الرئيسية > الأخــيــرة

حول العالم

أصوات إلهية أم هلوسة ذهنية؟!


فهد عامر الأحمدي

انتهيت قبل أيام من قراءة كتاب جميل يدعى أرواح وأشباح (وعنوانه الأصلي Spirits and Bogies).. أما المؤلف فطبيب أعصاب بريطاني يدعى بول بروك استقبل في عيادته - طوال العقود الماضية - أعداداً كبيرة من المرضى والمجانين والمصابين بالهلوسة والهذيان.. وفي كتابه هذا يستعرض قصصاً كثيرة عن مرضى يسمعون أصواتاً أو يرون أشباحاً وأرواحاً لا يراها غيرهم. ومعظمهم يملك عارضاً بسيطاً - بحيث يبدون طبيعيين من الخارج - ولكنهم مقتنعون برؤيتهم لأشياء «خارقة للعادة» أو سماعهم أصواتاً «تأتي من السماء».. وبصرف النظر عن القصص الكثيرة في الكتاب ينتهي الدكتور بروك إلى فكرة أساسية مفادها أن جميع الادعاءات برؤية الأشباح والأرواح - أو سماع الأصوات الغريبة - هي هلوسات مرضية متأصلة (أو عابرة يتعرض لها معظم الناس).

ورغم أن المؤلف لم يتحدث عن علاقة ذلك بالمناضلة الفرنسية المعروفة «جان دارك» إلا أنني شخصياً تساءلت عن إصابتها بحالة من هذا النوع (وتحديداً: سماع أصوات تلقى من السماء).. ففي عام 1337 بدأت أطول حرب في التاريخ بين فرنسا وانجلترا استمرت لمدة 116عاماً. وبدأ النزاع حين طالب الملك الإنجليزي إدوارد الثالث بحقه في عرش فرنسا (بحجة أن والدته شقيقة لآخر ثلاثة ملوك فرنسيين).. وكما جرت العادة - حين يختلف الإنجليز والفرنسيين - فاز الإنجليز بمعظم المعارك واحتلوا شمال البلاد بما في ذلك باريس. غير أن ظهور فتاة فرنسية صغيرة تدعى جان دارك غير مجرى الأحداث وقلب موازين القوى. فرغم أن ظهورها لم يستمر لأكثر من عامين إلا أنها قادت الفرنسيين في معارك حاسمة وأنقذت بقية فرنسا من الاحتلال.. وقد حضرت فجأة من قرية تدعى دمريمي ودخلت على تشارلز السابع وقالت له بكل ثقة «أيها الملك النبيل أتيت لأنقذك بأمر إلهي». ورغم تهكم الحاضرين إلا أن ثقتها بنفسها - وإيمانها برسالتها - مكنتها من إقناع الملك (الذي كان يائساً ومفلساً) فعهد إليها بقيادة فرقة صغيرة من الجنود. وأمام دهشة الجميع حققت بهذا العدد القليل خمسة انتصارات كاسحة على الإنجليز متقدمة المعارك بنفسها. ورغم أن انتصاراتها رفعت معنويات الشعب بأكمله إلا أنها أثارت أيضاً حقد الرجال المحيطين بالملك الفرنسي. وحين تحركت لفتح باريس منعوا الملك من مرافقتها خوفاً من انتصارها - ثم تمردها عليه هناك.. ليس هذا فحسب بل أوعزوا إلى جيش الملك بالتراجع قبل دخول باريس فوجدت نفسها وحيدة - إلا من عدد قليل من المخلصين - فتم أسرها عام 1430. ولأن الإنجليز - بدهائهم المعروف - يدركون منزلتها في قلوب الفرنسيين لم يحاكموها كثائرة وطنية بل كزنديقة خرجت على تعاليم الكنيسة وادعت صلتها بالرب.. وهكذا حكمت عليها الكنيسة الفرنسية بالموت حرقا بتهمة الهرطقة ولم تتجاوز بعد التاسعة عشرة من عمرها !!

-ولكن.. ما سر هذه الشجاعة التي مكنت فتاة قروية (أمية) من قيادة الجيوش الفرنسية!؟

ومن أين استمدت هذه الجرأة والثقة بالنفس والتأثير على الملك وغالبية الشعب !؟

الجواب يكمن في اعترافات جان دارك نفسها بأنها تسمع أصواتاً من السماء توجهها لإنقاذ فرنسا وطرد الإنجليز. وقد بدأت بسماع هذه الأصوات في سن الثانية عشرة حتى آمنت بأن ملك السماء (حسب قولها) اختارها لإنقاذ ملك الأرض.. وهذا الادعاء بحد ذاته يكفي لإثبات أن جان دارك كانت مصابة بهلوسة نفسية جعلتها تسمع أصواتاً غير حقيقية (في رأسها) صدقت بأنها أصوات ربانية.. ومن المعروف أن سماع أصوات - لايسمعها الآخرون - من الأعراض المعتادة للهلوسة وغالباً ما يفسرها السامع بحسب ظروفه الخاصة والأحداث الغالبة حوله.. بل يقول علماء النفس إن (حتى) الناس الطبيعيين قد يمرون بهذه الحالة تحت ضغوط خاصة مثل فقد الزوج أو الابن حيث يُرى له طيف أو يُسمع له صوت.. (وفي تراثنا العربي يوجد كتاب يدعى «الهواتف» للحافظ ابن أبي الدنيا يضم قصصاً كثيرة عن رجال ونساء لا يخفى على أحد تقواهم وصلاحهم سمعوا أصواتاً غريبة ترشدهم إلى فعل هذا أو ترك ذاك..)!!

-كل هذا يجعلني أتساءل عن عدد العظماء الذين قادتهم أصوات كهذه إلى قمة المجد والشهرة!؟

وهل مظاهر النرجسية - والقرارات المصيرية- التي يصدرها بعض القادة العرب سببها قناعتهم بأنها من «عليّ قدير»!؟

fahmadi@alriyadh.com

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 22

  • 1
    أستاذي الفاضل مقاله رائعه كعادتك دوما ولكن ماذا تقول في سماع اصوات توقضك للصلاة وأن وقتها قد حان وعندما تستيقظ تجد الغرفه مغلقه ولا أحد بجانبك هل يعقل أن يكون هذا هلوسة ؟

    وفاء العتيبي - زائر

    04:11 صباحاً 2006/08/13


  • 2
    فهد.. مشكوور على الموضوع وما قصرت..
    بس ابغى اعرف لك كتب او لا..
    اخوك abotarg

    abotarg - زائر

    04:12 صباحاً 2006/08/13


  • 3
    العقل الباطني له دور كبير قي أعطاء أي حافز للإنسان فحسب ماتبرمجه يعطيك فلو قلت أنا لا أقدر فعمرك ما تقدر ولو قلت له أنا أقدر تقدر وتنجح فأحيان الإنسان يتخيل واقعا بعيد عنه ولكن من شدة التفكير فية يصبح حقيقة فالبرمجه العصبيه هي الدافع للأنسان إما تحبطه أو تدفعه للأمام.. وأخيراأقول للكاتب مبروك اليوم منور في القمة ومقالك في الأخيره يعني ماشاء الله نور في أولها وآخرها..وأقول للجميع ومع بزوغ فجر جديد تذكروا مرور أيام كلمح البصر فهلاً حاسبنا نفس كم ذهب من عمرها وكم بقي.والله الهادي للجميع

    مريم عبد الكريم بخاري - زائر

    05:51 صباحاً 2006/08/13


  • 4
    كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله الانبياء والرسل يأتيهم الوحي.. اما غيرهم فهي هلوسة وايحاءات ذاتية تصنع ثقة بالنفس وتثمر عن عزيمة وروح قيادية.. وليس كل الروايات صحيحة في شأن القادة والعظماء فبعضها بل والكثير منها مكذوب ومبالغ فيه من محبيهم ومعجبيهم..

    وصل الحربي-المدينة المنورة - زائر

    05:55 صباحاً 2006/08/13


  • 5
    هذا أول رد لي على موضوع من موضوعات أبو حسام
    لكن بغض النظر عن الاصوات المسموعة
    أهم شي انها كانت سبب بتحرير مناطق بفرنسا
    انا اعتقد انه الواحد أهم شي يكون عنده شي معين , يؤمن فيه و يشتغل عشانه , لأنه قوة الايمان بالهدف هي الشي الوحيد اللي راح يحققه,,,
    زي ال " بلاسيبو " أو الدواء الخدعة...

    Mohamed Jalaly - زائر

    06:19 صباحاً 2006/08/13


  • 6
    نعم مبدع دائما استاذ فهد...
    فكم انا معجبة بمقالاتك الرائع...
    منذو لم يتجاوز عمري الخامسه عشر...
    وكم تمنيت ان يكون لك كتاب تجمع فيه هذه الدرر المقاليه...
    دمت مبدعا ومتالقا...

    لبنى الضحيان - زائر

    06:41 صباحاً 2006/08/13


  • 7
    الارادة والايمان بما يقوم به الشخص هو الصانع الحقيقي للمعجزات.

    ابراهيم عبدالله الرشيدي - زائر

    08:35 صباحاً 2006/08/13


  • 8
    مرحبا.. صباحك خير
    لماذا ألا يكون صوت داخلي كما الضمير ؟

    تركي - زائر

    08:44 صباحاً 2006/08/13


  • 9
    أخى الكريم شكرا على أثاره الموضوع
    كل فتر زمنية يبتلى العالم ببعض من أصيب بلوثة عقلية.المصيبة لو اقترن الجنون بالقدرة على أحداث الادى كأن يكون المجنون صاحب مركز كقائد أو صاحب شعبية سوا مغنى مممثل او رئيس دولة كبوش الدى ادعى تحدث الله معه لينتخب نفسه ويعيد انتخابة وليمتحن العالم

    محمد ناصر - زائر

    08:52 صباحاً 2006/08/13


  • 10
    طبعا نؤمن بأن الله هو ملك الارض والسماء وهو القائم فوق عباده (جل وعلا) ولا بد أن نعرف المقياس الذي بناء عليه نحكم أن الهاتف الذي يسمعه شخص هو مصدره الالهام الرباني أو حديث النفس أو هلوسة أو غير ذلك.. إذا كان ما يسمعه الشخص أو يخطر على باله هو أمر بالمعروف والخير للبشريه ومتوافق مع شرع الله فهو من الله أما إذا كان للمصالح الشخصية والقتل والتدمير مثل هلوسات بوش فهي بلا شك ليست من الله.. إلا إذا كان المعنى تحذير من الاستمرار في الشر.

    محمد الافندي - زائر

    11:21 صباحاً 2006/08/13


  • 11
    من شر الوسواس الخناس صدق الله العظيم الوسسة من الشيطان والعياذ بالله فلا تجعل للشيطان طريق يسلكة اليك واستبدلها بمحاكاة النفس بالابداع والابتكارات الجديدة في كل يوم جديد وشكرا لك

    عبداللطيف النصر - زائر

    12:02 مساءً 2006/08/13


  • 12
    مقال ممتع تختلف أبعاد كلماته في البداية لتصل لنهاية مؤلمه لها أبعاد أخرى
    ففي النصف الأول للمقال أعتقد أن الهلوسات تتأثر بالمحيط ولنا في هذا شكوى
    المرضى في المصحات النفسية الأمركية عنها من العربيه حيث يرون غالبية مرضى الدول المتقدمه أنهم أشخاص من كواكب أخرى يسمعون أصوات يعتقدون أنها خارقه لهم فيما نجد أن العرب يشكون أن هناك هلوسات تتناسب مع بيئتهم وتطلعات محيطهم...
    وكثيرا من مرضى الهلاوس أصل مرضهم ذهاني وقليل منهم عصابي
    وقد يلجا البعض للوصول لهذا المرحلة بمحض إرادته إما للفت الإهتمام , زعامة أمر مهم بشأنهم , إدعاء غيبية الأمور وقد يكذب الأنسان كذبه ويصدقها...
    نهاية المقال مؤلمه بحق ولا أجد ما اعلق به فالمكان لا يسع أو قد لا يسمح
    أصدق التحايا لك أستاذي

    مـها الراجحي - زائر

    01:39 مساءً 2006/08/13


  • 13
    كعادة الأستاذ فهد يتحفنا كل يوم بالجديد..، وبودي أن يكمل الأستاذ فهدالموضوع بالحديث عن الفرق بين مس الجن وتلبسهم بالإنسان والهلوسة، حيث إن كثيرا من الناس يخلطون بينهما

    عبدالله السبيعي - زائر

    02:17 مساءً 2006/08/13


  • 14
    تحدث بعض علماء الإسلام قديما عن هذا الموضوع، فقد أنكر الإمام الذهبي على من ادعى سماع الأصوات الربانية من المتصوفة وغيرهم، فقد قال في كتابه (سير أعلام النبلاء) في رده على بعض أخطاء المتصوفة مانصه : ( العابد العري من العلم، متى زهد وتبتل وجاع، وخلا بنفسه، وترك اللحم والثمار، واقتصر على الدقة والكسرة، صفت حواسه ولطفت، ولازمته خطرات النفس، وسمع خطابا يتولد من الجوع والسهر لا وجود لذلك الخطاب، فيعتقد أنه قد وصل، وخوطب وارتقى، فيتمكن منه الشيطان، ويوسوس له ).. نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء ص986
    وقال رحمه الله في موضع آخر من الكتاب في رده على أحد المتصوفة وقد ادعى أنه سمع أصواتا وخطابات حسنة مانصه : ( لا وجود لمن خاطبك في خلوتك مع الجوع المفرط، بل هو سماع كلام في الدماغ الذي قد طاش وفاش وبقي قرعة كما يتم للمغمور بالحمى والمجنون،فاجزم بهذا واعبد الله بالسنن الثابتة تفلح ! ) نزهة الفضلاء ص1670

    عبدالله بن خالد القحطاني .. - زائر

    02:21 مساءً 2006/08/13


  • 15
    هم قد يسمعون صوتاً ولكنه من جراء الرغبه الملحه داخل أنفسهم..
    فكرة أنها صوت إلهي تؤكد لهم نظريتهم أو لترغب من حولهم..
    عظيمه «جان دارك» لطالما أعجبت بها وبشجاعهتا..
    أشكرك بعمق مبدع الكتاب أرجوك أرجوك أرجوك الكتاب..

    هند* - زائر

    03:51 مساءً 2006/08/13


  • 16
    ذكر الشيخ الدكتور / عبدالمحسن الأحمد حادثة حصلت لأحد أبناء المسلمين، حيث كان هذا الشاب من أكثر الشبابب إجراما وفتكا وهتكا لأعراض المسلمات، فكان يواعد أكثر من فتاة في اليوم الواحد (تصورو !! )، وذلك لخبثه في طريقة استدراج الفتيات السذج.
    يقول الشيخ: وفي ذات يوم والشاب خارج من إحدى الاستراحات وقد انتهى لتوه من ارتكاب احدى جرائمه المعتادة بإحدى المغرر بهن، وقد واعد فتاة أخرى في إحدى الشقق، اذ به يريد أن يقطع الشارع العام والذي امتلأ بالسيارات وكان بجواره شخص آخر فتقدم الشاب ليعبر الشارع وتقدم الشخص الذي بجواره وكانت هناك سيارة قادمة، فما زالا يتقدمان حتى توقف الشاب صاحب الفتيات فأكمل الشخص الذي كان بجواره فدهسته السياره، يقول الشيخ أن الشاب سمع مناديا من بعيد يقول وبلهجة محليه واضحه " هالمره وقفناك ومشيناه " !!
    ومن بعدها تاب هذا الشاب وأقلع عن معاصيه السابقه..
    فهل هذا نوع من أنواع الجنون أو الهستيريا ؟؟!!
    أم هو نذير من عند رب العالمين ؟؟!!
    .. هذ ما أحببت أن أضيفه..
    وتقبلو خالص الشكر والتقدير
    د. فيصل العنقري

    د.فيصل العنقري - زائر

    03:56 مساءً 2006/08/13


  • 17
    د.فيصل العنقري
    اتوقع ان هذه القصة مختلقه من بعض الناس لتنبيههم والتأثير عليهم
    مثلها مثل الكثير من القصص.

    محمد العبد الرحمن - زائر

    05:29 مساءً 2006/08/13


  • 18
    مبدع كعاتك أخ فهودي
    فعلاً برمجة عقلية يبرمج بها الإنسان عقلة
    أنه قادر على فعل شي ويفعله تلقائياً.

    نايف البدراني - زائر

    08:30 مساءً 2006/08/13


  • 19
    أشكر للجميع هذا التجاوب ومازلت عند رأيي بخصوص علاقة الهلوسة بكثير من الإدعاءات الروحانية والاتصالات الربانية (ولعل فيما ذكره الأخ عبد الله القحطاني سند للموضوع).. بقيت نقطة لم يعلق عليها أحد وهي أننا الأشخاص الطبيعيين (... كما أرجو ) تمر علينا مواقف مؤقته أو ظروف صعبة قد تهيئنا نفسيا لرؤية أو سماع أصوات غير حقيقية (.. ولعلكم تعرفون من مرت به حوادث كهذه)
    أكرر شكري وتقديري وعسى أن نبقى عند حسن الظن

    فهد عامر الأحمدي - زائر

    09:12 مساءً 2006/08/13


  • 20
    اشكرك اخوي فهد على هذه المواضيع الشيقة، انا الان في الولايات المتحدة واتابع مقالاتك بشكل يومي، اتمنى لك التوفيق..

    فيصل التميمي - زائر

    11:02 مساءً 2006/08/13


  • عرض جميع التعليقات

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة