً وإذا بها تمد يدها وتسحبه من ثوبه قائلة: هل تريدنا أن نموت جوعاً.. اذهب اخرج ولا تعود إلا ومعك شيء وإلا لن افتح لك الباب أبداً، وأخذت تكيل له العبارات اللاذعة التي لا يستحقها هذا الرجل الطيب النقي السريرة.. فخرج.
ولم ينس الله عباده الصالحين ولن يضيع الله عمل المحسن {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً}. فما أن خرج الرجل من البيت حتى جاء حارس أمير القرية إلى بيت الصياد يطرق الباب... تنظر زوجته من فتحة الباب الصغيرة مترددة فتحت المرأة الباب وهي مرتعدة خائفة.. ماذا تريد أيها الحارس.. نعم ماذا تريد؟!.
أين زوجك الصياد؟
فقالت الزوجة لقد خرج من الصباح.
فقال الحارس: أخبريه ان الأمير يطلبه لأمر غاية الأهمية..
فذهلت الزوجة من هذه الزيارة المفاجئة الغريبة.. فحارس الأمير الخاص لا يطلب إنساناً إلا لأمر ضروري وزوجها ليس له ميزة أو فضلة يزيد بها عن باقي رجال القرية وليس له لا بالعير ولا بالنفير.. ولا من الأعيان ولا وجهاء البلد.. فقررت المرأة بعد طول تفكير أن تذهب وتبحث هي بنفسها عنه.. فخرجت هي وابنتها فمرت على أكثر بيوت الساحل وأزقته وحواريه، فلم تجده! فلم يبق إلا الجهة الشمالية لم تصلها التي تحوي شجرة السدرة الكبيرة.
وكانت قد جمعت أطفال القرية ليساعدوها في البحث عن زوجها ووعدتهم بهدية ثمينة حتماً. فوجدوه عند شجرة النبق المعمرة قائماً يتوسل بالله ويستغيث به ليفرج عنه الكربة ويصرف عنه الهم. وقرأ {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}. {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}.. فجاء المنادي: انهض يا رجل فإن الأمير يطلبك.
فسأل الله أن يكون خيراً وأن يعينه على تلك المقابلة. فذهب إلى القصر فدخل على الأمير ومن حوله أحد وزرائه فقاده إلى إحدى غرف القصر وإذا به ينظر إلى سرير تستلقي عليه فتاة جميلة بعمر الزهور وهي زهرة حقيقة.. فهي فاتنة يضرب المثل بجمالها بين فتيات أهل الساحل! ولكنها شاحبة ذابلة تشعر عندما تنظر إلى عينيها الواسعتين ان المرض قد لعب بها، وعلامات تعب البنت والخوف عليها ظهر على وجه أبيها الأمير وأمها.
نظر إلى الوجوه الموجودة في تلك الغرفة وهي عابسة واجمة.. فبدأ الأمير الحديث بعد هذا الاستقبال الحار بعد العثور عليه وكأنه عثر على كنز ثمين، بل إن الأمير قد عانقه واحتضنه من شدة الفرح، علماً انه لم يعانق من قبل أحداً من رعيته إلا وجهائها.
أخرج الأمير الأم والوزير من الغرفة وبقي رجل واحد موجود بالغرفة مع الأمير وجهه تظهر علامات الزيغ والضلال وتغطي وجهه شيء من الغبرة وهالة دخان مظلم.
الأمير: أنت الصياد نادر؟ نعم أيها الأمير انه هو.
الأمير: أتعرف من هذه الملقاة على السرير.. إنها ابنتي أيها الصياد.
الصياد: وما دخلي أنا أيها الأمير..
الأمير: أنت كل شيء بالنسبة لي الآن وأريد مساعدتك.
الصياد: باستغراب.. أنا تحت أمرك وسمعك وطاعتك يا مولاي الأمير..
الأمير: أريدك أن تعالج ابنتي.
الصياد: ولكن يا مولاي أنا لست طبيباً.
الأمير: أعرف انك لست طبيباً ولكني وجدت عندك ما لم أجده عند الآخرين من سكان القرية.
الصياد: وما هو يا مولاي؟
الأمير: إنها التقوى والصلاح وخوفك من بارئك ولسانك الذي لا يهدأ عن ذكر الله ولم أجد أفضل منك في القرية. وان ابنتي ليست مريضة بمرض عادي ولكنها.. مسحورة.
الصياد: وأنا لا أعرف بالسحر شيئاً أيها الأمير.
الأمير: لكن علاجها بين يديك، وأريد أظافرك.... (بقايا أظافرك). وشيء من شَعرِك.
الصياد: أظافري!! وبقايا من شعري.. وماذا تريد بها.
الأمير: إن هذا الرجل الذي يقف أمامك أتعرفه؟
الصياد: لا.. لا أيها الأمير.
الأمير: إنه ساحر..!
الصياد: أعوذ بالله...... ساحر.
الأمير: نعم وقد طلب مني طلباً بسيطاً وبيّن أن علاجها بين يديك، قائلاً ان ابنتك لا تشفى إلا بعد أن تأخذ بقايا أظافر رجل صالح... لم يتعد على أحد ولم يعرف عنه اقتراف معصية وظلم أحداً... رجل نجيب.. عفيف.. رجل يذكر الله قياماً وقعوداً... رطباً لسانه بذكر الله. ولم أجد أفضل منك بعد أن ذكروك لي، أراد أن يعمل لها سحراً لكي تشفى ولم يكتمل إلا بمزج أظفارك وشيء من شعرك بمادة السحر.
الصياد: إن أظافري ليست دواء ولا فيها شفاء.. إنها بقايا من لحم ودم.. والشفاء إنما يكون بذكر الله.. {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.. «وما من داء إلا جعل الله له دواء..»، والعلاج لا يكون بمحرم.. فلم أجد أفضل من ذكر الله شفاء.. فهو الشافي وليس بسحر ولا كهانة ولا ما يغضب الرحمن علينا.. وأعلم يا مولاي أن بقايا أظافري لا تنفع ولا تضر... أما سمعتم قوله تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر}. ولا نبيع آخرتنا بدنيانا ونضيع نصيبنا من ثواب الآخرة ونعيمها {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق}.
الأمير: وهل لديك كل هذا.
الصياد: نعم أيها الأمير... وفي هذه اللحظة ضاقت بالساحر الحيل وبدأت عليه عدم الارتياح وضاقت نسائمه.. بل ضاقت عليه كل هذا الكون الرحب الواسع لأنه ربما سيأخذ الصياد مكانه عند الأمير.
فوضع الصياد يده على جبين ابنة الأمير ذاكراً لله... يتلو عليها شيئاً من آيات القرآن والأديعة والأذكار النبوية.. ثم ينفث.. ففتحت البنت عينيها.. حتى بدأت شيئاً فشيئاً تتحرك ثم ترتفع من السرير.... استيقظت من تلك الغيبوبة وظهرت عليها علامات الشفاء وسريان العافية في جسدها... وكأن هذا الرجل ينضح الماء على زهرة ذابلة هجرها الماء مدة طويلة.. بدأت تدب بها الحياة وتعود عليها النظرة والبهاء...
ثم نطق الأمير مبتهجاً... أطلب... أطلب أيها الصياد ما تريد... ذهب.. فضة.. مال... قصور.
الصياد: أطلب من الأمير أن يهتم برعيته وينشر بين أبناء القرية الخصال الحميدة وأن يسير بهم إلى أبواب الطاعة والرجوع إلى الله.. وأن يأخذ بي العاصي والمخالف ويشدد على المجرمين وأهل الضلال في قريتي.... فو الله ما رفع البلاء إلا بتوبة وما حل العذاب والنقم إلا بمعصية... فما زلنا بخير ما دام هناك من يأمر بالمعروف.
فتغيرت تلك القرية وسادت بجنباتها الفضيلة وانتشر بربوعها روح الطيبة والطهر وتنتصر النفحات المقدسة وتقهر أغواء الشيطان وصلحت بصلاح ذلك الرجل..