• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1329 أيام

وهن عظمهما واشتعل رأساهما شيباً

سبعينيان في أرذل العمر يتحولان إلى قاتلين وحشيين

    عندما يمسي المرء طاعناً في السن ويفيض به إناء العمر فيوشك على أن يبلغ منه أرذله، فإنه يلجأ في الغالب لممارسة هوايات جديدة من قبيل الاصطفاف في مكاتب البريد ونسج الصوف وفتل الخيوط بالمغزل وغيرها من الأنشطة الأثيرة لديه، والتي يزجي بها أوقات فراغه ويجد نفسه فيها، لا سيما وأنه يصبح هرماً وهن عظمه واشتعل رأسه شيباً.

وبطبيعة الحال فإن القتل الوحشي من المفردات التي لا توجد كثيراً في قواميس المسنين ولا تكون في وارد تكفيرهم وهم يخططون لقضاء أوقات الفراغ ومزاولة الأعمال المحببة إلى نفوسهم. بيد أن ما تقدم لم ينطبق على السبعيني راي وزوجته السبعينية فاي كوبلاند، واللذين شذا عن القاعدة. ترى، ما الذي دفعهما على الإقدام على سفك دماء الشباب واستخدام ملابسهم لحشو اللحف وخياطتها؟

ففي شهر اكتوبر من عام 1999م، ورد بلاغ إلى شرطة ولاية ميسوري وبناءً عليه تم اقتحام مزرعة تؤول ملكيتها إلى راي وزوجته. وعند البحث والتنقيب في الأنقاض والنفايات الموجودة بالفناء الخلفي للكوخ المبني داخل المزرعة، عثرت الشرطة على ثلاث جثث مهترئة مدفونة في قبور لم تُحفر عميقاً. وسرعان ما تبين أنها جثث كل من بول جاسون وجون فريمان وجيمي هارفي، كما اتضح أن كلاً منهم أصيب بعيار ناري في مؤخرة الرأس، وأن العيار انطلق تقريباً من مسافة قريبة وبعد فترة وجيزة، تم اكتشاف جثة واين وورنر وهي ملفوفة بالبلاستيك وتنبعث منها روائح نتنة تحت أرضية الحظيرة. وفي المنزل، تم العثور على مسدس عيار 22، وقد أسفر الفحص والاختبار عن أنه كان السلاح الذي استخدم في إزهاق أرواح الضحايا. وعثر المحققون أيضاً على قائمة بالعمال المستأجرين للعمل اليدوي في المزرعة، وكانت القائمة مكتوبة بخط يد فاي، حيث كانت هنالك علامة (x) كبيرة أمام اثني عشر اسماً مدرجاً بالقائمة، اتضح أن خمسة منها لموتى تم العثور على جثثهم بينما لا يزال السبعة الباقين في عداد المفقودين الذين يبدو العثور على جثثهم أمراً بعيد المنال. لا مراء أن العجوز الهرم وزوجته الشمطاء لم يكونا بريئين كما يبدو من مظهرهما.

أما الاكتشاف الذي كان مهولاً ومروعاً ورهيباً وأثر تأثيراً بالغاً حتى على المختبرين أنفسهم من رجال الشرطة وأرعبهم حتى النخاع، فقد تمثل في قطعة قماش مختلفة الألوان والأشكال حيكت يدوياً لتصبح ملاءة للحاف أو غطاء لوسادة، ولم تكن المادة التي حيكت منها تلك القطعة سوى الملابس التي كان يرتيديها الرجال الذين سُفكت دماؤهم.

وقبل أن ينهي رجال الشرطة مهمتهم في المزرعة، تم العثور على جثة أخرى محشورة بطريقة محكمة في صهريج المياه وكانت هنالك قطعة من الخرسانة المسلحة مربوطة في الحزام، واتضح لاحقاً أنها جثة دينيس ميرفي، كما تبين أيضاً أن القتل كان ناجماً عن إصابة بعيار ناري في مؤخرة الرأس - الأمر الذي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن راي لم يكن بمفرده عندما أقدم على ما أقدم عليه.

وبطبيعة الحال، فإن عصابة سفاحين قوامها رجل وزوجته ستكون بلا ريب مادة إخبارية مثيرة بغض النظر عن الملابسات والظروف المحيطة بالجرائم التي اقترفتها تلك العصابة. بيد أن ما يميز راي وزوجته هو العمر الذي وصلا إليه، إذ بلغا من العمر عتياً. وقد بدأ راي في إزهاق أرواح العمال بمزرعته في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم، حيث كان يحبو نحو السبعين من العمر، وأمضى القسط الأوفى من حياته بريئاً لم تتلطخ يداه بدماء الأبرياء ولكن السنوات العشر الأخيرة من عمره هي التي شهدت تحولاً جذرياً نقله بجدارة إلى زمرة القتلة السفاكين سفاحي الدماء التي ولغ فيها وتوغل من شعر رأسه حتى أخمصيه. أما زوجته، فقد كانت تقارب السبعين من العمر عندما بدأت تخطو في عالم الإجرام وتخط أسطرها الأولى في السجل الجنائي. وقبل ذلك، كانت جدة عطوفة تحنو على أبنائها وأحفادها. وقد عرضت عليها السلطات تخفيف التهم الموجهة إليها مقابل الإبلاغ عن أماكن المفقودين ممن كانوا مدرجين على القائمة التي كتبتها بخط يدها.

يشار إلى أن راي الذي يبلغ عمره حالياً 75 عاماً ولُد في أوكلاهوما لأب يعمل فلاحاً. وقد استقر والداه في نهاية المطاف في أركنساس. وقد بدأ راي يمارس نشاطه الإجرامي منذ مرحلة مبكرة من العمر عندما كان في أوائل العقد الثالث من عمره. ووقتها أقدم على سرقة أغراض من مزرعة والده. وبالجملة، كان سجله الجنائي مليئاً بالسوابق الإجرامية.

وقد تزوج راي من فاي عندما كان في السادسة والعشرين من عمره وأنجب منها ابنه إيفريت بعد عام من الزواج ثم انجب الطفل الثاني بيلي راي بعد عامين من ولادة الطفل الأول. وبعد الانتقال إلى كاليفورنيا، أنجب الزوجان طفلين آخرين، هما عبارة عن بنت أسمياها بيتي لاو وولد أسمياه ألفيا.

وفي اليوم الأول من شهر نوفمبر عام 1990م، مثلت فاي أمام المحكمة بتهمة القتل، حيث أدلت بمرافعتها الدفاعية زاعمة فيها أنها لا تعلم أي شيء من أنشطة زوجها، كما أنها أفادت بأنها مصابة بمتلازمة المرأة ضحية الضرب والعنف المنزلي (Battered-Woman Syndrome). وبرغم ذلك صدر بحقها حكم يقضي بإعدامها بحقنة مميتة، فانفجرت تجهش بالبكاء وانهمر الدمع من عينيها مدراراً عند النطق بالحكم. وقد صدر حكم مماثل بحق زوجها راي ليصبحا أكبر زوجين يصدر ضدهما حكم بالإعدام - بيد أن أياً منهما لم تكتب له الحياة لتنفيذ العقوبة. فقد مات راي في عام 1993م عن عمر يناهز السابعة والثمانين وهو لا يزال رهن الحبس في انتظار تنفيذ عقوبة الإعدام.

أما فاي، فقد تم تخفيف عقوبتها إلى السجن مدى الحياة إثر استئنافها حكم الإعدام الصادر بحقها. ومن خلف القضبان حيث كانت قابعة، تحدثت فاي إلى لي كافانوف مقدم برنامج كنساس سيتي ستار فأعربت عن اعتقادها أنها سوف تخرج من السجن في يوم ما.

وقد حاولت مجموعات ناشطة في مجال رعاية المرأة الإفراج عنها وإطلاق سراحها بيد أن المحاولة باءت بالفشل. وفي عام 2002م، تعرضت فاي البالغة من العمر 82 عاماً لذبحة صدرية أفضت إلى موتها. ووفقاً لعيادة محاكمات المصلحة العامة، فإن إدانة راي وفاي كوبرلاند والأحكام الصادرة بحقهما كانت نتاج انتهاكات متكررة لحقوقهما التي يكفلها لهما الدستور وإن الدليل الوحيد الذي حاول المحامي الذي تولى الدفاع عنها تقديمه ضمن دفوعه كان عبارة عن شهادة أدلى بها اختصاصي نفساني أشار فيها إلى أن فاي كانت تعاني من متلازمة المرأة ضحية العنف المنزلي وهذه الشهادة لا يؤيدها سوى شهادة أخرى بأن زوجها كان يسيء معاملتها بتوجيه ألفاظ - نابية - بيد أن المحكمة منعت الهيئة الاستشارية من تقديم الشهادة إلى هيئة المحلفين مما يمثل انتهاكاً صارخاً لإجراءات الترافع المقررة حسب الأصول المتبعة بموجب ما ينص عليه التعديل الرابع عشر.


قيّم هذا الموضوع
 




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



إعلانات خيرية