الرئيسية > مقالات اليوم

قراءة في استفتاء «الرياض»: حول حفلات الزواج


عبدالله الجعيثن

لازال المجتمع يتفاعل مع استفتاءات جريدة «الرياض» التي تنشر في موقعها الإلكتروني المميز والذي فاز بالمركز (889) من بين أكثر من ثمانية عشر مليون موقع إلكتروني، ونال جائزة الشرق الأوسط في تقنية المعلومات والاتصالات، فقد سبق موقع «الرياض» الإلكتروني أكثر من سبعة عشر مليوناً وتسعمائة ألف موقع على مستوى العالم وهذا أمر مُشرِّف للمملكة وللمجتمع السعودي، خاصة أن القائمين على موقع الرياض الإلكتروني هم شباب سعوديون تلقتهم جريدة «الرياض» وأهلتهم وأطلقتهم يجرون خيول سباق رابحة في الفضاء الإلكتروني مقدمين صورة مشرقة للشباب السعودي.

والواقع أن جريدة «الرياض» وخلال ربع قرن على الأقل كان لها تأثير عميق في نشر الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي في المجتمع بشكل راق رصين، وهو أمر سوف يثمن لها في تاريخ الصحافة العربية وتكتشف آثاره البعيدة عاماً بعد عام مع الدراسات والبحوث الإعلامية الجادة.

ويأتي استفتاء جريدة «الرياض» جزءاً من رسالتها الإعلامية والتوعوية الهادفة إلى التواصل المباشر مع المجتمع والناس وقياس الرأي العام حيث أجرت استفتاءات كثيرة متواصلة حول مختلف الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والرياضية وكل ما يهم الناس ثم تنشر نتائج كل استفتاء وتدعه يتحدث عن نفسه ويرسم بالأرقام والنسب اتجاه الرأي العام، وهذا دور حيوي للصحافة الناجحة بشكل عام..

٭٭٭

وكان آخر استفتاء لجريدة «الرياض» قرأته أثناء كتابتي لهذا المقال، بعنوان: (هل تُفَضِّل حفلات الزواج الكبيرة أم العائلية المختصرة). وقد نشرت نتائج ذلك الاستفتاء الاجتماعي في عدد «الرياض» رقم 13905 بتاريخ 20/7/2006 وكانت نتائج ذلك الاستفتاء الاجتماعي كما يلي:

1 - شارك في الإجابة على الاستفتاء 6070 صوتاً.

2 - قال 4471 من المستفتين: نفضل الحفلات الصغيرة.

3 - قال 1599 من المستفتين نفضل الحفلات الكبيرة.

4 - بلغت نسبة الذين فضلوا الحفلات الصغيرة في الزواج ثلاثة وسبعين فاصلة سبعة في المئة من عدد من شاركوا في الاستفتاء 73,7٪.

5 - بلغت نسبة الذين فضلوا الحفلات الكبيرة في الزواج ستة وعشرين فاصلة ثلاثة في المئة من عدد الذين شاركوا في الاستفتاء 26,3٪.

6 - يعكس الاستفتاء وعياً اجتماعياً واقتصادياً متنامياً في مجتمعنا فالذين فضلوا حفلات الزواج المختصرة زاد عددهم عن الذين فضلوا الحفلات الكبيرة بنسبة مئتين وثمانين في المئة 280٪ وهو رقم كبير ومؤشر إيجابي يدل على تجذر الوعي الاجتماعي والاقتصادي في مجتمعنا.

٭٭٭

إن حفلات الزواج الكبيرة تشكل في الواقع أعباء لا حصر لها .. أعباء نفسية .. واجتماعية .. واقتصادية .. على الأفراد.. والمجتمع .. والاقتصاد.. وعلى الوطن ككل .. على العروسين، وعلى الأهل من الجانبين .. وعلى الأقارب والأصدقاء .. وعلى المدعوين .. فإن كثيراً من المدعوين - من غير أقرباء العروسين - يصابون بالإحراج والضيق من هذه الدعوات المتكررة، وكثير منهم لا يحضر بينما هو قد حسب حسابه في تفاصيل الحفلة وتكاليفها، وكثير منهم يحضر ويسلم ويخرج على عجل بدون حضور الحفل أو تناول طعام العشاء.. يحضر مجاملة وهو يحس بثقل الدعوة..

والزوج .. والزوجة .. والأهل.. والأقارب .. كلهم يصابون بالتوتر والقلق لضخامة الحفلة القادمة وما تحتاجه من إعداد وترتيب واستقبال وترحيب وقدوم عدد مهول من المدعوين كل واحد منهم ضيف ينبغي أن يستقبل بالبشاشة والحفاوة وأن يوفر له مكانه اللائق، فالداعون متوترون، والمدعوون يحضرون مجاملة وهم يستثقلون الدعوة.. فأي خير في هذا؟

٭٭٭

يضاف إلى الأعباء النفسية والاجتماعية المرهقة التي تأتي بها حفلات الزواج الكبيرة على كل الأصعدة .. الأعباء الاقتصادية التي يدفع ثمنها الزوج الشاب وأهله.. وربما الزوجة وأهلها أيضاً.. مع العلم بأن الشباب المقدم على الزواج يكون في العادة في مرحلة التكوين المادي وفي حاجة ماسة لكل ريال لكي يوفر به حياة مادية مستقرة لعشه الجديد ويبدأ به مستقبلاً يميل إلى الاطمئنان بعيداً عن الإسراف والتبذير، فضلاً عن الديون والأقساط التي تركب ظهور بعض الشباب الذين يصر أهلهم على تكبير حفلة الزواج، وهي بداية غير طيبة ولا مطمئنة أن يبدأ الشاب حياته الزوجية بالاستدانة وأن يرزح تحت ثقل الأقساط التي تكسر ظهره وتسرق سعادته وربما تجعله يتشاءم من زوجته كلما دفع قسطاً أو مسته الحاجة أو اضطر للاقتراض أو الاستدانة..

من يحرص على الحفلات الكبيرة؟

أقترح على جريدة «الرياض» في استفتاءاتها القادمة أن تطلب ممن يدلي بصوته بيان جنسه (ذكر أم أنثى) و(عمره) وأن تنشر تفاصيل ذلك مع نتائج الاستفتاءات ليكون الرصد أكثر وضوحاً ودلالة، ومن تجاربي ورؤيتي ومعالجتي لمشكلات الزواج في مجتمعنا لأكثر من ثلاثين عاماً أؤكد أن أكثر من يحرص على حفلات الزواج الكبيرة هم الرجال لا النساء.. وخاصة أم المتزوجة أولاً ثم أم المتزوج .. والنساء عامة، وفي مجتمعنا خاصة، لا يقدرون الأعباء الاجتماعية والاقتصادية حق قدرها، باعتبار أنهم يرمونها على الرجال، والنساء يحببن الأفراح الصاخبة والحفلات الكبيرة ويتفاخر بعضهن بأن حفلة زواج ابنتها أو ابنها .. كبيرة جداً وهائلة وكانت حديث الناس.. ولا يهمها ما يترتب على هذا من تعب .. وإرهاق.. وخسارة فادحة .. فقد وضعت في رأسها أن تكون حفلة ابنها أو ابنتها باذخة (ترج رجاً!!) ودعت لها طوابير الطقاقات وربما المطربات، وتفاخرت بتكاثر الراقصات ورمي الألوف المؤلفة في جحور (الطقاقات) اللائي أصبح لهن في مجتمعهن (شنة ورنة) وأصبح دخل (الطقاقة) منهن يفوق دخل أستاذ الجامعة عشرين مرة وأكثر!!

ولماذا كل هذا؟!

إنه مجرد تفاخر أجوف وتظاهر اجتماعي ممقوت ومدفوع الثمن من أعصاب الزوجين ومن مستقبل الشاب المقبل على الزواج ومن رصيد الأب المسكين الذي يحاول أن يختصر الأمور فتغلبه زوجته بإصرارها العنيد وادعائها أنها حفلة واحدة .. حفلة عُمر!!.. وما درت أنها حياة كاملة وعمر متواصل يحتاج إلى الرشد والرشاد وحُسن التدبير والتفكير والذوق الجميل في الحفلة الذي هو أهم وأرقى وأبقى من حفلة صارخة صاخبة تذبح فيها الأموال والأعصاب والأوقات على الطقاقات وعشرات الذبائح التي لا تؤكل وأطنان الشيكولاتا التي تمرض بالسمنة والكوليسترول فما صارت حفلة زواج بل صارت حفلة مرض مع الأسف .. ان التبذير والإسراف كريه ومذموم في ديننا الإسلامي الحنيف، قال الله عزَّ وجلّ: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} الآية 27 سورة الإسراء..

وقال سبحانه وتعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} الآية 31، سورة الأعراف.

والآيات في هذا المعنى كثيرة، وحفلات الزواج الكبيرة مظهر واضح بل صارخ للإسراف فهي لا يستفيد منها أحد لا الداعي ولا المدعوون كلهم متضايقون وكلها عبء على الجميع وعلى الاقتصاد الوطني بل وعلى المجتمع البشري فهي الهدر بعينه..

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شر الطعام طعام الوليمة (أي طعام العرس) يُدعى إليها الأغنياء ويُترك المساكين» رواه البخاري ومسلم..

قلت: والأغنياء في هذا الزمن يودون ألا يحضروا ولكنهم يحضرون مجاملين مستثقلين ولا تزيدهم هذه الولائم إلا سلسلة من أمراض السمنة والسكر والضغط والكوليسترول فهي لا فائدة فيها بل فيها الضرر المؤكد..

ومن يمن المرأة على زوجها أن يكون صداقها ميسرا ووليمة العرس مختصرة طيبة مقتصرة على الأهل فيها مودة ومحبة وفرحة مشتركة لا اثقالاً على الناس ومفاخرة بالإسراف، فما ينفق في بعض ولائم الزواج يعتبر ثروة في المجتمعات الأخرى، وهو مهدور مضاع، إسراف بين، والحكمة تقول: «ما يوجد إسراف بيِّن إلا على حساب حق مضاع».

والحقوق المضاعة بسبب الإسراف في حفلات الزواج كثيرة وأولها راحة بال المتزوج وحُسن استقباله لحياته الجديدة وإعداده لمستقبله، فكثيراً ما يذبح هذا مقدماً على مظاهر البذخ الجوفاء في حفلات الزواج الكبيرة التي ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي ضد تعاليم الدين الحنيف وضد العقل الحصيف وضد الحكمة والمجتمع والاقتصاد والوطن وضد راحة البال.

أمنيات طيبة بالسعادة لكل المقبلين على الزواج ودعوة بأن تجعلوا حفلة الزواج عائلية حميمة بسيطة فيها الابتسامات الصادقة والتحيات الصافية والدعوات للعروسين باليمن والسعادة والتوفيق.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    خاصة أن القائمين على موقع الرياض الإلكتروني هم شباب سعوديون تلقتهم جريدة «الرياض» وأهلتهم وأطلقتهم يجرون خيول سباق رابحة في الفضاء الإلكتروني مقدمين صورة مشرقة للشباب السعودي.
    _
    بارك الله فيهم ووفقهم.. فهم بحق رمز للشباب الطامح للمساهمة في خدمة وطنه ندا لند مع باقي شباب العالم
    اما الزواجات الكبيرة ( حفلات الأثرياء) فلا تعدو ان تكون رمزا للوجاهة
    وليست المشكلة هنا
    المشكلة اذا هفت نفس الميسور الحال ( ذو الدخل المحدود ) الى مجاراتهم. وبالقاعة الفلانية
    وهاليومين صور بالجرائد.. الخ
    مع ان بعض الحفلات تكلف ما يكفي ايجار شقة سنتين أو ثلاث
    و رضا الناس غاية لا تدرك
    تحية لك ايها الكاتب الرائع ذي القلم المميز

    سليمان الذويخ - زائر

    09:07 صباحاً 2006/08/12


  • 2
    ولو أن الرد جاء متأخراً، لكن أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي أبداً..
    لا أزيد على: صح لسانك

    عبدالمجيد الخالدي - زائر

    09:13 صباحاً 2006/08/12


  • 3
    بسم الله الرحمن الرحيم
    لو ان جريدتنا الغراء تضع جائزه لمن يكون زواجه اقل تكلفه 0 بحيث تكون السباقه بهذا الموضوع وتشجع ابناءنا على عدم الفشخره الزائفه ولالها داعي 0
    انا اجزم ان هل فشخره كلها من النساء وبعض الشبان الى عقولهم ماهي ناضجه

    عويد بن علي - زائر

    10:38 صباحاً 2006/08/12


  • 4
    كم من حفلات كبيرة وباذخه.. ومع ذلك تجد اصحابها من اهل العروسين وضيوفهم جامدين..مكشرين..يصطنعون الابتسامه..وكلهم اكتئاب وهم في ركضهم سعيهم وراء المظاهر والقشور.. في نفس الوقت اللذي تجد فيه بعض الحفلات الصغيره للزواج قليلة التكلفه وتجد اصحابها مسرورين حقيقه والفرحة تغمر قلوبهم وقد صفت نفوسهم..وفعلا يستمتعون..(وهذا شي شفته بنفسي.)

    الجازي الدوسري - زائر

    02:31 مساءً 2006/08/12



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة