الرئيسية > مقالات اليوم

إيقاع الحرف

تأسيس ثقافة الانتخابات


ناصر الحجيلان

من أبرز التغيرات الإيجابية التي مرّت على مجتمعنا في الفترة الماضية ولقيت اهتمامًا واسعًا من الناس هي دخول فكرة الانتخابات إلى منظومتنا الفكرية بصورة أشمل مما كانت عليه في السابق. وإذا كانت الانتخابات موجودة في بعض القطاعات وبعض الجمعيات العلمية والمهنية من قبل، فإنها ظلت مقصورة على فئة قليلة من الناس المهتمين بتلك الجمعيات أو القطاعات.

ومما يجدر ذكره أن الحكومة الرشيدة نجحت في جعل فكرة الانتخابات تصل إلى ذهن كل مواطن ومواطنة حينما اختارت قطاعًا يمسّ جميع شرائح المجتمع وهو قطاع البلديات. ولأن هذه التجربة لا تزال حديثة فلم يمض عليها سوى عام أو أكثر، فإنها تظل موضع دراسة ونقد من المجتمع ومن المسؤولين بهدف الوقوف على السلبيات التي صاحبت عملية الانتخابات ومحاولة البحث لها عن حلول في المستقبل. ولكن الذي يعنينا عند الحديث عن مبدأ الانتخاب هو الحديث عن النيّة الأكيدة والإرادة الصادقة من الحكومة في جعل الانتخابات عملية تدخل في حياة السعوديين وتكون جزءًا من تفكيرهم واستراتيجية تنظم عملهم.

ومن هنا فإن التفكير يدور حول الكيفية التي يمكن من خلالها تفعيل هذا المطلب الحضاري وجعله يأخذ حيزًا مناسبًا من تفكيرنا وطرق تعاملنا العادية فيما بيننا. يشار إلى أن الانتخاب له أصل ديني وثقافي في تراثنا وليس أمرًا طارئًا علينا من حيث الفكرة. فعلى المستوى الشعبي كان الناس في السابق حينما يذهبون للاحتطاب ينقسمون إلى مجموعات، وجرت العادة أن يتوزعوا وفق آلية انتخابية بسيطة لكي لا يكون هناك ظلم لمجموعة بزيادة العدد أو تركيز عناصر معينة فيها دون الأخرى. وكانت العملية التي يختارون فيها المجموعات بسيطة وتتم في وقت وجيز، وهي أن ترشح المجموعة الكبيرة شخصين أو ثلاثة أو أكثر بحسب العدد، وكل مرشح يبدأ باختيار ممثليه من الحضور حتى تكتمل المجموعات. والأمر نفسه كنا نفعله حينما كنا أطفالا نلعب في الحواري لتكوين منتخب؛ فكنا نرشح اثنين أو ثلاثة من أكبرنا أو أقوانا أو أنشطنا ليكون هو الكابتن، وإذا زاد عدد المرشحين عن اثنين فإن استبعاد الثالث أو الإبقاء على اثنين يتم بأن يكتب كل واحد منا اسم من يرشحه في ورقة ثم يطويها ثم يأتي شخص لن يلعب معنا ليكون الحكم فيفتح كل ورقة ويقرأ الاسم بصوت عال حتى ينتهي من جميع الأوراق ليفوز من يحصل على أكبر عدد من الأصوات ويصبح هو الكابتن. على أن كل كابتن فاز بالانتخاب يبدأ بانتقاء لاعبي مجموعته؛ وكان تركيب كل مجموعة مرضيًا لجميع الأطراف.

وبصرف النظر عن بساطة هذه العملية التي تعطي الفرد الرئيسي حق اختيار عناصر مجموعته إلا أن الأصل في اختياره كان انتخابًا، حتى إن الأمر حينما يصبح موضع جدل فإن القرعة تحل المشكلة. وهذا يعني أن السعي إلى إرضاء الناس في التعامل مع المسؤول عنهم كان هدفًا يدركه المجتمع ويسعى إلى تحقيقه وفق ظروفه وحاجته باعتبار أن العلاقة بين الناس تحتاج إلى الرضى النفسي والثقة الاجتماعية بينهم. فالانتخاب -بوصفه فكرة تعطي الحق لمن يحصل على الأصوات الأكثر- كان في الذهن الشعبي للناس، ولكن الذي ينقصنا كان التطبيق.

ولعله من المفيد أن تعزّز فكرة الانتخاب في المسار التعليمي للطلاب والطالبات في المدارس والكليات والمعاهد والجامعات. بحيث نبدأ من القاعدة ونعطي الطلاب الفرصة للتدريب على الانتخاب ومعرفة آلياته في مجال الأنشطة وترشيح العريف أو رئيس المجموعة. ثم يطبق نظام الانتخاب في اختيار مدراء المدارس بحيث يرشحهم من له صلة بالعمل التعليمي، وتحسب النقاط من عدد من الترشيحات المصنفة وفق مجموعات مثل: أولياء أمور الطلاب، والطلاب أنفسهم، والمعلمون، ويكون هناك جزء يخص وزارة التربية والتعليم. والأمر نفسه يمكن أن يكون مع عمداء الكليات ورؤساء الجامعات والجمعيات العلمية والمهنية، وفي تكوين المجالس والهيئات المختلفة.

ومن الجدير بالذكر أن بعض المدارس والكليات أجرت تجارب ناجحة للانتخاب بين الطلاب، ومنها ما نشر عن تجربة كلية المعلمين في جدة والتي أخذت مسارًا منظمًا واستراتيجية مدروسة. ويكفي أن تحقق تلك التجربة وغيرها من التجارب المماثلة الغاية في تعليم الطلاب العمل الانتخابي وتدريبهم على آلياته لكي يصبح جزءا من تفكيرهم باعتبار أن الانتخاب يحقق أمرين قد لا يتحققان في التعيين: الأول، انتقاء العناصر المحبة للعمل والمتحمّسة له من الكفاءات التي تملك برامج وخططًا معينة لتنفيذ العمل المراد والتغلب على المشكلات المتوقعة. والأمر الآخر هو القضاء على المحسوبية والمجاملة في تعيين أفراد في مناصب ربما لا يملكون القدرة على إدارتها وقد لا يتحملون المسؤولية بالصورة المطلوبة لأنهم يرون في عملهم تكليفًا إجباريًا لا اختيار لهم فيه.

يشار إلى أن مبدأ الانتخاب يقوم على فلسفة خدمة العمل ذاته وليس خدمة الفرد من خلال العمل. فالذي يعني الناس هو إنجاز العمل بالصورة الصحيحة دون أن يكون همّهم إظهار شخص معين حتى لو كان على حساب العمل نفسه. ولهذا فإن الذي يجعل شخصًا يكسب تأييد الناس هو في الغالب دقة برنامجه الانتخابي، وموضوعيته في التغلب على الصعوبات الإدارية والمالية، وصدقه في العمل لتحقيق طموح مرشحيه. هذه من الأمور التي يمكن أن يتعلمها الطلاب ويمارسوها في المدارس لكي لا نواجه مشكلات ترافق الانتخابات مثل التحيّز أو التحزّب أو الفزعة في التصويت لمرشح دون آخر.

hujailan@alriyadh.com

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 12

  • 1
    شكرا على المقالة والانتخابات هي اداة من ادوات الحراك الديموقراطي التي اتمنى شيوعها عندنا.

    عبدالعزيز التويجري - زائر

    07:02 صباحاً 2006/08/10


  • 2
    ملاحظة ان يتدرب الناس على الانتخاب منذ الصغر شيء مهم؛ لان الطلاب أو الطالبات حينما يعطون جانباً نظرياً موجزاً عن الانتخابات وقوانينها وآخر تطبيقياً مكثفاً لإشاعة ثقافة الانتخابات في عقولهم وتمثلها في سلوكياتهم، يعتبر شيء مفيد للغاية يقضي على سلبيات كثيرة مرت بنا.

    عادل - زائر

    07:18 صباحاً 2006/08/10


  • 3
    شكرا عزيزي على المقالة، وارى ان هناك شيء ضروري جدا الا وهو خلق مناخ فكري مستنير ومباشر لمناقشة المعلومات وتمكين المواطن السعودي من معرفة نظام الانتخابات
    ثم استعراض كل مرشح ومعرفة برنامجه الانتخاتبي بوقت كافي قبل بدء الانتخابات.
    والله الموفق.

    فيصل المطير - زائر

    07:28 صباحاً 2006/08/10


  • 4
    بسم الله الرحمن الرحيم
    توقعنا من الذين انتخبناهم في البلدية ان يعملوا شيئا ولكن الان مر اكثر من عام ولم يحركوا شيئا ذكر.
    اذا لم يكن للانتخابات قيمة قوية عند الناس يرونها ويشاهدون اثارها فان الاقتناع به لن يكون له جدوى كبيرة.
    هذا هو رايي في موضوع الانتخابات التي كثر الحديث عنه في الاونة الاخيرة وكثر تداوله بين الناس من مختلف الطبقات والشرائح والاعمار والافكار.
    والسلام ختام.

    أبو طارق - زائر

    09:11 صباحاً 2006/08/10


  • 5
    مقالة مفيدة لك الشكر

    عيد الرويلي - زائر

    10:04 صباحاً 2006/08/10


  • 6
    الوعي.. نعم الوعي بمفهوم المصلحة الإجتماعية
    والله ما عندي استعداد ارشح اخوي او ابن عمي أو ابن القبيلة ( تعصبا له)
    وهو ليس بحال تسمح له ان يخدم الوطن قبل كل شيء
    في الإنتخابات البلدية ( وهي تجربة رائعة كشفت امورا كثيرة)
    كثرت الإتصالات العجيبة في طلبها
    احدهم يقول جمّع لي اللي تعرف نبي نرشح فلان..
    طيب انا لا اعرفه ولا اعرف برنامجه ولا شخصيته ولا...
    الصوت امانة..
    فاحفظ الأمانة.. واعطها لمن يؤتمن عليها
    وليكن تعصبك لوطنك
    وتذكر
    حبك للوطن... لا يعدله ثمن
    تحية للجميع

    سليمان الذويخ - زائر

    11:41 صباحاً 2006/08/10


  • 7
    الانتخابات مشوار طويل بدأت في البلديات ثم ستكون في المدارس والتعليم بمشيئة الله والجمعيات وغيرها ونتمنى ان يكون لها كتيب يجمع كل شروطها واهدافها وكل شيء مفيد عنها

    مطلق السبيعي - زائر

    02:37 مساءً 2006/08/10


  • 8
    المقالة ممتازة جدا
    وفكرتها جميلة
    ولك الشكر

    احمد الوافي - زائر

    02:46 مساءً 2006/08/10


  • 9
    انا اقول ان الفكرة صحيحة
    لكن تطبيقها غير ممكن
    بسبب قصور المدارس عن اداء مهمتها التعليمية على الوجه المطلوب
    فالمارس ماعندك احد

    مزيد الفايز - زائر

    02:49 مساءً 2006/08/10


  • 10
    مقالة تطرح منهجا واضحا وواقعيا لتفعيل مفهوم الانتخابات في التعاملات العامة على الصعيد الشخصي والرسمي. شكرا ياكاتنبا العزيز وإلى الأمام.

    Maha - زائر

    02:50 مساءً 2006/08/10


  • 11
    الفكرة سليمة بالتمام
    وخصوصا لما قلت :
    (يشار إلى أن مبدأ الانتخاب يقوم على فلسفة خدمة العمل ذاته وليس خدمة الفرد من خلال العمل. فالذي يعني الناس هو إنجاز العمل بالصورة الصحيحة دون أن يكون همّهم إظهار شخص معين حتى لو كان على حساب العمل نفسه)

    عبدالخالق - زائر

    07:38 مساءً 2006/08/10


  • 12
    مقال رائع
    والتطبيق لايمكن ان يكون فجائي وبصورة كاملة والا اكتسب الرفض اكثر مما يكتسب القبول
    التطبيق المرحلي جيد بل وناسب لمجتمعنا
    ونشر الثقافه أداة لتفعيل القوانين

    عبدالعزيز السعدان - زائر

    11:37 صباحاً 2006/08/11



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة