المسألة ليست عن الفن فحسب، بل تطال المشاعر والسياسة والسلطة.
وعندما يسرق عمل فني عزيز على قلوب أصحابه تمس الخسارة «أزراراً ساخنة» بشرية ذات صلة بالهوية الجماعية سلامة ثقافتها وتاريخها.
الفن والسياسة تصادما في بداية الحرب في العراق، فعندما دخلت القوات الأميركية بغداد بقيت الأبنية الاثنتي عشرة للمتحف الوطني العراقي دون حماية مما أسفر عن نهب ألوف القطع الأثرية.
وعرضت التلفزيونات مشاهد ظهر فيها عمال المتحف يبكون وهم يتكلمون عن تدنيس حضارة عمرها 7000 سنة ويبحثون عن البقايا بين حطام الفخاريات والمنحوتات القديمة.
وفي سلسلة من الغارات اعتقل رجال المارينز الأميركيون عدداً من المشبوهين في ملاجئ تحت الأرض حيث عثروا على أسلحة وذخائر وبذلات إلى جانب آنية وأختام أسطوانية وتماثيل صغيرة مسروقة من المتحف الوطني.
ولا يزال خبراء الأثريات الفنية والمسؤولون العسكريون يبحثون عن جواب للسؤال التالي: هل من واجب الجيش الأميركي أن يحمي الأعمال الفنية القديمة؟ ولا يزال الجواب غامضاً.
إن اتفاقيات جنيف تنص على انه من واجب القوات المحتلة أن تحمي المنشآت الثقافية، كالمتاحف، من الدمار، ولكن الاتفاقيات تمنع أيضاً القتال من هذه الأبنية.
وعندما سئل لماذا لم يحاول الجيش الأميركي حماية المتحف قال اللفتنانت كولونيل اريك شوارتز إنه لم يستطع الدخول إلى المتحف لحمايته لأن جنودة كانوا يواجهون نيراناً تطلق عليهم من المجمع.
ولا حقاً قاد الكولونيل ماثيو بوغدانوس، من احتياطي المارينز، والمدعي العام الحالي في نيويورك تحقيقاً حول نهب المتحف الذي كان يضم ما وصفه «أروع مجموعة من التحف الفنية القديمة شهدها العالم»، وأكد بور غدانوس أن المتحف نهب خلال المعارك التي دارت على أرضه بين القوات الأميركية والحرس الجمهوري العراقي.
وشهدت السنة الحالية خسارة ثقافية أخرى، في زيمبابوي هذه المرة، حيث سرقت ست قطع من المعرض الوطني للفنون في هراري في مطلع شهر حزيران، وتتألف من أربعة أغطية رأس خشبية تقليدية تعرف باسم «موتساغو» وقناعين من الموزامبيق.
وقالت مديرة المتحف دورين سيباندا إن هذه القطع تحدد طريقة الحياة التقليدية في زيمبابوي وبعضها يستعمل كرموز للمتحف وهي ذات أهمية كبيرة في تاريخ البلد ويدرسها باحثون تقليديون من جميع أنحاء العالم لأنها تحتوي على الفن اليدوي الحصري والأصيل للبلد.
وأثارت سرقة القطع هواجس من أن تكون هناك عصابة تستهدف كنوزاً أفريقية تقليدية يمكنها أن تجلب أسعاراً مرتفعة في الأسواق العالمية ولا سيما وأن ثمة ما يزيد عن 1,500 قطعة أثرية مفقودة من متحف العلوم الإنسانية في هراري.
وصادر عملاء مكتب المهاجرة الذي يشكل الآن جزءاِ من جهاز أمن وزارة الداخلية ويشارك في مكافحة الإرهاب منذ أحداث 11 سبتمر رقيما أثرياً باللغة العربية كان سيباع بالمزاد العلني في دار ثوسبيز في نيويورك... بعد عشرات السنين من سرقتة في اليمن.
وقال مدعون عامون في نيويورك إن التحقيقات الدولية بشأن المعلومات الهائلة المجمعة عن الإرهابيين المشبوهين يمكن استعمالها أيضاً لتعقب الأعمال الفنية.
وزارة الخارجية الأميركية لديها لجنة من الخبراء تقدم الاستشارات للرئيس بوش حول السياسات «ذات الصلة بالملكية الثقافية»، والحكومة تملك صلاحية عقد اتفاقات مع بلدان أجنبية تتعلق بالفن، وعلى سبيل المثال، إذا كانت هناك مخالفات قانونية في شراء أغراض يزعم أنها مسروقة، أو حتى وإذا كان هناك احتمال بأن الحصول على القطع الفنية تم بصورة غير شرعية.
ولكن طوركوم دميرجيان، تاجر التحف الأثرية في نيويورك يسأل: «ماهو شأن وزارة الخارجية في أن تقول لنا ماذا نفعل بالفن؟ دميرجيان الذي يملك غاليري اريادني في نيويورك، هو من كبار تجار التحف الإغريقية والرومانية والشرق أوسطية والآسيوية في نيويورك، وقد باع قطعاً كثيرة لمتحف متروبوليتان.
ويقول دميرجيان: «لقد ابتعدنا كثيراً من الهدف الأساسي - الذي هو وضع حد للنهب وصرنا معارضين للحركة الحرة للفنون.. وهذا ليس من مصلحة أي بلد... لقد أصبح «فوتوبول» سياسياً.
الانتصارات العسكرية جعلت الجنرال الإسرائيلي موشي شخصية أيقونية على المسرح العالمي، إلا أن سمعته كناهب للمتاحف الأثرية غير معروفة كثيراً في الخارج.
فخلال ثلاثة عقود حتى وفاته سنة 1981 كون دايان مجموعة هائلة من التحف الأثرية التي حصل عليها بإجراء حفريات غير مشروعة، كما إنه تاجر باللقي الأركيولوجية في إسرائيل والخارج.
ويقول اوزي ضهاري، نائب مدير سلطة الاثارات الإسرائيلي: «موشي دايان لم يتعامل بالاثارات، بل تعامل بنهب التحف الأثرية، لقد كان مجرماً، كان يعرف أنه يخرق القانون، وكان يعرف أن كل نشاطه مخالف للقانون، ومع ذلك عمل ما عمل».
وقد روت كتب وتحقيقات صحافية عديدة كيف أن دايان يغزو الحفريات الأثرية من أجل الكسب الخاص، بمساعدة أطفال ولصوص وجنود ومعدات عسكرية.
ويتذكر عالم الآثارات الإسرائيلي راز كليتر الذي أجرى بحثاً عن نشاطات دايان على هذا الصعيد، أن أشهر «بعثات جمع الآثارات» التي قام بها دايان كان قرب تل أبيب في العام 1968، وهناك أصيب دايان بجروح ثقيلة نتيجة انهيار التربة عليه في أثناء نهبه لمغارة دفن ولازم المستشفى ثلاثة أسابيع.
ولم تقتصر نشاطات دايان على إسرائيل بل إنه استغل موقعه العسكري ليمد نشاطه إلى الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967، وقد كان وزيراً للدفاع 1967 حتى 1974.
وقد كتب كليتر: «لعل معظم أعمال النهب التي قام بها دايان في الأراضي المحتلة التي غزاها، بعد 1967 حين كانت تلك الأراضي تحت حكمه العسكري، «وهو لم يواجه هناك أي مؤسسات ديمقراطية لتعارضه».
وتضمنت مجموعة دايان الواسعة، التي وضعها في منزله في منطقة تل أبيب، فخاريات ورؤوساً حجرية وعظاماً وشاهد قبوراً بيزنطية ونووايس رومانية، كما إنه اعترف باستيلائه على لوحة حجرية مصرية قديمة نقلتها حوامة إسرائيلية من صحراء سيناء المصرية خلال حرب سيناء في العام 1956 حين كان رئيساً للأركان العسكرية، وقال كليتر إن تلك اللوحة ولقى أخرى أعيدت إلى الموقع لاحقاً «من أجل تفادي إثارة فضيحة دولية».
وروى ضهاري أيضاً أن دايان كان يبحث عن التحف الأثرية في أسواق القدس ويافا وتل أبيب، فإذا رأى شيئاِ يقول لحراسه: «خذوه وضعوه في سيارتي، ثم يتوجه إلى صاحب المحل ويسأله: كم كلفتك تلك القطعة؟... وليس كم ثمنها... بل كم كلفتك»».
ثم، إذا قال البائع، على سبيل المثال 100 ليرة، يخرج دفتر الشيكات ويحرر 10 شيكات كل منها بقيمة عشر ليرات»، ولم يصرف أصحاب المحلات تلك الشيكات ابداً بل كانوا يبيعون كل شيك بمائة ليرة للسياح الذين يهوون جمع التواقيع... ولم يدفع دايان فلساً واحداً.
وبعد وفاة دايان باعت زوجة دايان، راشيل، المجموعة للمتحف الإسرائيلي بمليون دولار.