تعقيباً على مقالي: «فلسفة شوبنهاور في السعادة والشقاء» والمنشور هنا في حروف وأفكار، كتب القارئ الفاضل على موقع «الرياض» الإلكتروني يقول: «.. عندي سؤال محيرني وأود الإجابة عليه إذا سمحت وهو:
كيف نقدر أن نكون طموحين وفي نفس الوقت يكون عندنا قناعة؟!.. أنا أعرف أن كلتا الصفتين مطلوبتان: القناعة والطموح.. ولكن السؤال هو: كيف نوازن بينهما.. أنا محتار جداً أحس أن طموحي يقتلني وفي نفس الوقت أحس أن القناعة تجعلني أترك أمور الدنيا ولا أهتم بها..» إلى آخر ما ورد في تعقيب القارئ الفاضل والذي تلك خلاصته.
ولعل توضيح الأمر ينفع الكثيرين في هذا الموضوع، فإن القناعة بمعناها الصحيح لا تتعارض أبداً مع الطموح بمعناه الصحيح، بل إن القناعة هي صمام الأمان للطموح، وهي التي (تتوجِّه) بمعنى تلبسه التاج وتجعل صاحبه يسعد به ويحس بجمال إنجازه أو على الأقل يكون راضياً لا ساخطاً حين لا يتحقق ما أراد من طموح بعد أن بذل جهده، فالقناعة السليمة هي التي تكون بعد بذل الجهد كله وليست التي تكون بديلاً لبذل الجهد.. البديل هنا ليس اسمه (القناعة) بل اسمه (الكسل) والكسل مذموم بكل اللغات، ويتفق البشر على كرهه وكره أصحابه واعتباره أخطر الطرق للفشل والخمول والخمود والملل والضجر وهو البريد الممتاز للفقر ولتعاسة النفس، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بربه من الكسل.
إن الكسل لا يجعل صاحبه يعمل، أما القناعة فهي تجعله راضياً بنتائج عمله بعد أن بذل جهده كله، ولا يلام المرء بعد اجتهاده:
لأمر عليهم أنْ تتمَّ صدوره
وليس عليهم أن تتمَّ العواقبُ
فإن الطموح أمرٌ جميل ويُحَفِّز الإنسان ويُفَجِّر طاقاته للعمل ولكن لا أحد يضمن أن يُحَقِّق طموحه في نهاية المطاف مهما عمل وبذل، هنا يأتي دور القناعة المحمود في تتويج ذلك المجهود نحو الطموح بالرضا والقبول بما آلت إليه الأمور، وبدون القناعة بهذا المعنى فإن الإنسان إذا لم يجن من عمله كل أو جل ما كان يطمح إليه فإنه يصاب بالإحباط وتعب الأعصاب ويكون طموحه وبالاً عليه قد دفعه إلى الشقاء دفعاً وجعله رهناً ل (عقدة الاضطهاد) فيفقد الرضا والمثابرة والصبر على تكرار المحاولة مراراً، بعكس الذي يقنع بما حقَّق بعد أن بذل جهده، فإنه لا يلوم نفسه، ولا يحس أن الظروف تضطهده، ولكنه يعرف أن تلك هي طبيعة العمل وطبائع الحياة وأنه مطالب - أخلاقياً - بالعمل الجاد أما تحقيق الهدف من العمل بشكل تام فهو خارج عن إرادته ولكنه بذلك الرضا والمعرفة بطبائع الأشياء يكتسب الخبرة والقدرة على المثابرة وتكرار المحاولة حتى تتحقق أهدافه الطموحة بالتدريج بدون أن يصاب بالإحباط أو يشعر بعقدة الاضطهاد، فالعمل الجاد لتحقيق طموحه هو هَدَفٌ عنده وليس مجرد وسيلة، وسيظل يواصل التفاعل مع هذا الهدف، والقناعة تحميه - بإذن الله - من السخط الذي يمزق أعصابه ومن ازدراء ما حصل عليه نتيجة عمله وذلك الازدراء يصيبه بالإحباط ثم اليأس فيظل يندب حظه ويلقي اللوم على غيره ويحس أنه مضطهد من قبل الآخرين أو من قبل الظروف، وذلك كله نتيجة محتومة لعدم القناعة بعد بذل كامل الجهد، فإن الذي يقتنع بعد استفراغ الجهد هو إنسان واقعي، عاقل، قادر على مواصلة العمل واصطحاب المثابرة والصبر والبعد عن لوم النفس وجلد الذات، فشعاره هو:
على المرء أن يسعى إلى الخير جَهْدَه
وليس عليه أن تتمَّ المطالبُ
٭٭٭
المفهوم الخاطئ عن القناعة
وهو ما ساد عند كثير من أن القناعة هي نبذ الدنيا والزهد في المال وعدم السعي للترقي في الوظائف وتحسين الحال وتحقيق أكبر قدر ممكن من النجاح.
هذا المفهوم عن القناعة خاطئ وخطير جداً، وهو خداع للنفس، فإن ذلك المفهوم لا يصدق على القناعة بل على الكسل وترك العمل المقدور عليه، والإسلام الحنيف يحض على العمل ويحترم أصحابه، بل إن عمل الدنيا عبادة مع حسن النية، كما أن الإسلام يكره الكسل والكسلاء والعالة على غيرهم، ويحض على القوة في الدين والعقل والعمل والطموح المشروع، والتزهيد في المال الحلال تزهيد في العمل.
وذلك المفهوم الخاطئ عن القناعة يشبه المفهوم الخاطئ عن التوكل حين حوَّله الكسالى إلى (تواكل) فالتوكل هو إيمان بالله عز وجل ورضا بما يقسم لك بعد أن تبذل جهدك «اعقلها وتوكل» أما الآخر - التواكل - فهو القعود والكسل وعدم العمل وهذا ضد الدين والعقل والأخلاق الكريمة، وقد قال الحطيئة يهجو رجلاً:
دع المكارم لا ترحل لبُغٌيتها
واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
ويعتبر هذا من أمرِّ الهجاء لأنه وصم الرجل بأنه عالة على غيره همه بطنه ولبسه ولا يتطلع إلى المكارم لأنها تحتاج إلى رأي وعزم وعقل ومجالدة وصبر، وصفه أو وصمه بالضعف الشديد، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً ملازماً للمسجد فسأل: «ومن يعوله؟ قالوا: أخوه.. فقال: أخوه أعبدُ منه».. فالقناعة ليست هي الكسل، كما أن التوكل ليس هو التواكل، القناعة هي الرضا بعد بذل الجهد، والكسل هو عدم بذل الجهد، وبديل القناعة هو السخط بعد بذل الجهد، وبديل الكسل هو العمل، أما القناعة فليست بديلاً للعمل وإنما هي تشجيع له فلولا الرضا بنتائج الأعمال ما عمل الناس إلا قليلاً «لو حسب الزارع ما زرع» فإن من يعمل ولا يحقق ما عمل لأجله يصاب باليأس والعزوف عن العمل إذا لم يقنع أنه بذل جهده ورضي عن نفسه، هذا المفهوم الصحيح للقناعة والذي يعطي الإنسان ثقة في نفسه وقدرة على مواصلة المسيرة وتحقيق الأهداف الطموحة بالتدريج دون استعجال يفسد الأمور أو سخط يمرض النفوس ويخيِّب الآمال.
كما أن القناعة بهذا المفهوم الصحيح، وهو الرضا بعد بذل الجهد، تجعل الإنسان (نسيج وحده) بمعنى أنه يعيش حياته ويعرف ما يريد ويرضى عمَّا حقَّق بعد أن عمل بجد، فلا يتطلع لأوضاع الآخرين، ولا يعلق سعادته بما حقق الآخرون وما هم يملكون، بل هو يهمه أن يستفرغ جهده وأن يعمل بكل حدة ثم راض كُلَّ الرضا عن نتائج عمله قانع بنتائج ذلك العمل ومصر على مواصلة العمل بحثاً عن المزيد بالطريق السليم، أما الكسول فهو غير قانع ولكنه ضعيف نفس وهو أكثر تطلعاً لما في أيدي الآخرين وأكثر حسداً وشقاءً ومقارنة لحاله التعيسة بحال الآخرين فلا هو يعمل ولا هو يرضى عن نفسه ولا هو بمخلص للناجين والعاملين من حسده ونقده.
الطموح والطمع
وكما أن للقناعة مفهوماً خاطئاً أفسد كثيراً من الناس، فإن الطموح كذلك..
إن المفهوم السليم للطموح هو أن تطمح لتحقيق أهداف ممكنة بناءً على قدراتك وظروفك، وليس أن تطمع في تحقيق أمور تعجز عنها بكل قدراتك..
والطموح مطلوب وهو من أسباب بث الحماسة في القلوب وتهوين مصاعب العمل على النفس لأن صاحب الطموح يعشق الهدف الذي يتطلع إليه ويولع به، والعاشق يلذ له الذهاب إلى معشوقه ولو كان الدرب طويلاً وشاقاً، طالما كان قد رسم طريقه وعرف قدراته وعلم أنه لا يستحيل عليه بإذن الله قطع هذا الطريق ولكن بالصبر والمثابرة والتدريج مصطحباً معه قناعة الرضا بنتائج الجهد أولاً بأول، فإن تلك القناعة هي التي تشجعه وتسعده وتمنحه الثقة في نفسه وتدفعه إلى مواصلة السير في الطريق وبذل المزيد..
ومن ناحية السعادة فإن من كان طموحه أقل قليلاً من قدراته فهو أسعد من غيره، لأنه يحقق طموحاته بشكل أسرع وأضمن ولا يمنعه هذا، بعد تحقيق ما يريد، للتطلع المشروع للمزيد بل بالعكس يقويه ويزيده خبرة وثباتاً ومثابرة وثقة في النفس ومعرفة بخفايا النجاح وأسراره..
أما الذي طموحه أكثر من قدراته بكثير فهو أقرب إلى الشقاء لأنه مزج الطموح بالطمع، والطمع مرض خطير ما دخل شيئاً إلا أفسده، الطمع يجعل الأغنياء فقراء، والسعداء أشقياء، والأذكياء اغنياء، فكم من ذكي حين تشتغل مراوح الطمع في خياله تعمى بصيرته فيغامر وهو يظن انه يعمل على المضمون، بل يقامر وهو يظن أنه يعمل، لاشيء كالطمع يعمي البصيرة والبصر، ويزين للإنسان سوء عمله فيراه حسناً..
الطموح يقوم على أسس واقعية ومعلومات ورسم لخارطة الطريق توصل صاحبه إلى ما يريد، والطمع كالسراب يغري الظمآن بسرعة المسير إليه مهما بدا بعيداً فإذا وصله لم يجده شيئاً وأضاع الفرص الحقيقية التي كانت في يده..
الطموح لا غش فيه ولا تدليس، يوقن صاحبه أنه لن يناله حتى يدفع ثمنه المستحق من الجهد والعمل والمثابرة والصبر، أما الطمع فهو الغش بعينه، وأول ما يغش صاحبه إذا يوهمه أنه سوف ينال الكثير بالقليل وأنه يستطيع القفز إلى البعيد، فيقفز في الظلام بدافع شيطان الطمع فتنكسر ساقه وقد تدمر عنقه ويفقد كل شيء بقيادة شيطان الطمع..
الطموح أمر مشروع لهدف مرسوم معقول ممكن تحقيقه بالعمل المثابر والذكاء والصبر أما الطمع فهو محاولة للسرقة، يكتشف الطماع في نهايته أنه هو المسروق..
٭ ٭ ٭
والطمع هو بديل القناعة، وليس العمل هو بديلها، بمعنى أن القناعة هي تتويج للعمل يمنح صاحبه الرضا بالنتيجة، أما الطمع - وهو بديل للقناعة - فإنه يجعل صاحبه لا يرضى أبداً، فهو ساخط مهما حقق طامع فيما لاحقَّ له حتى يفقد كل ما حققه بإغراء الطمع الذي سلب منه المتخقق في الماضي دون أن يعطيه شيئاً في المستقبل سوى الحسرة والندم بعد وضوح الرؤية وذهاب غشاوة الطمع..
إن الطمع هو ابن الهوى، والهوى جاهل أعمى ومستبد، أما الطموح فهو ابن العقل المبصر العارف والواسع التفكير من كل الجوانب، وشتان بين العقل والهوى، لو صوِّر العقل لأضاء منه ظلام الليل، ولو صوِّر الهوى لاسودَّ منه نور النهار، وما أجمل قول المعري - على أن لفظة (الأحياء) للتغليب لا للتعميم كما أنه شجاع حين وصف نفسه - يقول أبوالعلاء المعري:
وقد غلبَ الأحياء في كل وجهة
هواهم وإن كانوا غطارفة غلبا
كلاب تفاوت أو تعاوت لجيفة
وأحسبني أصبحت ألامها كلبا!
أبينا سوى غش الصدور وإنما
ينال ثواب الله أسلمنا قلبا
قلت: وسليم القلب ينال ثواب الله عز وجل في الدنيا والآخرة، فإن صاحب النية السيئة تقوده إلى اسوأ النتائج، والطمع في عمقه هو نية سيئة..
٭ ٭ ٭
والخلاصة عن الطموح والقناعة تتمثل في بيت واحد من الشعر:
لا تقنعن ومطلب لك ممكن
فإذا تضايقت المطالب فاقنع
1
كل انسان طموح ولكن ليس الطموح من حق كل انسان. القناعة حيلة نلجأ اليها عندما تخوننا الظروف. الطمع وسيلة للعيش الى الافضل. الحرص صفة انسانية غريزية. حب الحياة وحب التمتع بها توامان روحيان لاينفصلان الا عندما نموت وتذهب الروح الى خالقها ويبقى الجسد الذي حرصنا عليه كثيرا مرتعا للدود.(( خواطر سريعة من وحي كتابة الكاتب وجادت بها قريحة العبد القانع الطامع الطامح ))) وصل الحربي wasl-wasl@hotmail.com
وصل الحربي - زائر
05:25 صباحاً 2006/08/05
2
* عالم النمل يوازن بين الطموح والقناعة، ويعرف قيمة العمل، بلا كلل وبلا ملل، ويعرف علم الاقتصاد بالفطرة، فنجده يختزن غذاءه في الرخاء لأيام عجاف، يعشق الرشاقة والخفة والنشاط، يصر على التحدى بعزيمة لا تلين، يتسلح بالطموح والأمل فلا يعرف اليأس، لا يعرف الغرور ولا التعالي، فبين القناعة وبين الاستسلام لليأس مسافة شاسعة وهوة سحيقة فليتنا نتعلم من النمل، وأتحسر على كوني لم أكن نملة، فأصبحت فيلاً!
مجدى شلبى - زائر
06:48 مساءً 2006/08/05
3
* إن الغنى والعز فى القناعة، والذل فى الحرص والوضاعة.
* القناعة كنز لايفنى.
* عدم القناعة وضاعة.
* السكوت علامة الرضا.
* عين القناعة عن كل عيب كليلة،ولكن عين السخط تبدى المساويا.
* من غضب من لاشىء قنع بلاشىء.
* لن يرضى عنك الحسود حتى تموت.
* إذا غامرت فى شرف مروم، فلا تقنع بما دون النجوم.
* عز من قنع، وذل من طمع.
* من لم يقنع باليسير لم يكتفى بالكثير.
* ماأضيق العيش لولا فسحة الأمل.
* يهرم كل شىء من ابن آدم، ويشب منه الحرص والأمل.
* صلى وصام لأمر كان يأمله، حتى قضاه فما صلى وما صام.
* وإذا وصلت بعاقل أملاً، كانت نتيجة قوله فعلاً.
مجدى شلبى - زائر
06:56 مساءً 2006/08/05
4
السلام عليكم
تعجبني مقالات الجعيثن و قد كتبت عنه منذ فترة مستشهدا بمقالاته فى جريدة الرياض الجميلة سواء فى موقعها على الإنترنت أو الورقية. لدى مجموعة من المهتميين باللغة العربية و الأدب العربي من مختلف دول العالم من الصين و الهند و اليابان و أوربا و إمريكا و روسيا و غيرها. و إخترت من ضمن الأدباء العرب المعاصريين الأخ الجعيثن و لكننى لا أعرف عنوانه البريدي أو العايدي.
عبدالله الحميدي - زائر
07:13 مساءً 2006/08/06
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة